رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

465

م. حسن الراشد

الظاهرة والتحدي القادم

22 يوليو 2026 , 11:06م

إن المشهد المتكرر لظاهرة الكلاب الضالة التي بدأت تتجلى بوضوح في عدد من مناطقنا الراقية والمجهزة بأفضل الخدمات، لم يعد مجرد إزعاج عابر لراحة السكان، أو فزع للأطفال، أو مظهر غير حضاري فحسب، بل أصبح جرس إنذار ينبه إلى ما هو أبعد من ذلك. فهذه الظاهرة التي يزداد حضورها بشكل ملحوظ، لم تعد مقتصرة على المناطق الصناعية أو تجمعات العمال كما كان مألوفاً سابقاً، بل بدأت تتمدد إلى الأحياء السكنية والمرافق العامة، بما يفرض قراءة أكثر جدية للمشهد قبل أن يتفاقم.

ولنا في تجارب سابقة عبرة؛ إذ بدأت بعض الأزمات البيئية محدودة التأثير، ثم تضخمت مع غياب المعالجة المبكرة حتى أصبحت أكثر تعقيداً وكلفة، كما حدث مع انتشار "طائر المينا" أو تفشي البعوض في فترات سابقة. واليوم، لا تزال الفرصة قائمة لاحتواء الظاهرة، أما الانتظار حتى تتحول إلى قطعان تجوب الشوارع، فسيضعنا أمام تحديات صحية وأمنية وبيئية لا يستهان بها.

وتقدم التجارب الدولية والإقليمية نماذج واضحة في هذا الملف؛ فقد نجحت هولندا في أن تصبح من أوائل الدول الخالية من الكلاب الضالة بفضل منظومة متكاملة تقوم على "التعقيم، والتشريع، والعقوبات الرادعة".

وفي المقابل، تظهر تجارب أخرى أن غياب آليات الرصد وسن الضوابط المنظمة في بعض الدول قد أدى إلى تحديات متصاعدة نتيجة التوسع العمراني السريع وتأخر المعالجات الاستباقية، مما تسبب في تعقيد المشكلة واتساع نطاقها.

إن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب حلولاً عاجلة ترتكز على أربعة محاور رئيسية:

* أولاً: تطبيق منظومة ميدانية متكاملة لجمع الكلاب الضالة من الشارع وترقيمها وإخصائها، بما يقطع حلقة التكاثر من مصدرها ويحد من تفاقم الظاهرة.

* ثانياً: المبادرة ببرامج التحصين والتعقيم للحد من التكاثر العشوائي، مع تحميل "المالك" المسؤولية القانونية والمادية الكاملة عن هذه الإجراءات كشرط أساسي للاقتناء.

* ثالثاً: سن تشريعات صارمة تمنع "التخلي العشوائي"، مع تفعيل أنظمة التسجيل والترقيم والتتبع الرقمي.

* رابعاً (وهو الأهم): تشكيل فرق استجابة سريعة متخصصة ومجهزة، تتعامل مع البلاغات لضمان احتواء الحالات الفردية قبل أن تتحول إلى ظاهرة تهدد راحة الأحياء وسلامة قاطنيها.

وفي تقديري، فإن تفاقم هذه الظاهرة ليس صدفة بيئية، بل نتيجة فراغ رقابي سابق سمح بتحول التملك الشخصي والهواية الفردية إلى عبء عام؛ حيث برز ذلك جلياً في التخلي عن تلك الكائنات بعد فترة جائحة كورونا، وبالتزامن مع سنوات الطفرة العمرانية والمشروعات الكبرى، وبالأخص مشاريع كأس العالم ٢٠٢٢. وينعكس هذا الفراغ أيضاً في سلوك بعض الهواة والمقتنين من الوافدين، الذين يتخلون عن حيواناتهم ويتركونها لمصيرها عند انتهاء فترة عملهم ومغادرتهم البلاد. كما أن ضعف الرقابة في بعض مواقع الإنشاءات ومساكن العمال أسهم بدوره في ترك كائنات أخرى لمصيرها المجهول بعد انتهاء تلك المشاريع.

ويبقى هناك سؤال مشروع: لماذا لا نشاهد هذه الظاهرة بالقدر نفسه في كثير من المدن العالمية، رغم أنها من أكثر المجتمعات اقتناءً للحيوانات الأليفة؟ الجواب يكمن في وجود منظومة صارمة تجعل الشارع بيئة غير حاضنة لهذه العشوائية، عبر الهوية الرقمية، والتسجيل الإلزامي، والمساءلة القانونية، والرقابة المستمرة. فحين تكون المسؤولية واضحة، تتراجع الفوضى تلقائياً.

الخلاصة

إن التعامل مع هذه الإشكالية اليوم ليس مجرد إجراء خدمي عابر، بل هو استثمار مباشر في جودة الحياة، والسلامة العامة، واستدامة البيئة. فالتحرك العاجل لسد الثغرات الرقابية وتفعيل القوانين يمثل الضمان الحقيقي لمنع تحول الحالات المحدودة إلى أزمات مستقبلاً. فالوقاية دائماً أقل كلفة من العلاج، والاستجابة المبكرة أكثر فاعلية من انتظار الاستفحال. وفي نهاية المطاف، تظل قدرة المدن على ضبط الظاهر العشوائية وتحقيق التوازن البيئي من أبرز مؤشرات الرقي المجتمعي وكفاءة الأداء المؤسسي.

اقرأ المزيد

فنّ الثبات في زمن التقلّب فنّ الثبات في زمن التقلّب

ليست الحياة طريقًا مستقيمًا مفروشًا بالطمأنينة، بل هي سلسلة من الفصول؛ يمر فيها الإنسان بأيام يظن أن السماء... اقرأ المزيد

96

| 06 أغسطس 2026

العقل في إجازة العقل في إجازة

هذا عنوان فيلم قديم عُرِضَ في مصر عام 1947 لمحمد فوزي وليلى فوزي وشادية. فيلم حافل بالضحك والغناء،... اقرأ المزيد

159

| 05 أغسطس 2026

كرة القدم ونحر القيم كرة القدم ونحر القيم

أطلق عليها ما شئت من عنوان، كرة القدم وقتل القيم! كرة القدم والرصاصة الأخيرة على القيم! كرة القدم... اقرأ المزيد

204

| 05 أغسطس 2026

مساحة إعلانية