رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت أود الكتابة في موضوع الشورى والديمقراطية وأثرهما على الحكومات والشعوب وأدندن حول المحاسن والمساوئ فيما يتعلق بالديمقراطية حصرا، خصوصا في بلادنا العربية والإسلامية... ولكن الذي حولني إلى موضوع آخر هو ما رأيته بعيني وسمعته بأذني في قناة الجزيرة القطرية أمس وكذلك مواقع التواصل، مما أبكاني في هذا الشهر الكريم رمضان.
مع أني كنت – كبشر- أتأثر كثيرا عندما أرى وأسمع من يأمر ويقوم بالتعذيب حتى الموت في بلدنا الحبيب سوريا وكذلك ما قرأناه وتلقيناه ممن هم أكبر منا سنا أو مِن أترابنا الذين امتحنوا في بلادنا أكثر في عهد الأسدين الأب والابن خصوصا... إن كل ذي إحساس وشعور فاعل لابد له أن يألم ويألم أشد الألم لأن ما يذوقه شعب الشام على يد هؤلاء الديكتاتوريين السفاحين وبأمر من أسيادهم ليدعو إلى ضرورة المواجهة والتحدي الدائم ولاسيَّما أن السوريين أكثرية وليسوا أقلية أمام هذه العصابات الطائفية المدعومة صهيونيا وأمريكيا وروسيا وإيرانيا أما الأذناب فلا عد لهم ولا حصر... أقول: نعم لقد ذرفت دموعي غزيرة وأنا أشاهد طفلا سوريا يعذب من قبل أحد المجرمين الشبيحة بالضرب والركل حتى الموت ويأمره الجندي الإبليسي أن يقول: قل ربك بشار الأسد. فيجيب هذا الطفل المؤمن الشجاع - الذي هو وأمثاله من أكبر الحجج على المتقاعدين والناقدين: الله أكبر، الله ربي الله ربي.. هكذا وبكل صوت واضح وعال غير آبه بالتعذيب المفرط والألم المبرح حتى فارق الحياة شهيدا – رحمه الله - نحسبه عند مولاه سبحانه.
لقد ذكرني هذا الطفل المميز بعشرات اقترف اللانظام معهم ذلك وكان هناك من يبرر للظلمة وأعوانهم هذه الجرائم، بل وكان مذيع أحد البرامج في التلفزيون السوري يقول: إن الجندي يقصد بكلمة الرب المجاز كمن ينادي فلانا بأنه رب الأسرة أي صاحبها. وبشار رئيس السوريين كما يزعم هو والمذيع!.
ذكرني هذا الطفل بإخوانه الأطفال الشهداء في الشام بدءا بحمزة الخطيب – رحمه الله – وليس انتهاء بهذا الطفل لأن الطائفيين الأُجَراء في سوريا يحكمون بذلك منذ زمن بعيد. وكم نصحنا وتكلمنا حتى مع أصحاب القرار في الدول المجاورة والإسلامية ولكن دون جدوى، وذكرني مشهد الطفل، رحمه الله، بالأخ الشاب الذي حفر له ودس في التراب حتى وصل إلى رقبته وهم يجبرونه على أن يصرح بربوبية بشار الأسد، فيقول: ربي الله ربي الله، حتى استشهد - رحمه الله-.
كان هذا منذ سنتين ونصف السنة على مرور الثورة المباركة وهل ننسى الطفل السوري الذي خطفه الشيعة في لبنان وخيروه بأن يموت بأحد السكاكين وهو يصرخ ويبكي – والفيلم والصورة موثقان. وهاهم الإسلاميون اللبنانيون في "سجن رومية" يعذبون بكل شناعة وأكثرهم منذ عشر سنوات فيه ولم يبت القضاء في شأنهم فحتّامَ تعتبر لبنان ديمقراطية وحرة.
لا شك أن ما يسمى حزب الله لا تلحق زبانيته هذه الاعتقالات، لأنه في الحقيقة ينفذ أجندة الصهيونية ويدافع عنها شاء أم أبى، ليحفذ أمن على الدوام مدعوما من محاور الشر المعروفة. ولكن لن نستغرب بعد ذلك - وبعد مئات آلاف الشهداء قتلا وسحلا وإعداما بالرصاص وشنقا وانتهاكا لأعراض النساء والشباب والرجال - أن تبقى صداقة المجرمين مع بعضهم ولو اختلفوا أجناسا وبلادا. وأنا لا أعجب أبداً أن يعتقل ويوقف أخونا الإعلامي في قناة الجزيرة القطرية "أحمد منصور" في مطار برلين بألمانيا ويقاد إلى السجن... لماذا؟ أقول لكم: إن الأمر أكبر من الأخ أحمد منصور، فهي مؤامرة محكمة الحبكات والحبال ضد كل من يلهج بالإسلام دينا حركيا وفاعلا في الحياة ولا يرى انفصال السياسة عنها أبدا. وإن الإعدامات التي صدرت بحق الإخوة الأحرار في مصر وعلى رأسهم الدكتور محمد مرسي الرئيس الشرعي المدني المنتخب وكذلك الذين يقتلون في الشام والعراق واليمن وليبيا دون أحكام أصلا... إنما تصب في العبودية - الزائدة عن كاملة - للصهيونية العالمية ووراءها من وراءها من بعض حكام العرب والمسلمين الذين نكلهم إلى الله وسحقا لهم ولأفعالهم مع المنتفعين بالدرهم والدولار والمناصب. إنه يجب ألا ننسى في هذه العجالة – وكما كتب الأخ الزميل د. هيثم عياش - من ألمانيا أن المدعو "جويدو شتو لتبيرج" الذي يعمل في معهد العلوم والسياسة التابع لدائرة المخابرات والمستشارية الألمانية.
إن "شتولتبيرج" هذا، بل وأمثاله، يطالبون دوما بإعادة الشرعية للطاغية بشار الأسد وهو يحذِّر من تحرير القدس بعد تحرير الإسلاميين لدمشق. وهو الذي أعلن ترحيبه وارتياحه لانقلاب عبد الفتاح السيسي ضد الشرعية. أي أنه مع الفكرة القائلة: إنه لا بد من تدمير مصر وسوريا لترجع الصليبية إلى مواطنها الأصلية ولو بشكل آخر. إذ من المعروف تاريخيا أن الصليبيين لم يُطردوا من بلادنا إلا بعد أن توحدت جبهتا مصر وسوريا، فهما قلعتا الصمود ضد الصليبية والصهيونية ولذلك يراد إخمادهما، فجيء بحافظ وبشار في سوريا واعتبر "بيل كلينتون" الرئيس الأمريكي الأسبق أن السلطة انتقلت من الأب إلى الابن انتقالا سلسا!، أجل، من أجل ضمان أمن إسرائيل في كلتا الجبهتين وليس إلا. وها هم بعض المسؤولين الألمان الجدد بعد نجاحهم بالمناصب يتواصلون مع الحكومة السورية والمصرية ويدافعون عن إبقاء الأسد ويفتخرون بالسيسي! أنا لا أستبعد أبداً أن يكون هذا الرجل الألماني الذي قابله الأخ أحمد منصور هو من تسبب باعتقاله، خصوصا إذا أخذنا بقرينة الشجاعة التي يحملها بطرح الأسئلة، بل حتى إلى درجة إحراج الضيف في أفكاره أحيانا ولذا فعلينا أن نعرف أعداءنا ومع من نتعاون ولمن نسمح ولمن لا نسمح تحت إطار حرية التعبير المكفولة ضمن ضوابط الشريعة والقانون والعادات الحسنة. وإن لمن المعيب جدا أن نلدغ من جحر واحد عدة مرات! السيسي هو عبد لفاتحي الشر كما يقول د. هيثم عياش وهو خادم أمين لإسرائيل وأمريكا وروسيا وإيران وبعض الدول العربية التي تدعم الخائنين وتقف ضد الأحرار. وتدعم الشيعة الروافض وتنفض يديها عن السنة من أبنائها المظلومين والمثير للسخرية أن كل هذا إنما يجري باسم الديمقراطية.
ومن هنا فإنه يجب علينا أن نكافح ونكدح ونواجه باطلهم بكل سلاح وحسب الحكمة والموقف إلى أن يصل الحق إلى نصابه. وهو ما فعله الأخ منصور لدى أجوبته على القضاء الألماني الذي يوصف غالبا بالاستقلال والنزاهة ولذا لم يصدق النائب العام الألماني هذه التهم المسندة إلى منصور وأنه اختطف إنسانا في مكتب سياحة ليتعدى عليه وفعل و... وهكذا أطلق القضاء سراحه دون أي قيد وكان هذا نصرا للعرب والمسلمين وله ولقناة الجزيرة القطرية التي آلت على نفسها أن تصدع بالحق قدر الإمكان وإن كانت ليست معصومة.
وفي الختام: يجب ألا ننسى الموقف المشين لقائدة ألمانيا "أنجيلا ميركل" من السماح للديكتاتور السيسي بأن يدخل بلادها من أوسع الأبواب رغبة في أن تكون مصر سوقا للبضائع الألمانية ليبراليا على حساب المبادئ. وكذلك أن تدعم إسرائيل على حساب الحق الفلسطيني وتقول بكل وقاحة: إنها مع مطالب إسرائيل، خصوصا الأمنية ويجب الاعتراف بها كدولة يهودية!.
وإنها لا تدعم مقاطعة بضائع إسرائيل ولذا شكرها نتنياهو أيما شكر، حيث إن فعلها إنما هو لصالح المنفعة اليهودية والسورية والمصرية سواء.
ألا يكفي أن تصل ميركل إلى تل أبيب برفقة 15 وزيرا من حكومتها للاحتفال بذكرى 50 سنة على العلاقات مع إسرائيل. وقد أكدت موقفها المتفهم من هجوم العدو على غزة مؤخرا، حيث قالت: إن إسرائيل لها حق الدفاع عن نفسها، لأن حماس ذات بعد تسليحي جديد مما دعاها إلى القلق على اليهود! ولذلك فإننا لا نستغرب أن يقوم الأحرار في وجهها لمواقفها المشينة في استقبال السيسي، سواء كان على المستوى الرسمي أو الشعبي وذموها.
وقد كتب وائل قنديل الصحفي الشهير عن كيفية مكافأتها للنازية المصرية المتمثلة بالسيسي، مع أنه في البدايات كانت ألمانيا قد رفضت اعتماد سفير مصري لديها ارتبط اسمه بالثورة المضادة للشرعية. ولكنه الهوى الآن هو الذي يحكم مع أن الحق أحق أن يتبع. وإن أرباب الهوى والسلطة المزيفة والنفاق لابد أن يرحلوا مهما طال الزمن كما رحل غيرهم وتلك سنة الله في الظالمين.
وهنيئا لشعوبنا الحرة في مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها ولأخينا أحمد منصور وكل مجاهد حر لا يخشى إلا الله وأن يذنب في حقه وحق عباده بغير حق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
14406
| 30 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.
2937
| 30 مارس 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها قبل أن تصدر - نسمع كلاماً «منمقاً» من إيران ونرى أفعالاً عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية - 5290 صاروخاً ومسيّرة إيرانية على الخليج مقابل 980 على إسرائيل بنسبة 15 % ! - العالم صُدِم من نقل المعركة من العمق الإسرائيلي إلى العمق الخليجي بكل من فيه وما فيه - قطر استنكرت قصف الكيان الإسرائيلي حقل «بارس» الإيراني.. فماذا كان رد طهران؟! - لولا الله ثم كفاءة دفاعاتنا لرأينا دماء سالت وضحايا سقطوا ومرافق هدمت ومنشآت دمرت - جهود دبلوماسية مكثفة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية بين إيران والاتحاد الأوروبي - إيران تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي -الاعتداءات الإيرانية على الخليج بعد أقل من ساعة من الضربات الإسرائيلية الأمريكية وكأن القائمة محضّرة مسبقاً بداية.. وقبل كل شيء.. لا أحد في دول الخليج رحب بالضربة الإسرائيلية الأمريكية على إيران.. بل إن الخليج لم يكن على علم بالضربة الأمريكية الإسرائيلية التي حدثت يوم 28 فبراير.. الذي حدث أن إيران لم تترك مساحة لهذه الإدانة والرفض بصوت مرتفع.. ولم تترك فرصة للخليج لكي «يتنفس».. فقد أحرقت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بيان التنديد والرفض الذي كان سياسيو الخليج عاكفين على صياغته.. إيران بعد ساعة من الضربة الإسرائيلية الأمريكية وجّهت صواريخها لدول الخليج العربي قبل أن توجهها للكيان الإسرائيلي، منتهكة بذلك حرمة الإسلام والدين والجوار، قبل أن تنتهك السيادة الوطنية للدول الخليجية، وكأن قائمة الاستهداف لدول الخليج جاهزة ومحضّرة من قِبَل إيران قبل أن تبدأ الضربات الإسرائيلية الأمريكية التي لم تعلم بها دول الخليج أصلا..!! قطر والخليج كله - شعوبا وحكومات - صدم من هذه الخطوة الإيرانية التي نقلت المعركة من استهداف عمق الكيان الصهيوني إلى استهداف عمق دول الخليج بكل ما فيها ومن فيها.. الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وصلت إلى عواصم الخليج.. الدوحة والرياض والكويت والمنامة وأبوظبي ودبي.. قبل أن تصل إلى العمق الصهيوني.. فمن ضرب إيران هو الكيان الإسرائيلي وأمريكا وليست دول الخليج. نددت قطر واستنكرت في صباح يوم 18 مارس بعد أقل من ساعة من قيام الكيان الإسرائيلي بقصف حقل «بارس» الإيراني للغاز، فماذا كان الرد الإيراني وكيف كافأت إيران دولة قطر؟ الرد الإيراني لم يكن على الكيان الإسرائيلي الذي ضرب منشآتها للغاز، بل كان على قطر.. إيران كافأت قطر قبل المساء في نفس يوم 18 مارس بعد أقل من 8 ساعات بقصف مدينة راس لفان وحقل الشمال للغاز، مما أدى إلى إعلان قطر للطاقة عن القوة القاهرة بعد توقف إنتاج الغاز من حقل الشمال. هكذا ردت إيران على موقف قطر المندد للعدوان الإسرائيلي على منشآتها الحيوية.. والأغرب أن قطر والشقيقة سلطنة عمان كانتا منخرطتين حتى اللحظات الأخيرة - قبل بدء الضربات - لإيجاد حل دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من ذلك أمطرت إيران سماء قطر بالصواريخ والمسيّرات، بعد لحظات من قيام الكيان الإسرائيلي وأمريكا بتوجيه ضربات لإيران، بل حتى الشقيقة عمان لم تسلم من رشقات لطائرات مسيّرة استهدفت الأراضي العمانية.. ! ولولا الله أولا، ثم الكفاءة العالية لرجال الدفاع والأمن وجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية في قطر والخليج عموما لرأينا دماء سالت بغزارة، وضحايا سقطوا بكثرة، ومرافق حيوية هدمت، ومنشآت دمرت، وبنى تحتية خربت، ومطارات ومحطات مياه وكهرباء وغاز استهدفت، وأرزاق الناس قطعت... كلا لا أبالغ في ذلك.. هل تعلمون أن عدد الصواريخ والمسيرات التي أطلقت على دول الخليج حتى يوم 31 مارس بلغ 5290 صاروخا ومسيرة بنسبة 85%. فيما عدد الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل حتى يوم 31 مارس بلغ 980 صاروخا ومسيرة بنسبة 15%. بل حتى صبيحة عيد الفطر المبارك، والمصلون يؤدون صلاة العيد بالمساجد في عواصم خليجية، كانت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تنهمر عليهم.. لم تراعِ إيران حتى قدسية هذا اليوم، الذي هو عيد ويوم فرح عند المسلمين، وهي الدولة المسلمة والجارة.. إيران تقلص - وتكاد تنفد - مخزونها من الصواريخ والمسيرات باستهداف دول الخليج العربي وليس الكيان الإسرائيلي، وهذه حقيقة. ماذا لو صححت إيران بوصلتها باتجاه الكيان الإسرائيلي، وحوّلت ما ترسله للخليج من صواريخ إلى هناك، أليس هذا هو المنطق؟، خاصة أن دول الخليج أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها وتنأى بنفسها عن أي صراع. الجميع يتذكر جيدا الموقف الخليجي من الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران في يونيو 2025 - ما عرف بحرب 12 يوما - فقد اتسم موقف دول الخليج بالرفض الصريح والإدانة للضربات، وتمسكت بمسار التهدئة والحوار وعدم التصعيد، وحذرت من انزلاق المنطقة لحرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها، وأعلنت - كما حصل مع هذه الحرب - أنها لن تسمح باستخدام أراضيها، أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران. والأكثر من ذلك أن من قام بالوساطة لوقف الحرب على إيران هي قطر، رغم ما لحقها من أذى واستهداف من إيران آنذاك إلا أنها تسامت على كل ذلك من أجل المصلحة العليا للمنطقة وشعوبها، والحفاظ على الأمن والاستقرار، قبل أن تتهاوى المنطقة برمتها في أتون صراع لا آخر له. إيران خسرت ليس فقط الدول الخليجية، بل قبل ذلك خسرت تعاطف شعوب المنطقة ، ففي حرب «12» يوما التي شنت عليها في يونيو 2025 كان هناك تعاطف شعبي عربي معها بدرجة كبيرة، لأنها حصرت معركتها مع الكيان الاسرائيلي، بينما اليوم للأسف «تاهت» بوصلتها، فخسرت شعبيتها. إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا باستهداف دول الخليج العربي، التي كان يشكّل البعض منها «رئة» تنفست منها طهران عقودا من الزمن، فيما دول أخرى حملت ملفات إيران وأزماتها السياسية مع المجتمع الدولي، كما قطر وعمان، وعملت على حلحلة هذه الأزمات، وحققت نجاحات في محطات عدة، أبرزها الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران في 2015 بوساطة عمانية، والإفراج عن ودائع مالية إيرانية من قبل أمريكا قدرت بـ 6 مليارات دولار وتبادل سجناء في 2023 بين واشنطن وطهران بوساطة قطرية، إضافة إلى جهود دبلوماسية متعددة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية وفتح نوافذ حوار بين إيران والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، بهدف إبعاد المنطقة عن الأزمات وترسيخ الأمن والاستقرار فيها، والعمل للحفاظ على مقدرات المنطقة وشعوبها من الضياع في حروب لا طائل منها، لطالما كانت المنطقة ساحة لها، وأحرقت كل ثروات المنطقة، التي هي أولى بالتنمية من الدخول في حروب وصراعات تستنزف هذه الثروات، التي لو صرف «عُشرُها» لكانت المنطقة «جنة» وعاشت شعوبها برفاهية عالية وحياة رغيدة كريمة. إيران باستمرارها للشهر الثاني باستهداف دول الخليج هي تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي. دول الخليج لا تريد الانجرار للوقوع في «فخ» الدخول بالحرب، وهي متماسكة ومحافظة على ذلك، لكن إيران للأسف الشديد بتصرفاتها الرعناء والطائشة واللامسؤولة تدفع نحو توسيع رقعة الصراع، وتحقيق هدف «إسرائيل» بالزج بدول الخليج في هذه الحرب. نريد وقفا فوريا لهذه الاعتداءات العسكرية على الدول الخليجية إذا كانت إيران - حسب التصريحات الشفوية - تريد علاقات حسن جوار مع جيرانها، لكن للأسف نسمع كلاما «منمقا» من إيران، ونرى أفعالا عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية. خلال الأعوام القليلة الماضية تحسنت نوعا ما العلاقات الخليجية الإيرانية، وظهرت حسن نوايا من الجانبين، وكنا نتطلع لبناء المزيد من الجسور، بدلا من هدمها بهذا التصرف الأهوج، الذي يحتاج لسنوات طوال لإعادة بناء الثقة بينها وبين جيرانها. إننا لم نختر الجغرافيا التي نتواجد فيها، ولا يمكن لأي طرف - العرب أو إيران - أن يغيّر الجغرافيا، أو يقصي أحدهما الآخر ويبعده لقارة أخرى، وهو ما يفرض علينا جميعا البحث عن السبل الكفيلة بالتعايش معا في جغرافيا محددة، بحسن الجوار، بعيدا عن التقاتل والصراع. لأكثر من 45 عاما - منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979 - لم تستقر علاقات إيران مع دول الخليج، بعضها وفي فترات معظمها، رغم رسائل إيجابية بادرت بها دول مجلس التعاون الخليجي، ومحاولات لبدء صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين في محطات مختلفة، وصل الأمر بدعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي بالدوحة في 2007، أملا في بناء علاقات قوية، وفتح صفحة جديدة. إلى هذه اللحظة، ونحن بالشهر الثاني من الحرب، وصواريخ إيران ومسيراتها تنهمر على العواصم الخليجية، إلا أن دول الخليج لازالت متمسكة وحريصة على حسن الجوار، فلم تنجر للرد على ذلك، ولازالت تتحلى بضبط النفس، وتدير الأمور بحكمة، وتفكّر بمستقبل المنطقة وشعوبها، على أمل أن تسترجع إيران رشدها، ويفكّر قادتها كذلك بمستقبل المنطقة، وكيفية التعايش بين شعوبها، بعيداً عن الحروب والصراعات والفتن، التي طحنت المنطقة لسنوات، وأدخلتنا في أزمات.
1944
| 02 أبريل 2026