رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جميلة تلك اللقاءات السنوية بين دور النشر والقراء والمؤلفين عبر معارض الكتب التي تقام هنا وهناك في العالم، ومنها معرض الدوحة في نسخته الثلاثين، التي انتهت فعالياتها السبت الفائت، بعد أيام عشرة مزدحمة. وحول هذا الازدحام ندندن اليوم!.
تنوعت الآراء والأصوات حول معرض هذا العام، بعد أن تم إدخال تعديلات على الفعاليات من برامج وأنشطة، رآها المنظمون وجيهة وأنها تثري وتزيد من حيوية ونشاط المعرض، فيما عارضهم آخرون محبون لمثل هذه المعارض، وأن التعديلات تلك ساهمت في تشويش ذهني لهم كانت دافعة لتقليص عدد وأوقات زياراتهم للمعرض، على عكس المرات الماضية. وبسبب هذا الخلاف وبعض مشاهد أخرى من المعرض، سيكون جل حديث اليوم.
طبيعي أن المرء منا يحب ما اعتاد عليه ويكره أي تغيير سريع، ما لم تتهيأ الأجواء من قبل. ولكن حتى لا نطيل في المقدمة وينفلت حبل الأفكار منا، أقول بأن المعرض حقق ما يسميه المسرحيون بـ (فن الفرجة). أي أن من حضر المعرض بغرض الفرجة والاستمتاع بالأجواء المتنوعة، سواء تلك التي لها علاقة بعالم الكتب أو لا علاقة لها البتة به، استمتع وشاهد الزخرفة والألوان والبهرجة والأنغام في أرجاء المعرض. وهؤلاء الذين استمتعوا، يمكن اعتبارهم نقطة نجاح بالنسبة للفريق الذي اشتغل على إحداث تغيير بعض أجواء ومعالم معرض كتاب هذا العام.
لكن هناك فئة ليست بالقليلة، ربما اعتادت على أن تكون أجواء معارض الكتب ذات طبيعة تتفق مع الكتب أو روح الكتابة والتأليف، لم يعجبها ذاك التغيير المفاجئ، وهو ما يدعو إلى فكرة التدرج في التغيير في كافة مجالات الحياة تقريباً. وبعيداً عن مفهوم صعوبة وشدة التغيير المفاجئ على النفس الإنسانية، المجبولة على حب ما اعتادت عليه من عادات وسلوكيات، إلا أن المعرض بشعاره الجميل "أفلا تتفكرون" جعلني وكثيرين نتفكر فعلاً في أن التغيير الذي أحدثه المنظمون على معرض هذا العام، لم يلق ارتياحاً من قطاع عريض من محبي معارض الكتب - وإن قال عنه آخرون إنه مريح - وهذا أمر لابد من الإشارة إليه حين ننقد أي عمل أو جهد بشري، على اعتبار أن لكل فريق وجهة نظر، والاحترام والتقدير هاهنا مطلوبان للفريقين، هذه نقطة أولى.
النقطة الثانية في معرض هذا العام
هي تلك المساحات الكبيرة التي أعطيت لجهات حكومية ورسمية لعرض انجازاتها، سواء كانت على شكل مطبوعات ورقية أم رقمية أم غيرها، فقد كانت الغالبية منها عبارة عن واجهات وديكورات فخمة، يمر الزوار عليها مرور الكرام. ثم إنها جهات ليست بحاجة لفعالية مثل معرض كتاب سنوي لتعرض إنجازاتها أو خدماتها فيه، وفي مقدورها عبر أدواتها ووسائلها الترويجية والإعلامية الخاصة وإداراتها وميزانياتها الضخمة، أن تروج عن نفسها طوال العام وبأفضل مما في جناح ما بمعرض كتاب سنوي، ينتظره عشاق الكتب.
لقد جرت العادة، منذ أن عرف العالم فكرة معارض الكتب، أن تكون فعالية سنوية يلتقي الناشرون بالقراء والمؤلفين في موقع معين، يقدم الناشرون انتاجات المؤلفين، ويحدث في الأثناء، تواصل وتحاور فكري بين الأطراف الثلاثة حول شجون وشؤون عالم الكتب والكتّاب. ثم صارت بعد ذلك فكرة تخصيص أماكن وأوقات محددة بغرض الالتقاء بمؤلفين بارزين ينتظرهم قراؤهم، ويحدث نقاش وتحاور بينهم والجمهور، ويكون اللقاء فرصة للتواصل بين المؤلف وقرائه، وقد يطلب بعضهم توقيعاً منه على إنتاجه الجديد كنوع من إظهار التقدير والحب من القارئ للكاتب وهكذا.
معرض هذا العام هو مهرجان ثقافي موسع
وأزعم أن هذا هو أدق وصف للمعرض، الذي وصفه البعض أنه نسخة معدلة بعض الشيء من فعاليات درب الساعي، باعتبار أن النسبة المعطاة من المساحات لأجهزة حكومية وما شابهها، كبيرة وعلى حساب الجهات الفاعلة الحقيقية والمتمثلة في دور النشر. وأحسبُ أن أيام الموسم الثقافي في قطر تتسع لفعاليات ومهرجانات ثقافية عديدة، وكان بالإمكان أن تكون أياماً منها مخصصة لكل تلك الإضافات الثقافية الجديدة بالمعرض، بما فيها الموسيقية والتشكيلية وما شابهها من فعاليات وبرامج، بحيث يتم المعرض على ما كان عليه منذ سنوات عديدة، بوضوحه وتركيزه البحت على عالم الكتب لا غيره.
كان بالإمكان الاستفادة من المساحات الكبيرة التي راحت للديكورات الفرنسية وبعض المقاهي المصاحبة أو حتى وسائل الإعلام، لتكون مساحات مريحة لدور النشر غير المحلية، التي ضاقت على بعضها، فيما أخرى حسب ظني - وأرجو ألا يكون صحيحاً - لم يتم مراعاة جمهورها، وشهرتها فعاشت في الأطراف وما حولها!.
النقطة الثالثة تدور حول الجمهور
الزائر لمثل هذه النوعية من الفعاليات السنوية، الذي في الغالب يكون متواضعاً مقارنة بمعارض فنية أو ترفيهية أو تجارية. هذا الجمهور، وبسبب الإضافات الجديدة للمعرض هذا العام، يمكن القول إنه تشتت ذهنه وتفرق جهده بين عديد المجالات والأجنحة في المعرض، وعلى حساب الكتاب وما يرتبط به من دور نشر ومؤلفين. كما أن المحاضرات والندوات الكثيرة التي كانت تقام على الهامش، كانت فعلاً هامشية ومشوِشة على الحضور في الوقت ذاته، بغض النظر عن قوة وجدوى موضوعاتها والمتحدثين فيها، باعتبار أن المعرض أساساً للتجول بين الكتب، وانتقاء الجيد والجديد، في جو هادئ مساعد على الاختيار.
تنوع الفعاليات على طريقة معرض الدوحة الدولي الأخير، منطقي جداً ونافع في دول ذات الكثافة السكانية الكبيرة، حيث زوار المعارض والفعاليات فيها تقدّر بعشرات الألوف يومياً، وبالتالي هذا التنوع يفيد في تخفيف الضغط على دور النشر ويمنع الازدحام والاكتظاظ. أما عندنا، فإن الألف أو الألفي زائر باليوم، كان يتوزع بين الفعاليات وبين المقاهي والمطاعم، وبسبب ذلك كنت ترى أجنحة ودور نشر عديدة وقد غشى البائعون النعاسَ، إلا ما رحم ربي وقليلٌ ما هم.
• في نقطة رابعة أخيرة
ولا أود أن تفوتني في هذا السياق، هي توجيه التحية لنشاط دور النشر المحلية وبروزها التدريجي، فهي مع الوقت - بإذن الله - ستزداد خبرة في التعامل مع أجواء المعارض وعالم الكتب والنشر والتأليف، ومع القراء بتنوعاتهم. وستزداد خبرة أيضاً في التعامل مع (المؤلفين) بحيث يبدأ يتجه الإنتاج بعد ذلك نحو الكيف وليس الكم، فالبدايات دوماً صعبة، والأخطاء غالباً يتم غض الطرف عنها إلى حين. ولكن مع الوقت، لابد أن يكون هناك ضوابط لمسألة النشر، ومعايير اختيار كتب نوعية، بحيث يتم ضبط جودة ما يتم ضخه في سوق الكتب.
مع كل ما تم ذكره، ومن منطلق (من لا يشكر الناس لا يشكر الله) أود هاهنا في سطر أخير أختم به الحديث، القول بأن هذا الرأي بكل تأكيد، لا يقلل من جهود المنظمين، فلكل مجتهد نصيب. هذه وجهة نظر متابع للحدث، يمكن الأخذ بها كلها أو نصفها أو ربعها أو تجاهلها جلها، فما أردتُ إلا الإصلاح.
وجزاكم الله خيراً. و(من صُنِع اليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك اللَّه خيراً فقد أَبلغَ في الثناء) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1122
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
633
| 12 أكتوبر 2026