رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعد ضم الصين لتايوان بأي شكل ما، وغالبا، سيكون بالقوة أمرا محسوما ولا فصال فيه لدى الصين.
فتايوان هي الخط الأحمر الرئيسي للصين. فمنذ إعلان جمهورية الصين الشعبية عام 1949، لم يتزحزح قيد أنملة الشعور الشعبي والرسمي والفكري القومي الراسخ بأن تايوان جزء أصيل من الوطن الأم يجب استرجاعه وضمه تحت حكومة وطنية واحدة.
وإلى جانب الشعور القومي الجارف الذي لا يستطيع الحزب الشيوعي الحاكم أو أي رئيس صيني أن يتحداه أو يسير عكس اتجاه؛ ثمة أبعاد جيوسياسية وجيواقتصادية تربط بين تايوان واستكمال مسيرة صعود الصين كقوة عظمى في النظام الدولي. إذ أن تمتع الجزيرة بموارد طبيعية هائلة وبنية صناعية متميزة خاصة في المجال التكنولوجي، فضلا عن موقعها الاستراتيجي في شرق آسيا المطل على المحيط الهادي وبحر الصين الشمالي والجنوبي؛ يجعلها حاسمة جدا لترسيخ النفوذ العسكري والاقتصادي للصين في آسيا.
ولنفس تلك المزايا الاستراتيجية الجبارة الحاسمة لصراع الزعامة الدولية، ليس من السهل أن تتخلى الولايات المتحدة عن تايوان وتجعلها فريسة سهلة للصين، حتى وإن كانت في أضعف حالتها.
قضية ضم الصين لتايوان مسألة حاسمة أيضا لدى كبار المفكرين الاستراتيجيين في العالم، بل إن الولايات المتحدة تعي جيدا ذلك. لكن السؤال المطروح من قبل هؤلاء المفكرين، متى سيحدث هذا الضم؟.
يشهد التوتر بين الصين والولايات المتحدة على تايوان تصاعدا لافتا منذ تولي إدارة ترامب الرئاسة. وتزايد هذا التوتر ربما بشكل غير مسبوق منذ مجيء إدارة بايدن. كدلالة على تصاعد مخاوف واشنطن من إصرار الصين على ضم الجزيرة بالقوة. وفي سبيل ثني الصين عن ذلك، عمق بايدن من وتيرة التطبيع غير الرسمي، والمساعدات العسكرية لتايوان، وحرك مدمرات بحرية بالقرب من الجزيرة، كما صرح في أكثر من مناسبة-وهو الأخطر بالنسبة للصين- عن عدم تواني الولايات المتحدة في استخدام القوة العسكرية ضد الصين حال غزوها لتايوان. وأخيرا، جاءت زيارة "نانسي بيلوسي" المثيرة للجدل لتايوان، لتثير حالة مزعجة جدا من التوتر بين القوتين.
تلقت بكين خطوات بايدن التصعيدية، لا سيما زيارة بيلوسي على أنها ضوء أخضر أمريكي لتايوان للتمسك بالانفصال، وانحراف خطير عن سياسة الصين الواحدة التي تشبثت بها واشنطن منذ السبعينيات. لذا، جاء رد الصين سريعا وحاسماً جدا من خلال خطوات تصعيدية عسكرية واقتصادية غير مسبوقة ضد تايوان.
وأوحى التصعيد العنيف للصين للكثيرين بأن ضم الصين لتايوان أصبح على مرمى حجر، بل ذهب بعضهم بالقول بأن ما اتخذته الصين من خطوات عسكرية واسعة ضد تايوان يمثل المرحلة الأولى من مراحل عملية الضم. ويعزز البعض تصوراته بالحرب الأوكرانية التي أظهرت جليا التراجع الأمريكي أمام روسيا الأقل قوة من الصين.
لا شك أن التصعيد الصيني العنيف تجاه تايوان، يعكس ضمنيا تحديا صينيا أكثر صراحة وقوة لواشنطن بسبب نمو قوة الصين، كما يعكس أيضا الإصرار الصيني الراسخ الأبدي بشأن عدم التنازل عن تايوان. ومع ذلك، من الصعب وصف هذا التصعيد بأنه المرحلة الأولى أو القرار النهائي للصين لضم تايوان. بل أفضل ما يمكن وصفه بشأن هذا التصعيد هو بداية التصعيد "الحاسم والعلني والصريح" للصين لضم تايوان على المدى البعيد، أي بعد عقد من الزمان أو أكثر. والشاهد على ذلك، تراجع العمليات العسكرية للصين نسبيا تجاه تايوان بعد زيارة بيلوسي، وتبني مسار آخر لمعاقبة تايوان يرتكز على العقوبات الاقتصادية.
إذ يمكن القول أن ثمة تحديات كثيرة بعضها جوهري، تعيق ضم الصين لتايوان على المدى القريب. ويتمحور أهم تحدٍ جوهري في تعادل ميزان القوة نسبيا بين الولايات المتحدة والصين خاصة العسكري. يشير استقراء التاريخ الواقعي للحروب الكبرى أو العالمية أو بين القوى العظمى، أن هذه الفئة من الحروب المدمرة تندلع عندما تتصرف قوة عظمى بحماقة شديدة توصف "بالانتحار" عبر الإفراط التوسع أو استخدام القوة كألمانيا النازية، أو الاتحاد السوفيتي عندما استنزفت قوته في غزو أفغانستان.
أو عندما تستشعر القوى العظمى أن ميزان القوة قد تأرجح لصالحها بشكل كبير، وبالتالي تنخرط في صراع عسكري واسع متيقنة أن الانتصار هو حليفها في نهاية المطاف، ومثال على ذلك تورط الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية لتيقنها من انتصارها على دول المحور.
استطاعت الصين عبر عقود من التنمية الاقتصادية والتطور العسكري والتوسع السياسي العالمي من تضييق فجوة القوة الشاملة مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، يمكن القول إن ميزان القوة بين القوتين-رغم التراجع الأمريكي- لايزال متعادلا نسبيا. بل إنه من زاوية القوة العسكرية تتفوق الولايات المتحدة بدرجة ما على الصين. وفضلا عن ذلك، تتميز الصين على خلاف أية قوى صاعدة في التاريخ بالصبر والحذر الشديد، والاعتماد بشكل كبير على الوسائل الاقتصادية والقوة الناعمة لتحقيق الهيمنة العالمية.
وعليه، فتصرف الصين بشكل انتحاري لأجل تايوان أو غيرها من خطوطها الحمراء ليس وارداً في قاموس الصين السياسي مطلقاً. وعلى الجانب الآخر، تعي الصين جيدا أن ضم تايوان في ظل تعادل ميزان القوة مع الولايات المتحدة، ليس فقط مسألة غير مضمونة النجاح خاصة في ظل شبكة تحالفات واشنطن الأمنية والعسكرية القوية في آسيا الذي يطورها بايدن بقوة، بل أيضا ستصيب القوة الاقتصادية والقوة الناعمة ومصداقية الصين الإقليمية والعالمية في مقتل شديد، يعرقلها عشرات السنين عن حلم الهيمنة العالمية.
وربما ينطبق ذلك على الولايات المتحدة، فهي أيضا لا تريد الانتحار من أجل تايوان في ظل ميزان قوة متعادل مع الصين. لذلك، يفهم سياسات بايدن الرامية تجاه تايوان بأنها رادعة للصين للاستمرار في تقبل سياسة الصين الواحدة بنظامين وليس ضمها.
ثمة أيضا بعض التحديات الأخرى الحالية التي تعيق من سيناريو الضم القريب، نذكر منها، تركيز الصين على استعادة عافية اقتصادها الذي تضرر بشدة بسبب أزمة كورونا، وهذا يتطلب توفير مناخ إقليمي مستقر. ومن التحديات كذلك، توتر علاقاتها مع الهند والذي يخفي في طياته صراعا على النفوذ في آسيا.
نخلص مما سبق أن ضم الصين لتايوان أمر سيحدث مؤكدا لكن على المدى البعيد، فعلى المدى القريب يقف تعادل توازن القوة مع واشنطن على وجه الخصوص عائقا ثقيلا أمام سيناريو ضم. لكن ما يمكن الجزم به أن الصراع الأمريكي الصيني على تايوان قد دخل في منعطف تصعيدي خطير يعكس في طياته معادلة توازن القوة، ويحمل في طياته أيضا ضم صيني مؤكد لتايوان خلال المستقبل عبر صراع مسلح أكيد ستنخرط فيه الصين عندما تتيقن تماما من الانتصار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2169
| 09 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
1740
| 10 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
969
| 07 يونيو 2026