رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ميزان العقل والضمير يفرض في هذه اللحظة أن يرقى الحديث حول مصر إلى شرف العطاء الجاري فوق الأرض، وحرمة الدم المسال من الشعب، وأن يدرك حقيقة الحرب الدائرة في ربوع مصر.
ما تخوضه مصر الآن ليس صراعا سياسيا على الإطلاق، وليس مواجهة بين أنصار ديمقراطية وأهل انقلاب على الديمقراطية، إنها حرب استرداد الإرادة الوطنية من الاغتصاب الذي جرى خلال الثلاثين شهرا الماضية، وحاول المغتصب أن يبني قواعده المسلحة داخل الوطن، وأن يبني تحالفاته مع الخارج، وكل غايته تكريس الاستيلاء على السلطة في أعقاب يناير 2011.
الدم المسال كله مصري، وكله حرام، وكما أن الوطن ليس وجهة نظر، فحرمة الدم أيضاً ليست وجهة نظر، وهو أمر يزيد من مرارة الصراع، وترخص أي كلمات تحاول تبرير الدم، أو التغاضي عنه.
القلم الآن كمشرط جراح، لا يملك فسحة من المكان أو الوقت، فاللحظة لها قدرها وقيمتها في عمر الوطن، واي خطأ من يد جراح ترتعش، او تتجاوز، رغم نبل مقصده، قد تحول عملية الإنقاذ بالجراحة إلى عملية قتل.
الفصل بين 30 يونيو 2013 و25 يناير 2011 هو نوع من التعسف في دراسة ما جرى على الأرض المصرية، فحقيقة الأمر أن 25 يناير 2011 أسقطت وجها واحدا لنظام الفساد الذي كان يحكم مصر، وأسقطت 30 يونيو 2013 الوجه الآخر لهذا النظام.
الحزب الوطني وجماعة الإخوان وجهان لعملة واحدة، استطاع الأول أن يبقي 30 عاما لأنه كان مستنبتا من رحم الدولة، ولم يبق الثاني أكثر من عام لأنه كان أعمق خطرا من مجرد الفساد، كان الفساد مضافا إليه الاغتراب عن الدولة، ولأنه بلا وجود في الدولة، كان باحثا عن استقواء بالخارج، سواء بأنظمة صنعته ومولته، او كان الاستقواء لاستعواض الاغتراب عن الدولة بفيلق الناتو الديني من جماعات الإرهاب تحت راية الإسلام، والفساد والاغتراب فتحا باب التفريط وصارت المحظورات الوطنية مستباحة بلا حدود في معني الوطن والأرض والإنسان.
هناك مواجهات بالسلاح والدم، والفصل بينهما هو تغييب للإدراك:
1. المواجهة بين الجيش والجماعات الإرهابية.
2. المواجهات الدموية التي تفرضها جماعة الإخوان.
المواجهة مع الجماعات الإرهابية ليست حربا بين جيوش نظامية، ولكنها هي مواجهة مع حرب العصابات. وإذا كان البادي للعيان أنها مواجهة في سيناء وأغلب عملياتها في الشمال، غير أنها من حيث احتمالات التمدد والانتشار لا تترك مكانا علي سواحل البحر الأحمر وخليج العقبة أو ساحل المتوسط، ولا تترك أيضاً مكانا على كافة الحدود البرية، سواء كانت المواجهة لقطع خطوط الإمداد للكيانات التي اتخذت قواعد في سيناء او في غيرها، أو لاحتمال قيام جماعات أخرى من خارج مصر بغارات للإرباك او استهداف لمواقع أو لضجيج إعلامي لدعم ما يحدث داخل مصر، وليس هناك ما يمكن استبعاده، خاصة بعد أحاديث عن مواقف لبعض الدول، ولتنظيم القاعدة، ولتنظيم الإخوان الدولي.
وفي الداخل بعيدا عن المناطق الحدودية وسيناء (والذي يمكن للعمليات الإرهابية أن تمتد إليه علي غرار ما يجري في العراق)، تحولت جماعة الإخوان إلى قنبلة عنقودية، بانفجارات متتالية، بلا أي معني وبغير أي قدرة علي الحسم، وفي كافة الاتجاهات، وصارت ظاهرة القتل والتعذيب واستهداف عناصر الجيش والشرطة، تخرجهم عن أي توصيف ديني او وطني أو أخلاقي، وكأنها حالة من الانتحار الجماعي، تحاول أن تصل إلى الحالة السورية وبأي ثمن.
لم تنقسم الجماعة إلى عقلاء ومنفلتين، ولكن الحالة شملت الجميع وبلا استثناء، وراحت الجماعة تستدعي كيانات أخرى من داخل المجتمع لتحمل معها رسالة القتل إلى المواطنين.
أي أن المواجهة صارت جبهة يواجه الجيش فيها الجماعات الإرهابية، وجبهة داخلية يحول التحالف الأمني أن تتصاعد فيها الاشتباكات إلى الحرب الأهلية.
أي مواجهة مسلحة بالقتال، أو بالقتل، أن لم يتحدد لها هدف تصبح نوع من البلطجة، وهي في حالة الإرهاب الديني بلطجة مطلقة، فهي لا تستند إلى شرعية تسوغ لها حمل السلاح، بل الغريب أنها تحمل السلاح بعيدا عن ميادين المواجهة الحقيقة مع مصدر الخطر الرئيس في المنطقة. للمواجهات أهداف تسعى الأطراف إلى تحقيقها، وتحول دون أن يحقق من تواجهه أهدافه.
أيا ما كانت أهداف جماعات الإرهاب المسلحة النهائية حتى وإن ادعت السعي لإقامة إمارة على أرض سيناء، إلا أنها لا تتجاوز فيما تؤدي سوى استهداف مواقع الجيش والشرطة وعناصرهم، مضافا إلى المواقع الإدارية بالتدمير، أي أن حجم الفعل لا يتجاوز هدف "إعلان عدم سيطرة الدولة على تلك المناطق"، وإعلان عجز الجيش والشرطة عن ردعهم، وفي مواجهة ذلك تتعدد مهام الجيش لتستهدف عزل الكيانات التي تكونت عن أي مصادر إمداد وتموين، سواء بالسلاح والذخائر او بالأفراد، ثم تصفية القواعد التي تنطلق منها وتدمير إمكاناتها المادية، وثالثا منع هذه المجموعات من نقل عملياتها إلى مناطق أخرى خاصة داخل الوادي أو إلى منطقة القناة.
أهداف هذه المواجهة مع حالة حرب العصابات، تعتمد علي القدرة علي الاستمرار واستنزاف هذه الجماعات وتحقيق ضربات حاسمة في مواجهتها، والحد من خسائر فترة الاستنزاف اللازمة لتحقيق هدف التصفية.
والهدف علي الجبهة الداخلية قد يتحدد في الحفاظ علي كافة منشآت الدولة، والحد من نزيف الدم، وحصار التجمعات وعزلها عن أي مدد بالسلاح او الأفراد وتركها للتفكك الذاتي، والاكتفاء بمواجهة الأهالي لحركة مجموعات تنتمي للجماعة أو من مواليهم مع الحرص علي عدم تحول هذه المواجهات إلى حالة حرب أهلية. والفصل بين المناطق التي تتمركز فيها قواعد الجماعات الإرهابية، وبين الداخل هو هدف رئيس، حتى تؤتي حرب الاستنزاف في الحالتين نتائجها.
ويضاف إلى حزمة الأهداف هذه هدف جوهري، وهو الحرص على ألا تتحول حرب الاستنزاف إلى نزيف للمجتمع، سواء على المستوى النفسي والروح المعنوية، أو على مستوى القبول بالتضحيات، أو على المستوى المعيشي، وأخيرا على مستوى استيعاب أن المواجهة شاملة وان دور الكتل الجماهيرية فيها دور أساسي، لأنها قوة المواجهة في الداخل، وهو أمر أثبتت الأيام الماضية انه يتحقق وفي كل مكان حاولت شظايا الجماعة أن تعلن وجودها فيه، ورغم حالات الاغتيال التي قامت بها الجماعة، غير أن مطاردة المواطنين لهم صارت سمة قد يعاني بسببها أعضاء الجماعة كأفراد من عدم إمكانية العودة إلى حياتهم الطبيعية السابقة علي 30 يونيو.
ليست هناك مواجهات مسلحة لا تدعو أطرافها لأفق واضح للحل، وهذا أمر مقبول، وواجب، شرط ألا يتحول السعي لفتح الأفق وعدم إغلاقه نهائيا، إلى حالة من الدروشة، وكأن المتحدثون عنها لا يعيشون وقائع ما يجري ويستخفون بالدم، بل ويعبثون بالعقل عندما يتحدثون عن جماعة سرية تدعوا للقتل وتقتل، على أنها شريك في وطن.
الخطر أن تتكرر حالة يناير 2011 في يونيو 2013، عندما ظن الشعب انه حقق ثورة بهدف التغيير الجذري للنظام، بينما استوعبت إدارة الفترة الانتقالية الأمر أنها انتهت من أمر التوريث وأخذت تعمل حلا لا علاقة له بالثورة ولا بالتغيير.
ويزيد من هذا الخطر، أن الكيانات السياسية التي كانت قائمة في يناير هي ذاتها القائمة في يونيو، مضافا إليها بعض المستجدات، ولكن لا القديم ولا الجديد استطاع أن ينتج قيادات تقيم توازنا في مواجهة النخبة القديمة والعاجزة عن استيعاب حقيقة ما أراده الشعب في يناير، والشواهد حتى اللحظة أنها لم تستوعب مما أراده الشعب في يونيو غير إزاحة الإخوان وفقط، وهذه الكيانات السياسية ونخبتها أيا ما كان إسهامها التحريضي، غير أنها فاقدة للقدرة علي تحويل التحريض إلى حركة جماهيرية منظمة.
هناك وجه شبه ووجه اختلاف الآن، أن إدارة يناير 2011 لم تكن طرفا في حركة الشعب سوي بالانحياز، ولكن إدارة يونيو 2013 كانت واعية بضرورات التغيير لأن الخطر تجاوز الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ووصل إلى كيان الدولة ذاته وأمنها القومي أو بمعنى آخر وجود الوطن، ولكن الاكتفاء بأن الفترة الانتقالية هي تعديلات دستورية وانتخابات نيابية ورئاسية، وانكفاء الكيانات السياسية من حول كعكة السلطة، بعيدا عن موجبات الدستور وما يليه، هو وجه شبه يثير من المخاطر أكثر بكثير من الأمل.
ان التعامل ببرود مع حقيقة أن 30 شهرا من حراك مستمر من أجل أهداف الثورة، تستهدف مجرد تعديلات دستورية، هو نكسة أخرى لمسيرة الثورة، خاصة وان التعديلات جري جلب قضاة وأساتذة قانون لإجرائها، وكأن حديثا وصراخا كان مستمرا طوال إعداد الدستور الجاري تعديله حول أن مفهوم الدستور بأنه عقد اجتماعي لا يعني إتمامه بلجان فنية، ولكن يجب إتمامه بتوافق شعبي.
المواجهة المسلحة الدامية مع الإرهاب وجماعة الإخوان، لا يجب أن تكون بعيدا عن المجتمع ولا يجب النظر إليها بعين نقدية، إنها مواجهة المجتمع مع الإرهاب، المواطنون يواجهون الإخوان في الشوارع، والجيش يواجه الإرهاب في قواعده المسلحة، وعلي إدارة المرحلة الانتقالية أن تستوعب كل الدرس، الكل تحت السلاح وأرواحه على كفيه، ولم يجني شيئا بعد، ومن غير المنظور أن يحقق شيئا علي مدي قصير، فليس أقل من أن ينتج كل المجتمع رؤيته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لنظام الحكم والتنمية والعدالة الاجتماعية، حتى يعبر عنها الدستور، ولا نصبح من جديد ضحايا ممدوح شاهين العنصر المشترك بين لجنة البشري ولجنة الغرياني واللجنة الأخيرة التي تعدل وتشطب وتضيف وغير معلوم علي أي أساس.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
889
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
652
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
564
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9633
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2631
| 16 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
2403
| 22 أكتوبر 2026