رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم رواج كثير من المصطلحات المعلوماتية في حياتنا، ومن بينها مجتمع المعلومات، فإنها لا تزال غير واضحة المعالم بشكل عام وغير متفق عليها، بل وتعاني من تعدد المفاهيم أحياناً. وبشكل عام فإن لمجتمع المعلومات صفات عامة أولية عديدة، في حين أن الاختلافات تأتي من اختلاف الرؤى المستقبلية والمصالح السياسية والاقتصادية. وهكذا فإن ما يميز مجتمع المعلومات بشكل أساس هو وجود المعلومات المتوافرة بشكل دائم وكبير جداً وهو ما نسميه عادة بالانفجار المعلوماتي والتراكم المعرفي. ويرافق ذلك وجود إمكانات واسعة لتنظيم هذه المعلومات والسيطرة عليها واستخدامها بواسطة تكنولوجيا المعلومات من جهة، ووجود إمكانات نشرها وتبادلها بحرية وسهولة وسرعة بواسطة شبكات اتصال عالمية متعددة ومفتوحة من جهة أخرى.
وانطلاقاً من أهمية بناء مجتمع المعلومات، اجتمع 54 رئيس دولة و83 رئيس حكومة ودبلوماسيون ووكالات الأمم المتحدة وممثلون عن منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في ديسمبر 2003 في المرحلة الأولى من القمة العالمية لمجتمع المعلومات. وصدر عن القمة إعلان مبادئ بعنوان: "بناء مجتمع المعلومات: التحدي العالمي في الألفية الجديدة، وخطة تنفيذية ترتكز عليه وترجمه إلى خطة عمل تنفيذية ذات مهلة زمنية محددة.
ولقد فرضت التحولات الجديدة في مجال المعلومات والمعلوماتية استخدام مفاهيم معاصرة أخرى مثل عصر المعلومات، وثورة المعلومات، ومجتمع المعلومات. أما ظاهرة المعلومات في واقعنا المعاصر الذي نعيش، فقد أصبحت أمراً لابد من التعايش معه والانتباه إلى تفاعلاته المختلفة ومردوداته على مختلف جوانب الحياة المعاصرة، سواء على مستوى الكم الهائل من المعلومات المنتجة التي تبث عبر الوسائط والتكنولوجيا المختلفة من مختلف مناطق العالم، أو من حيث الأشكال المختلفة لهذه المعلومات(المقروءة، والمسموعة والمرئية) وفي مختلف الموضوعات. وقد جاءت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتأمين إمكانية السيطرة على هذا الكم الهائل من المعلومات وتهيئتها لمجتمع المعلومات بالسرعة والدقة والشمولية التي يتطلبها عصر المعلومات.
وتعد المعلومات من أهم مكونات الحياة المعاصرة بل إنها تشكل عنصر التحدي لكل فرد في المجتمع لارتباطها في طل المجالات والنشاطات البشرية وتعتبر المعلومات من المصادر القومية المؤثرة في تطور الدول ونمو المجتمعات حتى أن الدول المتقدمة تعتبرها كالمصادر الطبيعية الأخرى من حيث الأهمية وإمكانية مساهمتها في زيادة الدخل القومي لأي بلد.
ولقد أدت ثورة المعلومات إلى ظهور أنماط جديدة من التحديات الأمنية. ولقد ظهرت تحديات جديدة للأمن بمفهومه التقليدي،هذه التحديات تتعلق بالاستعدادات اللازمة للتعامل مع المستجدات والمهددات الأمنية. ففي السابق يمكن للدولة إغلاق حدودها والتشويش على جيرانها وعدم استقبال بثهم التلفزيوني، ومنع الاتصالات معهم.
وكانت غالبية المهددات الخارجية تأتي من الجيران لخلافات حدودية، أو أطماع في المصادر الوطنية، أو بسب تحالفات عسكرية معينة، أما في المجتمع المعلوماتي لم يعد بالضرورة أن تكون الدول متجاورة لكي تهدد بعضها أمنياً، فتطور نظم السلاح الذي مكنه من الوصول لمسافات بعيدة، واستخدام تقنيات بسيطة لتدمير البناء المعلوماتي للدولة وتخريب نظمها الإدارية، والعسكرية، قد جعل حرب المعلومات حرب الجميع، وإن جيشها جيش الجميع صغاراً وكباراً، هواة أو قراصنة ومتلصصين، أفراداً وجماعات.. إلخ.
ويمكن القول أن النتاج الفكري الأجنبي، وبخاصة في اللغة الإنجليزية، يحفل بالكثير من البحوث والدراسات والمقالات حول موضوع مجتمع المعلومات، سواء في أدبيات علم المكتبات والمعلومات أو الاقتصاد أو الحاسوب أو العلوم الإدارية وغيرها. أما الحديث عن مجتمع المعلومات في النتاج الفكري العربي فلا يزال نادراً وحديث العهد،
ومن هنا تأتي أهمية كتاب: "مجتمع المعلومات والواقع العربي " من تأليف د. ربحي مصطفى عليان، الذي صدر مؤخراً عن دار جرير للنشر والتوزيع – عمان، ويهدف الكتاب إلى تقديم موضوع مجتمع المعلومات من كافة جوانبه إلى الباحثين والمتخصصين العرب وطلبة علوم المكتبات والمعلومات في البلاد العربية.
ويضم الكتاب تسعة فصول تعالج موضوع مجتمع المعلومات من خلال مفهومه تاريخه، سماته وخصائصه والواقع العربي في مجال المعلومات المعلوماتية، مؤشرات انتقال الدول العربية إلى مجتمع المعلومات، المتخصصون في علم المكتبات والمعلومات ودورهم في مجتمع المعلومات، وتوصيات لانتقال المجتمع العربي إلى مجتمع المعلومات. كما يضم الكتاب بعض الملاحق وقائمة مصادر عربية وإنجليزية وجاء الكتاب في 303 صفحة من القطع المتوسط.
وقد بدأ المؤلف كتابه بفصل عن مفهوم مجتمع المعلومات وتعريفاته المختلفة وجاء الفصل الثاني لرصد التصور التاريخي لمجتمع المعلومات والمراحل التاريخية التي مر بها، وفي الفصل تحدث عن مجتمع المعلومات (الخلفية النظرية)، فقد أصبحت المعلومات في هذا العصر بمثابة سلعة تسوق، وأصبحت مورداً أساسياً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والسياسية والعلمية والثقافية. وكنتيجة لذلك، حدث نمو كبير في المجتمعات المعتمدة على المعلومات، بل وتحولت المجتمعات الصناعية إلى مجتمعات معلومات، وأصبحت المعلومات هي المواد الأولية لهذه المجتمعات، مثلما كان الفحم والحديد من المواد الأولية للمجتمعات الصناعية.
ويمكن القول إن الأمن في المجتمع المعلوماتي ما هو إلا نتيجة طبيعية لتطور بنى المجتمع وانتقالها من مجتمع صناعي إلى مجتمع معلوماتي. وانتقال أساس القوة من الأرض (المجتمع الزراعي) إلى الآلة (في المجتمع الصناعي) إلى المعلومات (في المجتمع المعلوماتي)، إلا أنه يمكن القول إن سرعة انتقال التقنيات بين الدول، وتوافر البنية التحتية المعلوماتية الأساسية قد سرّع في انتقال المجتمعات النامية إلى المجتمع المعلوماتي رغم أنها غير منتجة تقنياً لهذه المعدات، ومتخلفة معلوماتياً.
وعن سمات وخصائص مجتمع المعلومات خصص المؤلف الفصل الرابع، فلكل نمط من المجتمعات خصائصه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي تميزه عن غيره من المجتمعات، فللمجتمعات الزراعية خصائصها، وللمجتمعات الصناعية خصائصها، ولمجتمع المعلومات خصائصه أيضاً.
وتمثل خصائص مجتمع المعلومات معايير أو قياسات يمكن من خلالها التنبؤ بدخول المجتمع، أو تحوله، أو تطوره إلى مجتمع المعلومات. ويمكن النظر إلى تكوين البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات ومدى نضوج هذه البنية كمؤشر على كون المجتمع مجتمع معلومات.
ومن أساليب القياس التي يمكن استخدامها: عدد الحواسيب، عدد الخادمات للإنترنت وعدد المشتركين، أمية الحاسوب، نسبة مساهمة المعلومات في إجمالي الدخل القومي، ونسبة العمالة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وغيرها.
وبعد الاطلاع على النتاج الفكري المتعلق بمجتمع المعلومات يمكن أن تستخلص المؤشرات أو الخصائص التالية لمجتمع المعلومات:
1- التحول من اقتصاد الصناعات إلى اقتصاد المعلومات.
2- التحول من الاقتصاد الوطني أو القومي إلى الاقتصاد العالمي الشامل أو المتكامل.
3- التحول من إنتاج البضائع والسلع المصنعة إلى إنتاج المعلومات.
4- التحول من استخدام القوة الجسمية إلى القوة العقلية أو الذهنية.
5- ظهور المعلومات كمصدر ومورد أساس ورئيس للاقتصاد بعد أن كانت عنصراً ثانويا في الاقتصاد الصناعي.
6- ظهور شبكات المعلومات والاتصالات البعيدة على المستوى العالمي لتلبية احتياجات الأفراد من المعلومات بسرعة أكثر وتكلفة أقل.
7- انتشار تكنولوجيا المعلومات المتقدمة ووسائل الاتصالات البعيدة بشكل مكثف واستخدامها في المؤسسات العامة والخاصة والمدارس والمنازل لتحقيق أهداف وغايات اجتماعية وسياسية وثقافية وغيرها.
8- ظهور مبدأ المشاركة في اتخاذ القرارات (الديمقراطية المباشرة) نتيجة التدفق الحر للمعلومات.
9- ظهور مبدأ المنتج- المستهلك.
10- الانتقال من المركزية إلى اللامركزية.
11- الاعتراف بدور المعلومات كعنصر هام وحيوي في تقوية المبادئ والقيم الثقافية للمجتمع ودورها في عملية التطوير والتنمية.
12- اعتبار التعليم عملية استثمار إستراتيجية وقوة تطويرية هامة في مجتمع المعلومات.
وينتقل بنا المؤلف إلى الفصل الخامس والذي يعتبر من أهم فصول الكتاب لأنه يتناول الواقع العربي في مجال المعلومات والمعلوماتية، فيبدو واضحاً أن العالم العربي لم يستعد بعد للدخول في مجتمع المعلومات رغم انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وصناعة المعلومات في بعض الدول العربية، إلا أنها ما زالت في مرحلة البداية. ويعود ذلك بشكل رئيس إلى ضعف الهياكل الأساسية لتكنولوجيا المعلومات وشبكات الاتصالات وضعف القوى البشرية العاملة في هذه المجالات، وغياب السياسات الوطنية للمعلومات.
أما عن الوضع العربي الراهن في مجال المعلومات والمعلوماتية فمما لا يقبل الجدال أن العرب خلال حقبة تاريخية سالفة شيدوا حضارة عريقة بلغ صيتها كافة أصقاع المعمورة، اعترف بها الأعداء قبل الأصدقاء، شكلت اللبنة الأولى وحجر الأساس لتقدم الغرب وازدهاره الحالي، وإنه لا يضاهي عظمة تلك الحضارة إلا براعة أصحابها في تحطيمها والعمل على تقويض أركانها على مر العصور، فالمسافة تتسع وتنظيم المجتمع يتعقد ومتطلبات السياسة العالمية تتشابك، ويضيق على العرب شيئاً فشيئاً بحكم تصارع القوى، ويمكن إجمال تلك المؤشرات فيما يلي:
* غياب الروح العلمية ويتجلى ذلك في مظاهر ومواقف اجتماعية عديدة مثل انعدام الثقة في البحث العلمين وجدوى الحلول العلمية، عدم تقدير العلماء، وانقطاع معظم المتعلمين عن تحصيل العلم بمجرد تخرجهم أو حصولهم على شهادات علمية.
* قتل الروح الابتكارية لدى النشء من خلال نظام تعليمي تلقيني يثبط همم المبتكرين والمبدعين.
* تخلف أو قصور خدمات المعلومات، ونفور أصحاب القرار من استغلالها عند اتخاذ القرارات التي تأتي ارتجالية.
* عدم التناسق وانفصام عرى التكامل الثقافي بين التخصصات العلمية والفنية والتخصصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية مما يترتب عنه تعذر إجراء دراسات متعددة التخصصات وظاهرة غزو الفضاء الإليكتروني جديرة بأن تدرس من طرف لفيف من المتخصصين في مجالات شتى لوضع تصور مجتمعي متكامل.
* عدم تجاوب نظم التعليم الرسمي مع متطلبات الأجيال القادمة مع ضعف فادح في البنى الأساسية لنظم المعلومات لافتقادنا لسياسات وطنية في المجال، أضف عليه ضعف التكامل العربي.
* ضعف النشر عموماً والنشر العلمي خصوصاً، وبطء حركة الترجمة.
* الاعتماد على الخبرة الأجنبية في كثير من مشاريع نظم المعلومات العربية سواء في التصميم أو التطوير أو التشغيل.
* قصور وانخفاض في البحوث الأساسية والتطبيقية في كل العلوم ومنها مجال المعلومات وهي ناجمة عن التبعية العلمية والتكنولوجية، وضعف الميزانيات المخصصة للبحث العلمي.
* تقليص تعليم اللغات الأجنبية في كثير من الدول العربية.
* عدم توفر قدراً من الانسجام والوحدة في المنظومة التربوية للدول العربية مما يجعله يكرس ظاهرة انفصام الشخصية الثقافية وازدواجها، مع اعتماد أسلوب التلقين الشخصية مناهج تجاوزها العصر، فالتعليم يقوم في الغالب على اجترار المعارف القديمة التي تتناقل عبر الأجيال نظراً لركود الإنتاج العلمي العربي واستحالة الوصول لمصادر المعلومات الأجنبية.
* انقطاع الصلة بين الفرد العربي وبين المجتمع على مستوى الدراسة والبحث، كما على مستوى الإبداع مما يؤدي حتماً إلى غياب المعرفة بواقع المجتمع العربي وإمكانات تقديم حلول لمشاكله.
* عدم استيعاب المؤسسات التعليمية في الأقطار العربية جميع الأطفال في سن التدريس، مما يزيد معدل الأمية، علاوة على جيوش المتسربين والمنقطعين مما يضخم من حجم الجيوش الأمية. مما يؤدي قطعاً إلى ضيق قاعدة هرم النخبة المثقفة غداً، وبالتالي ضيق دائرة النشاط الثقافي وطفوها على سطح المجتمع مما يكرس ويعمق الانفصال والانقطاع بين المجتمع والفكر ويقلل من فرص ظهور طاقات فكرية خلاقة.
* الاستيراد المفرط للتكنولوجيات المطبقة في الخارج في شتى المجالات والتي يعتقد أن لها تأثيراً أسرع على إحداث التطور والتنمية وهو أمر من شأنه إهدار جدوى الجهود المحلية التي تبذل في مجال البحوث وتصبح خياراً باهظ الثمن فوق طاقة البلدان، وما أشبه اليوم بالبارحة حينما عمدت دولنا لاستيراد صناعات جاهزة لإحداث التنمية وهاهي السياسات العربية في مجال تكنولوجيا المعلومات تنحى باتجاه استيراد مخرجات ووسائل التكنولوجيا لعل وعسى يحدث ذلك تقدماً مماثلاً لما هو حاصل في أوروبا.
وفي الفصل السادس (مؤشرات انتقال الدول العربية إلى مجتمع المعلومات) فهو عبارة عن دراسة حالة أجراها المؤلف عن المملكة الأردنية، أما الفصل السابع في خصصه المؤلف لأخلاق مجتمع المعلومات، فكما هو معلوم أهمية تحديد ضوابط أخلاقية تتوافق عليها المجموعات والمهن والمجتمعات. ففي المهن الطبية نجد مثلاً قسم أبو قراط الذي يحدد أخلاق الطبيب، وهناك قسم ومواثيق وأسس مكتوبة لمختلف المهن والوظائف في المجتمع، وقد يستطيع صاحب المهنة أن يخرق قواعد تنظيم المهنة التي تحددها نقابتها، مما يعرضه لعقوبة بسيطة أو شديدة، ولكنه إذا خرق أسس أخلاق المهنة، وثبت عليه ذلك فإنه لا يعاقب فقط وإنما يطرد من مهنته، من هذا المنطلق يبدأ المؤلف في سرد فصله عن أخلاق مجتمع المعلومات، وفي الفصل الثامن تناول المؤلف المتخصصين في علم المكتبات والمعلومات ودورهم في مجتمع المعلومات، وأنهى المؤلف كتاب بفصل كامل يحوي أهم التوصيات التي خلص بها من الدراسة حول انتقال المجتمعات العربية إلى مجتمع المعلومات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3168
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026