رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا جدال في أن خطاب اعتماد السفير المصري لدى إسرائيل يعد فضيحة للبيروقراطية المصرية، سببت إحراجا شديدا للرئيس محمد مرسي. مع ذلك فربما كان للحدث فضيلة وحيدة هي أنه يستدعي إلى الواجهة ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية بعد ثورة 25 يناير.
ــ1ــ
إذ لم يخطر على بال أحد أن يخاطب أول رئيس منتخب لمصر بعد الثورة رئيس إسرائيل بعبارة: عزيزي وصديقي العظيم. وما تصور أحد أن يعبر الرئيس المصري عن مشاعره بقوله: إنه شديد الرغبة في اطراد علاقات المحبة التي تربط لحسن الحظ بلدينا.. إلى غير ذلك من مفردات وعبارات قاموس المرحلة التي كان فيها الرئيس المصري كنزا إستراتيجيا لإسرائيل. وهي المرحلة التي أسقطتها ثورة الشعب المصري أملا منه في أن يقيم نظاما جديدا يرد للمصريين كرامتهم ويعيد لبلدهم كبرياءه الجريح.
رغم أني واحد ممن يرون أنه ما كان لمصر أن تمثل بسفير في تل أبيب، طالما استمرت الدولة العبرية في سياساتها التوسعية وفي احتلالها للأراضي العربية ورفضها لحقوق الشعب الفلسطيني، إلا أنني لم أتوقع أن تقطع مصر العلاقات مع إسرائيل وتلغي كامب ديفيد، وتدخل بسببها حربا ضدها. مع ذلك فقد تصورت أنه من الطبيعي أن تتحدث مصر بعد الثورة بلغة تتسم بقدر من الاحتشام والحذر، تختلف في حدها الأدنى عن لغة النظام السابق. لغة ترى أن إسرائيل ليست صديقا ولا حليفا، ولكنها بلد غاصب ومعتد، ورث النظام الجديد علاقة معه، فتورط فيها واضطر لأن يتعامل معها حتى إشعار آخر، باعتبار ذلك من قبيل السُّم الذي يضطر المرء إلى تجرعه في بعض الظروف الاستثنائية. ولذلك فإن موقف مصر الحقيقي بعد الثورة هو الصبر عليها وليس الموافقة عليها.
يقول خبراء الدبلوماسية المصرية إن لغة الخطاب التي أرسلت مع السفير الجديد ليس فيها جديد، لأنها الصيغة التقليدية المتعارف عليها دوليا، والتي يخاطب بها كل رؤساء الجمهوريات في أنحاء العالم، من الولايات المتحدة إلى بوركينافاسو. فالنص مكتوب منذ عدة عقود، والذي يتغير فيه فقط بين الحين والآخر هو اسم رئيس الدولة الموجه إليه الخطاب واسم السفير الذي يحمله. ذلك يعني أن الخطاب المرسل ليس فيه أي مشاعر خاصة بإسرائيل. بالتالي فإنه من التعسف والظلم أن يعد الخطاب دليلا على استمرار الرئيس مرسي في السير على ذات النهج الذي خطَّه وسار عليه الرئيس السابق.
هذا الكلام أفهمه ومستعد للقبول به، لكنه يعني في الوقت ذاته أن البيروقراطية المصرية في غيبوبة، ولم تدرك بعد أن في مصر ثورة أقامت نظاما جديدا، وبالتالي فإن لغة مخاطبة رئيس إسرائيل من جانب أول رئيس منتخب بعد الثورة المصرية لابد أن تختلف في مفرداتها ومعانيها.
ــ2ــ
أستطيع أن أفهم أيضا أن العلاقات المصرية الإسرائيلية لها وضع شديد الحساسية والخصوصية، لسبب جوهري هو أنها ليست علاقة ثنائية بين دولتين، ولكنها علاقة ثلاثية بل ورباعية أيضا. أعني أن تعامل المسؤول المصري مع إسرائيل يضع في الاعتبار أنه يتعامل أيضا مع طرف ثالث هو الولايات المتحدة بل وطرف رابع يتمثل في الاتحاد الأوروبي. بالتالي فعليه أن يدرك أن مسار علاقات مصر مع إسرائيل يمكن أن يؤثر سلبا أو إيجابا مع الولايات المتحدة وأوروبا. وذلك أمر لا ينبغي أن يصادر حركة الدبلوماسية المصرية، لكنه يدعوها إلى توخي الحذر فيما تقدم عليه من خطوات. والحذر لا يكون بالاستسلام والانبطاح بطبيعة الحال، وإنما يكون بدوام التمسك بالحق مع الحرص على الحفاظ على الجسور الممتدة مع الولايات ودول الاتحاد الأوروبي. ولست أشك في أن استقرار الوضع الداخلي وتماسكه يمثل عنصرا مهما في نجاح المسعى المصري المنشود. ولا أقول إن وراءها شعوب الأمة العربية، لكن يكفي أن تتوافر لها قيادة منتخبة ديمقراطيا ومعبرة عن ضمير المجتمع، الذي لديه ألف تحفظ على الممارسات الإسرائيلية. علما بأن الذي تصالح مع إسرائيل هو حكومة مصرية ليست منتخبة، في حين أن الشعب لم يتصالح معها منذ وقعت الاتفاقية في عام 1979.
يحضرني هنا موقف الحكومة التركية التي اجتازت ذلك الاختبار بنجاح مشهود. إذ هي محتفظة بعلاقاتها التي ورثتها مع إسرائيل وعلاقتها وثيقة مع الولايات المتحدة بحكم عضويتها في ملف الناتو. لكن ذلك لم يمنعها من الاشتباك مع الاثنين والدخول في مواجهات سياسية ساخنة، حين يتعلق الأمر باستقلال السياسة التركية، خصوصا في موقفها من الوضع الفلسطيني. وما كان لحكومة أنقرة أن تخوض غمار تلك المواجهات إلا لأن قيادتها توافرت لديها الإرادة المستقلة، كما توافر لها السند الشعبي القوي بعد النجاحات والإنجازات التي حققتها في الداخل، والاستقبال الشعبي الكبير الذي حظي به رئيس الوزراء الطيب أردوغان بعد اشتباكه العلني مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في مؤتمر دافوس، يشهد بأن موقف الرجل كان تعبيرا صادقا عن ضمير الشعب التركي الذي انتخبه.
ليس لدي اعتراض على من يقول إن مصر في وضعها الراهن تصعب مقارنتها بتركيا، وهو ما أوافق عليه، لكن أقول فقط إننا إذا لم نفعلها فلا أقل من أن نفهمها.
ــ3ــ
منذ بدأت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عقب توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979 أرسلت مصر ستة سفراء إلى تل أبيب لكن هذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها الصحف الإسرائيلية خطاب اعتماد السفير المصري لدى الدولة العبرية. من العبط أن نعتبرها مجرد مصادفة. ومن السذاجة أن نتصور أن الرسالة لم تسرب عمدا لإحراج الرئيس محمد مرسي وتشويه صورته أمام الرأي العام العربي والإسلامي، فضلا عن محاولة طمأنة الرأي العام الداخلي إلى أن رئيس مصر بعد الثورة ليس سوى نسخة من رئيسها قبل الثورة، لم يختلف عنه إلا في لحيته البيضاء. ولست أشك في أن من سرب الرسالة أراد أن يقول للعرب والمسلمين جميعا: ها هو الرئيس القادم من جماعة الإخوان المسلمين التي حاربت إسرائيل في عام 48 ولا تزال أجنحتها في غزة وفي غيرها من البلدان، ها هو يبعث برسالة صداقة دافئة وحميمة إلى «صديقه العظيم» رئيس إسرائيل. كأنه يعتذر عن ماضيه وماضي جماعته، ويطلب منهم الصفح والغفران ملتمسا إقامة علاقات المحبة وطالبا الرضا والقرب.
قارئ الصحف المصرية على الأقل يدرك أن أغلب المنابر الإعلامية ابتلعت الطعم، وتصرفت كأن خطاب الاعتماد كتبه الرئيس محمد مرسي بخط يده، وأن العبارات التي وردت فيه تعبير عن مشاعره الحقيقية، التي كان قد أخفاها قبل الانتخابات الرئاسية حيث دعا إلى وقف التطبيع مع إسرائيل. بل قرأت أن الإخوان سوف ينخرطون في عملية التطبيع قريبا وأن لقاء الدكتور مرسي مع شمعون بيريز لن يكون بعيدا.
الخلاصة أن عددا كبيرا من المعلقين في وسائل الإعلام المصري شغلوا بمحاكمة الرئيس مرسي واحتساب هدف ضد الإخوان، بأكثر مما شغلوا بتحري الحقيقة في شأن الخطاب أو بالتفكير في كيفية التعاطي بمسؤولية وكرامة مع ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية في ظل موازين القوة الحالية.
ــ4ــ
لا أخفي شعورا بالاستياء والحنق إزاء اللغة التي يتحدث بها الرئيس والحكومة في مصر بعد الثورة عن معاهدة السلام والعلاقات مع إسرائيل. وقد حزنت كثيرا عندما سمعت الرئيس محمد مرسي يقول في نيويورك إنه ليست لديه مشكلة مع اتفاقية كامب ديفيد، لثقتي في أنه لابد أن تكون له مشكلة مع المعاهدة، شأنه في ذلك شأن أي وطني مصري، كما أن لدي تحفظا على قول المتحدث باسم الرئاسة وكذلك السفير الجديد لدى إسرائيل من أن مصر ملتزمة بالكامل ببنود المعاهدة.
وقبل أن يصيح المرتعشون والمطبعون قائلين إنني أدعو إلى إلغاء المعاهدة والدخول في حرب ضد إسرائيل، فإنني أكرر بأن ما أدعو إليه في الوقت الراهن ليس إلغاء المعاهدة، وإنما الحذر في الحديث عنها والاستسلام لها بغير تحفظ.
لقد قال لي بعض الدبلوماسيين المخضرمين إن ذلك الحديث الذي أثار استيائي ليس موجها إلى إسرائيل ولكنه موجه لطمأنة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وحتى إذا كان ذلك صحيحا، فإنه يبعث أيضا برسالة طمأنة مفرطة لإسرائيل، كما أنه يشيع حالة من الإحباط في أوساط الوطنيين المصريين والعرب، ناهيك عن الفلسطينيين في الأرض المحتلة.
إن ما بيننا وبين إسرائيل ليس علاقات عادية، وبالتالي فإن مخاطبة رئيسها ينبغي أن تضع في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي تحيط بتلك العلاقات، فإسرائيل مستمرة كل يوم في محو خريطة فلسطين حتى أعلنت مؤخرا عن أن الضفة الغربية ليست أرضا محتلة، وذلك لا يمثل فقط إهدارا لحقوق الفلسطينيين الذين تحتفظ في سجونها بنحو عشرة آلاف منهم، ولكنه يمثل أيضا تهديدا للأمن المصري والقومي العربي ــ ولا تزال إسرائيل تحاصر قطاع غزة بعدما دمرت بنيته التحتية ــ ثم إن شبه جزيرة سيناء لا تزال مرتهنة لحساب إسرائيل ولم تستطع مصر أن تستعيد سيادتها عليها منذ توقيع اتفاقية السلام، رغم أن الأحداث التي وقعت أخيرا بينت خطورة استمرار ذلك الوضع على الأمن المصري ــ ولا يقل عن ذلك أهمية أن إسرائيل صارت طرفا في نهب حقوق الغاز التي تم اكتشافها داخل نطاق المياه الاقتصادية المصرية بالتواطؤ مع قبرص. وهي جريمة كبرى ضيعت على مصر دخلا يقدر بعشرات المليارات من الدولارات، في حين أنها تقف على باب صندوق النقد الدولي متمنية الحصول على أقل من خمسة مليارات دولار للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها (للعلم لم تنزعج إسرائيل من قرار الحكومة المصرية وقف تصدير الغاز إليها، لأنها استعاضت عنه بالغاز المنهوب وبدأت تصدر منه!)
هذه الخلفية لا ترشح العلاقات المصرية الإسرائيلية لأي تقدم، بل لا تسوغ التعجل في إرسال سفير إلى تل أبيب اكتفاء بوجود قائم بالأعمال هناك، كما أنها لا تبرر بأي حال إرسال خطاب اعتماد مع السفير الجديد يصف الرئيس الإسرائيلي بأنه صديق عزيز أو وفي. وإنما تفرض على المسؤول المصري أيا كان أن يحذف من خطابه مثل تلك الصفات غير المبررة. والمجال واسع في التحفظ المطلوب في حديث المسؤول المصري عن معاهدة السلام. فله أن يقرن كلامه عن الالتزام بها بالدعوة إلى ضرورة وفاء الطرف الآخر بالتزاماته، مع التأكيد على ضرورة احترام حقوق الفلسطينيين وبالتساؤل عن طبيعة «السلام» الذي جلبته.
في هذا الصدد يجدر الانتباه إلى أنه لا توجد معاهدات أبدية، ولكن المعاهدات تخضع للتعديل بما يلبي مصالح أطرافها لكي يعيشوا في أمان وسلام. وقد كان ذلك أوضح ما يكون في حالة سيناء التي أثبتت الظروف أن ثمة حاجة ملحة لإعادة النظر في الملحق الأمني للاتفاقية يحقق مزيدا من الوجود والسيطرة الأمنية المصرية بها.
لا تثريب على مصر أن تحدثت بهذه اللغة حتى تتعافى وتنهض على قدميها، وحينذاك ربما أصبح بمقدورها أن تفعل ما فعلته تركيا مع أصدقائها و«أعدقائها».
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2639
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
684
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9576
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3453
| 22 أكتوبر 2026