رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحمد لله على أن بلّغنا الشهر الكريم. ولكن لماذا لا أجد قلبي في رمضان، لماذا يحدث الفتور لأغلب الناس بعد أيام قليلة من استقبال الشهر الكريم. والإجابة على هذا السؤال بسيطة جدا، ذلك أننا نركز على العبادات الخاصة بالجوارح ولا نركز على العبادة الخاصة بالقلب. نكثر من قراءة القرآن والذكر والصلاة والعبادة، ولكن ماذا عن القلب ما الذي يجب علي فعله كي أنقذ قلبي قبل أن يقبل علي رمضان حتى لا أستقبله بقلب خاوٍ. بخطوات عملية أردت أن أشاركم اعزائي القراء لمساعدتكم على إنقاذ قلوبكم قبل رمضان من خلال تلخيصي لبعض الدروس.
لماذا لا أجد قلبي في رمضان، لأن القلب يكون بداخله صراعات كثيرة، فقلوب الخلق معظمها مليئة بالحرائق، فإنسان يفكر بالترقي لدرجة أعلى، وآخر مشغول بطلبات اسرته، وأخرى بمتابعة آخر صيحات الموضة، أو متابعة فضائيات منتنة. كلها موضوعات لا علاقة لها بالإيمان. تصور معي حالة هذا القلب، وهو في حالة من هذا الحريق الدنيوي إذا دخل عليه رمضان، فهل يستطيع أن يتهيأ للعبادة المطلوبة منه لرمضان؟. قلبه ليس به متسع ليدخل إليه رمضان، قلبه مشغول بسيارته الفارهة أو النظر إلى ما في يد غيره أو التخطيط لإجازته. هو يريد أن يهيئ نفسه لمتسع من الوقت لعبادة الجوارح وليس للقلب.
لكن الاستعداد الحقيقي لرمضان يكون بإعداد القلب وإزالة الشواغل الدنيوية لتفريغ مساحة تتسع للإيمان، مساحة تتسع لإقبالك على الله. المصيبة الحقيقية أن يقظة القلوب غير موجودة، مسائل الدنيا التهمت القلوب، فالقلب به ورم إسمه حب الذات، يرى أو ترى نفسها لا تقبل من أحد نصحاً أو كلمة لأنها لا تناسب وضعها ومكانتها الاجتماعية. وهناك ورم اسمه حب الدنيا،هذا الحب يشغل الحيز الذي جعله الله لينشغل بمعاني الإيمان. حب الدنيا كلمة ضخمة ككلمة الدنيا، وحب الدنيا ليس شرطاً أن يكون تمني قصور فارهة، ولكنه قد يكون ساعة أو نظارة أو شنطة لافتة. حب الدنيا قد يكون نوعية فراش كذا وكذا أو سيارة موديل كذا وكذا، حب الدنيا مسائل بسيطة ولكنها تظل تعلق بالقلب فيصبح القلب مثل القطنة البيضاء التي وضعت في الهواء، فتبقى تلتقط من الغبار والسواد والحشرات حتى تصبح في غاية السواد والبشاعة، فتؤدي إلى تورم القلب. هناك ورم آخر اسمه النظر للآخرين، (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون؟ )،وليس النظر للآخرين شرطاً أن يكون دافعاً للحسد، ولكنه مجرد الغيرة، لو أن عندي مثل فلان وفلان. فيظل القلب به هذه التورمات حتى تشغل حيزا كبيرا منه، فيصبح لا يوجد لديه أي متسع ليتلقى معاني الإيمان. رمضان يقترب والقلب غير مهيأ أصلاً. هذه المشكلة التي ربما من أجلها ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في المسلمين شهرين سابقين، حتى يجهز القلوب لرمضان ولعل هذا هو السر الذي من أجله سن الرسول الكريم هذا الدعاء في رجب ( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان). لكي ينشأ في داخلنا الانشغال القلبي برمضان. ولكن، لماذا أنشغل برمضان؟ لأننا في حالة سقوط عام، تتمثل في نوم عن صلوات، تقصير في حق الوالدين والابناء والرحم والجيران، تلفظ بما لا يليق، صحائف أعمال مليئة بالظلم طوال العام، فيأتي رمضان كطوق نجاة للغريق لمغفرة الذنوب، ومضاعفة الأجور. يمر بنا قطار رمضان ليسير بنا إلى جنة عرضها السموات والأرض.
شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار. فكيف لا اتعلق بهذا الطوق لكي انجو؟
وحتى تنقذ قلبك في رمضان، فدونك الحل الفكري أو العقائدي والحل العملي.
أما الحل الفكري، أن تعلم أن هذا الحريق الذي في قلبك هو لأمور دنيوية، وكل هذه الأمور بيد الله تعالى يرسلها أحيانا ويقبضها أحيانا وليس بسعي وليس بجهد. وأنه تعالى أخبرنا بوضوح أن هذا امتحان، فإذا رأيت زميلي يصل لدرجات وظيفية أعلى، وأن منزل جاري أجمل من منزلي، فلا احسد. فالله أخبرنا والنبي أخبرنا والإسلام أخبرنا أن الله يختبر بذلك الخلق، وأنه من باب الامتحان لي أنا، وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، فهو من باب الاختبار والابتلاء والامتحان، أتصبرون؟
فإذا رأيت ما في يد غيري، مما قد يحترق معه قلبي، أقول أن هذا أمر ينزله الله بقدر معلوم وينزله من باب الاختبار لي. لهذا كان سيدنا سليمان عليه السلام يقول: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر؟. فالإنسان عندما يرى عوارض الدنيا، لابد أن يرجع الأمر كله إلى الله.
والحل الفكري الذي يتمثل في العقائد أو الأفكار، ليس هو الحل وحده الذي ينقذ الإنسان،لان المعلومات التي لدينا كثيرة والمثقفون كثر، ولكن الذي ينقذ الإنسان هو أن يذوق وركز معي في هذا اللفظ يذوق، نحن نريد أن نتذوق هذه المعاني، فقضيتي هي قلبي. لأن قلبي لن يقوى على حمل العبادة ما لم يكن هناك تذوق لما لديك من معلومات. فيأتي الحل العملي، فإذا بدأت ترى بعينك من ابتلاهم الله في غرف العناية المركزة، وقد وضعت عليهم ما تتخيل من أجهزة، وهم لا يملكون من أمرهم شيئا. كان هولاء يتنافسون على الدنيا، كانوا يتنافسون على الدرجات الوظيفية على الأموال والتجارة وفرص الكسب والبورصة. انظروا إلى أهل البلاء لتحدث الموعظة ليحدث الحراك القلبي حتى يحدث التوسع قليلاً في القلب المتورم بحب الذات والموضة والدنيا.
اذهبوا لتروا واقعة الدفن، وانظروا كيف ترعى الحشرات في القبور، البنت تبكي أباها والابن يبكي أمه والزوجة تبكي زوجها. وبعد لحظات من الدفن، تبدأ الحشرات في مهاجمة هذا الجسد. انظروا إلى أحوال المقبورين، إنهم كانوا ملء السمع والبصر، إنهم كانوا سادة بين الناس، ولكن انظروا إلى المآلات.
حتى تأتي المشاعر للقلب، اقضِ يوما في المستشفيات ويوماً في المقابر ويوما مع أصحاب البلاء ويوماً مع أصحاب الهامات والوزراء الذين فقدوا مناصبهم. انظروا إلى هذه المآلات لتعلموا أن ما يشغل العبد هو شواغل كاذبة. الله تعالى أرسلها إليه في ومضة ليختبره، أو قبضها عنه أيضا ليختبره، فلو انشغل الإنسان بشيء ألقي إليه من الله عن الله لهلك.
الله تعالى يجعل هذه العوارض، والمطلوب منا النظر في المآلات. علينا النظر فيما يؤول إليه أمر الغني، وأمر المرأة الحسناء، وما يؤول إليه أمر المرء بالموت، لنرجع إلى البيوت في آخر النهار وقد اكتشفنا أن هذا الحريق والصراع الدائم الموجود في القلب هو حول أمور كاذبة، كل دورها أنها تلهي عن الإيمان،فلا يبقى في القلب متسع لقبول الإيمان الذي يرد على القلب.
كان النبي صلوات ربي عليه، يوصى واحداً بغسل الموتى، فإن معالجة جسد خاوٍ موعظة بليغة، جسد لم تعد فيه الروح صار جمادًا. فتخيل نفسي عندما اصل لهذا الوضع، يعين القلب على اليقظة.
انظروا إلى أحوال الفقراء المساكين المنكوبين قبل رمضان،حتى تجدوا متسعاً في قلوبكم قبل أن يدخل عليكم رمضان ليتسع الشعور منك بحاجتك إلى رمضان.
أمر آخر يساعدك على انقاذ قلبك قبل رمضان هو معايشة أنباء الآخرة تفصيلا، فلا بد أن تعرف هو العمل الذي أدى بفلان أن يدخل الجنة وبفلان آخر أن يدخل النار، لماذا زلت رجل فلان عن الصراط وفلان أوشك أن يلقى به في النار فجاء عمل فشفع له. كل هذه أمور تحدث القرآن والسنة بتفاصيلها. فالانشغال بتفاصيل الآخرة، نريد أن نعيش هذه التفاصيل، نريد أن نعلم من الذي ذهب ليشرب من يدي النبي عليه أفضل الصلاة والسلام فحالت الملائكة بينه وبين النبي، ومن الذي جاءت النار لتلفح وجهه فقدر الله عز وجل ما يحول بين وجهه وبين النار، ومن الذي ذهب إلى الجنة فاغلقت أبواب الجنة في وجهه ولم تفتح له، اقرؤوا التفاصيل لتجدوا في قلوبكم متسعا يتسع لموعظة رمضان.
ما يعينك كذلك على انقاذ قلبك قبل رمضان هو معايشة سير الأنبياء والصالحين، اقرؤوا الكتب واستمعوا للمواعظ حتى تصبروا على هذه الحياة وتفهموا حقيقتها، وحتى تتسع القلوب لرمضان.
اجمع اسرتك على ما تفعل حتى يذوقوا معك طعم الايمان ويكونوا لك عوناً فلابد لهم أن يذوقوا ما تذوقت حتى يتحولوا من أعداء لأعوان على زيادة الإيمان في قلبك.
وأخيرا تذكر لو أن رمضان هذا هو آخر رمضان لك، كم سيكون الخير فيك، كم ستجتهد، كم ستعتزل الناس وكل ما يشغلك عنه، فعش رمضان كأنه آخر رمضان لك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية
[email protected]
@faalotoum
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2193
| 09 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
1896
| 10 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1023
| 07 يونيو 2026