رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحديث عن غزو العراق عام 2003 حديث ذو شجون، إنها المأساة بعينها، وسيبقى شعب العراق ينوء بحملها لأجيال قادمة من الزمن، لكني أرى في الحدث التاريخي وأقصد الغزو إلى جانب مآلاته الكارثية كمية معتبرة من الدروس المستنبطة التي لابد أنها لفتت انتباه الساسة والمفكرين والباحثين.
لا يكفي الوقوف عند الحدث، بكل ما يصاحب ذلك من مشاعر اللوعة والألم، بل من أجل أن تتحقق الفائدة لابد من تحليل موضوعي مجرد وإسقاط على أرض الواقع، أولا: لاستخلاص العبر على الأقل تحسبا أو تحوطا من الوقوع في فخ جديد يفاقم الحالة الكارثية المتفاقمة أصلا، وثانيا: حتى نساعد في معالجة الآثار الكارثية التي ترتبت على الغزو.
تشكل حلف العدوان عام 2003 على خلفية مزاعم وأكاذيب ترقى أن تكون فضائح أصابت سمعة الإدارتين الأمريكية والبريطانية بمقتل وهما لا زالتا تعانيان من آثار ذلك حتى الآن، مع أن هذا النمط من سلوك الدولتين في إطار السياسة الخارجية ليس هو الأول من نوعه ولن يكون الأخير، وأشك في ظل المعطيات الراهنة أن يشكل ذلك رادعا أخلاقيا يمنعهما من تكرار ذلك مستقبلا.. لذلك أقول ابتداء "الحذر واجب".
لقد أعلنت الولايات المتحدة هدفا واضحا محددا لتبرير الغزو رغم فقدانه الشرعية القانونية، تمثل في إسقاط النظام القائم آنذاك، ومتى ما تحقق ذلك فإن من المفترض أن يصبح العالم أكثر أمنا... تحقق الأول كما تحقق نقيض الثاني!
واقع الحال، ما لم تعلنه الولايات المتحدة، وهو الجزء الذي تحقق فعلا على الأرض والذي تجاوز إسقاط النظام إلى ما هو أخطر وأكبر، إلى تفكيك دولة قائمة، تسريح جيش وحل أجهزة أمنية، تمزيق النسيج الاجتماعي، التفريط بالسيادة، نهب الموارد، تضييع فرص التنمية، تهجير شعب، احتراب أهلي وفتح الباب واسعا أمام التقسيم.... هذا باختصار مآلات مشروع غزو العراق. ليس افتراضا أو تخمينا وإنما هو الواقع الماثل أمامنا. ومن خلال تجربتي لا يسعني القبول بنظرية أن ما حصل ما هو إلا نتاج أخطاء غير مقصودة ارتكبتها إدارة مبتدئة لا خبرة لها في إدارة العراق في فترة ما بعد انتهاء العمليات الكبرى في التاسع من أبريل عام 2003، بل أقول وأنا مطمئن بأن ما حصل كان عن قصد وتخطيط مسبق.. هي نظرية المؤامرة بكل أبعادها.
حال العراق بات الأسوأ، كما أن العالم لم يعد آمنا كما كان عليه الحال في فترة ما قبل الغزو. لكن المفارقة أن أكثر المتضررين أمنيا خارج إطار الوطن هي الدول العربية ولاسيما الخليجية منها، ورغم أن الإدارة الأمريكية الحالية بنت حملتها الانتخابية على معارضة الإدارة الأمريكية السابقة في موضوع الغزو وإستراتيجياته وأساليبه إلا أنها واقعا أكملت مهمة الإدارة السابقة في تكريس نظام حكم طائفي إقصائي إلى جانب التمكين لإيران.
في يونيو من العام الماضي 2014 سقطت الموصل في قبضة تنظيم الدولة (داعش)، بعد أن كانت استولت على الرقة والحسكة ودير الزور في سوريا، وأعلن البغدادي الخلافة الإسلامية، ما اعتبرته الإدارة الأمريكية تهديدا صارخا للسلم والأمن الدولي، جيشت الجيوش وأرسلت تعزيزات بحرية كبيرة وشكلت تحالف دولي، ورصدت مبالغ طائلة، وخططت لسنوات وربما أجيال من الصراع من أجل القضاء على (الإرهاب)، بل وشرعت فعلا وبدون ترخيص دولي تمطر مناطق مختلفة في العراق وسوريا بسيل من الضربات الجوية... وكان العرب أول المتحالفين.
كأني أرى سيناريو عام 2003 يكرر نفسه، وما يدفعني لهذا الاعتقاد هو التضخيم والتهويل المتعمد، ألم يذكر البعض أننا نخوض الحرب العالمية الثالثة!! بهذه الطريقة يستسلم الجميع للخوف ويسلموا قدرهم للإدارة الأمريكية رغم قناعة الجميع بأن للولايات المتحدة مصالح قد لا تنطبق بالضرورة بل هي تفترق في الكثير من الأحوال مع مصالحنا القومية..؟
مضى العرب في ركب التحالف الدولي عام 2003 بعد أن أسلموا قيادييهم للولايات المتحدة ومنحوها صكا على بياض، وفي ظل سطوة الابتزاز الكبير(من ليس معنا فهو ضدنا) والتخويف الهائل من ظاهرة (صدام فوبيا)... من هذا الذي كان يجرؤ على الكلام؟ لا أحد، مضت الإدارة الأمريكية في مشروعها، والكل واجم يترقب، غزت وقتلت وأسرت وخربت ودمرت وعندما عجزت واضطرت للخروج، فإنها لم تسلم مفاتيح العراق البلد العربي العريق لحلفائها العرب – كما كان يقتضي المنطق – بل سلمته لمن يعاديها ظاهريا وكانت أطلقت عليه (محور الشر) وهي تعلم علم اليقين أنه الأشد عداوة للعرب تاريخيا...إيران. ليصحو العرب بعده متأخرين على وقع تهديدات عنيفة تطرق أبوابهم بشدة في الشمال والجنوب وليدركوا بعد فوات الأوان أنهم في هذه اللعبة كانوا أكبر الضحايا بل من أول من غرر بهم.
التاريخ يعيد نفسه، الولايات المتحدة تقود قطار الحملة للقضاء على تنظيم الدولة (داعش)، العرب مجرد ركاب في القطار قطعوا التذاكر لكنهم لم يسألوا عن المحطة النهائية التي يهدف إليها القطار. الغموض يلف خطط البيت الأبيض حتى بالنسبة للمشرعين الأمريكان، عدا الضربات الجوية التي يتفق الجميع بعدم جدواها وآثارها المدمرة على المدنيين فإنه بالكاد أن يعرف أحد ما تنوي الإدارة الأمريكية فعله في الحرب على تنظيم الدولة (داعش) أو في الفترة اللاحقة. وهل هناك من ضمانات للعرب السنة بأن تحريرهم من وحشية تنظيم الدولة (داعش) لا يمهد لوقوعهم تحت بربرية الميليشيات الشيعية الموالية لإيران؟
المؤشرات على الأرض مع الأسف الشديد لا توحي بذلك، بل على العكس، إنها تثير مخاوف حقيقية حول المستقبل، اللجوء الحصري للقوة وتجاهل الوسائل السياسية في إدارة الصراع، تراجع دور الجيش وتنامي ظاهرة المليشيات الشيعية في مقابل إضعاف العرب السنة في العراق، جرائم الحرب والإبادة والتهجير التي ترتكبها هذه الميليشيات بحق العرب السنة في جميع المناطق التي انسحب منها تنظيم الدولة (داعش)، تواتر الإعلان والتصريحات وبجرأة غير مسبوقة عن تبعية العراق لإيران، الظهور العلني لجنرالات الحرس الثوري الإيراني بقيادة سليماني وهي تقود العمليات في المحافظات العربية السنية، ظاهرة التفريس، التحشيد الطائفي غير المسبوق ضد العرب السنة تحت غطاء محاربة الإرهاب، تعليق تنفيذ ورقة الإصلاح السياسي، تعويق عودة المهجرين إلى محافظاتهم، صرف النظر عن تشريع قانون الحرس الوطني... مؤشرات واضحة عن مآلات الحملة الراهنة حيث العرب السنة في العراق من المرشح أن يكونوا أكبر الخاسرين.
وظفت إيران قوتها الناعمة بشكل مساعدات جمة متنوعة قدمتها للغزاة عام 2003 وكسبت مقابل ذلك نفوذا غير مسبوق في العراق، واليوم توظف ترسانتها العسكرية وبشكل صارخ... ليس فقط لتقضي على ما تبقى من العراق العربي وتشهره كما قال محمود يونسي عاصمة الإمبراطورية الساسانية بل لما أهو أعظم وأخطر. لا يمكن أن يجري ذلك دون اتفاق كما أن إيران لا تقدم خدماتها ودماء جنرالاتها مجانا هكذا في سبيل الله!!.... بل كل شيء تعرضه بثمن.. فأين العرب من هذه المعادلة؟
هناك شبهات وغموض يلف ما عرف بالحملة العالمية ضد الإرهاب، لا ينبغي أن نمضي فيها مغمضي الأعين كما فعلنا في التمهيد للغزو عام 2003 ودفعنا الثمن، ولا بد أن ننتبه اليوم لما يخطط ويجري ونحذر ولا نستبعد في حساباتنا كوننا مستهدفين. الإعلام الدولي يحصي أنفاس تنظيم الدولة (داعش) ويراقب وينشر كلما يصدر عنه قول أو عمل وإيران تستثمر ذلك في التغطية على تدفق المزيد من القوات والأسلحة والتجهيزات إلى العراق عبر منفذ المنذرية، حيث تواترت الأنباء مؤخرا على وصول خمسة ألوية من الحرس الثوري وكتائب دبابات تي 62 وتي 55 إلى جانب صواريخ فجر 5 وصواريخ فتح 110 وصوارخ غراد... وما خفي ربما كان أعظم، إيران تدعي أن هذه التعزيزات لتعويض الخسائر التي تعرضت لها الميليشيات في حملتها الفاشلة على تكريت.. لكني آمل أن لا يتفاجأ إخواننا العرب غدا عندما تتجه هذه القوات كطلائع صوب الجنوب مستهدفة دول الخليج العربية !!
هل أتاك حديث غزة!!
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق عكاشة عن غزة بعنوان "غزة في القلب". فيه قابلت بالصدفة... اقرأ المزيد
204
| 07 مايو 2026
كلمات سمو الشيخة موزا وفرحة التخرج
•جاء شهر مايو حاملاً فرحة التخرج، مع احتفالات الجامعات في دولة قطر، وفي مقدمتها حفل تخريج مؤسسة قطر... اقرأ المزيد
198
| 07 مايو 2026
المؤسسات البابلية.. التاريخ والرمز
ليست كل التجارب التاريخية تُقرأ بمعناها الظاهر، فبعض الحضارات- ومنها بابل- تُقدَّم في الوعي الإنساني على مستويين: مستوى... اقرأ المزيد
270
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2916
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
2295
| 30 أبريل 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
2268
| 04 مايو 2026