رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس هناك شك أن النظام الحاكم الحالي في مصر هو أفشل نظام عرفته البلاد في عصرها الحديث وأن هذا الفشل ليس وليد اللحظة وإنما هو امتداد لفشل الحكم العسكري الذي استولى على مقاليد الحكم في البلاد بواسطة عدد قليل من الضباط منذ عام 1952م فقد تدهورت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في عصرهم بشكل سريع لكن التدهور الاجتماعي كان هو الأخطر وهو أكبر شاهد على هذا الفشل فهو ظاهر ولا يستطيع أن يجادل فيه أحد كما يراه كل أحد سواء في اتساع دائرة الفقر فضلا عن دائرة الفقر المدقع أو في ارتفاع الأسعار التي يصرخ منها كل الشعب وليس الفقراء وحدهم كما يراه في 20 مليون مواطن يعيشون في العشوائيات و5 ملايين مواطن يعيشون في المقابر و2 مليون طفل مشردين في الشوارع وملايين المرضى بالفيروس سي أو السرطانات أو السكر بلا رعاية صحية أو في انهيار التعليم ووصول الأمية لدرجات مخيفة لدرجة أن من يراه نظاما لنشر الجهل والأمية لديه قدر كبير من المصداقية.
وليس هناك شك أن ثورة يناير-التي هي في حقيقتها ثورة على الحكم العسكر- لا تزال حية وأنها تلقي بظلالها على سائر المشهد السياسي والاجتماعي بمصر سواء بشكل غير مباشر عن طريق استمرار العمل على إجهاض وتتبع كل آثارها أو بشكل مباشر عن طريق العمل على الالتفاف عليها وعلى أهدافها ولو بمحاولة استنساخها كما حدث في 30 يونيو.
فقد فتحت ثورة يناير كل أبواب التغيير في مصر على مصارعيها وجعلت المجتمع ممسكا بكل أدوات الثورة والتغيير قادرا على تفجيرها وقتما يشاء إذا شاء.. ولهذا صار المراقبون ينتظرونها في كل لحظة وتخافها السلطة وتترقبها في كل إجراءاتها وهو مشهد جديد لم تعتده مصر على طول القرون ولم ينتظره منها المراقبون مهما ساءت الأوضاع السياسية.
لقد أصبحت ينابيع الثورة أقرب من الجميع من أي وقت مضى وصارت خرائط الاحتجاج تشمل مساحات عريضة من المجتمع المصري وباتت براكين الغضب منتشرة على طول البلاد وأمست براميل السخط مبعثرة في كل شارع وحي ومدينة فقد وصل المجتمع لحالة نادرة من حالات التأهب للانفجار في وجه السلطة الغاشمة.
قد يغضب بعض السياسيين الذين يريدونها ثورة على المظالم السياسية وقد ينظر بعضهم إلى هذه الغضبة باعتبارها غضبة متمركزة حول رغيف العيش والحد الأدنى من الحياة الكريمة لكنهم ينسون أن المطالب الاجتماعية هي قاطرة الثورات فضلا عن أنهم قد فشلوا في أن يقنعوا الناس بالمطالب السياسية فعادت الكرة مرة أخرى إلى ملعب الجماهير كما كانت في يناير حيث كانت المشكلات المعيشية والمعاناة اليومية للمواطن هي السبب الأهم في مشاركة الملايين وكان ذلك هو أهم أسباب زلزلة عرش الطغيان آنذاك.
لقد تم تعديل جوهر الخطاب السياسي اليوم قسرا ورغما عن النخبة ومن قلب الشارع فقد أصبحت العربة خلف الحصان وصار من الواجب السير خلف الشارع وترديد خطاب الشعب والإنصات للصوت الصادر من الحواري والنجوع ومن داخل التكاتك.
ليس مطلوبا من النخبة إلا أن تترك الخطاب السياسي المحنط لتتعلم فنون الخطاب الاجتماعي الحيوي والمتحرك فإذا كانت النخبة قد فشلت في توصيل رسالتها عبر خطابها المحنط فإن الفرصة أمامها لا تزال سانحة من خلال الاستناد إلى الخطاب الاجتماعي الذي أطلقه الشارع.. فإذا كانت ينابيع الثورة السياسية قد جفت فإن ينابيع الثورة الاجتماعية لا تزال زاخرة بكل جديد ومليئة بالمفاجآت وإذا كانت براميل الغضب السياسي قد أصابها العطب فإن براميل السخط الاجتماعي لا تزال فتية بكرا قادرة على تجديد الساحة بكاملها وضخ الدماء في أرجائها.
كما يجب أن نعلم أن السلطات التي قد تقدر على محاصرة الاحتجاجات السياسية كليا أو جزئيا بشكل دائم أو مؤقت فإنها تقف عاجزة أمام الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي بل وتجد نفسها عارية تماما ولا تجد لها أعذارا تدافع بها عن نفسها فقد أخذت فرصتها كاملة خلال ستين عاما لم تر البلاد خلالها غير الفقر والبطالة والأمية والمرض والتشرد والتخلف على كافة الأصعدة لقد أصبحت مصر في عصورهم دولة قزمية.
وفي ضوء ذلك يمكن قراءة فيديو سائق التوك توك (مصطفى الليثي) الذي لمس أوتارا حساسة لدى كل شعب مصر وتجاوب معه غالبية القطاعات والشرائح الاجتماعية والعمرية بل ورأوه أفضل من عبر عنهم وأفصح من تكلم باسمهم.. وفي ضوء ذلك اكتوى كل شاب في مصر بالحريق الذي نشب في جسد سائق الأجرة (أشرف شاهين) فغالبية الشباب يكتوون بنار البطالة وجميعهم يصرخ من نار الأسعار.. وفي ضوء ذلك دخل صوت شرشوب همام كل القلوب وهو يصرخ في السيسي: غور أو ارحل!! ورأينا الفتاة القاهرية تقول له: لن نقبل أن نضرب بالجزمة بعد اليوم!! ورأينا ربة المنزل تصرخ في قلب الشارع أو الحارة منددة بكل أشكال الغلاء ومصورة بلغة فصيحة كيف أن الحياة في مصر أصبحت مستحيلة.
كل هؤلاء تحدثوا بلغة ثورة يناير وبلهجتها التي لا تزال حية في القلوب كما في الوعي الباطن للجماهير.. كل هؤلاء عاشوا حلم العيش والحرية والكرامة الإنسانية ولن يقبلوا من أي سلطة أن تنسيهم هذا الحلم فضلا عن أن تتجاوزه في سياساتها فلقد حرث السخط الاجتماعي قاع المجتمع ومهد الأرض لموجة جديدة من موجات ثورة يناير فهل استعد أهل السياسة لها؟
بين ثقافتنا وثقافتهم
شهد العالم على طول التاريخ الإنساني حضارات شتى وثقافات متعددة، فلم ير صفحات أبيض من الصفحات التي سطرها... اقرأ المزيد
1504
| 10 سبتمبر 2016
القراءة السياسية لمبادرة الجماعة الإسلامية
نادرة هي وقفات المراجعات أو ومضات النقد الذاتي التي شهدتها الساحة المصرية سواء على مستوى التنظيمات والأحزاب والرموز... اقرأ المزيد
3196
| 03 سبتمبر 2016
"الطريق" لأهداف يناير
لا شك أن ثورة يناير هي أعظم ثورة شعبية عرفتها مصر في عصرها الحديث والقديم على السواء، وأنها... اقرأ المزيد
2184
| 27 أغسطس 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026