رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
غدا الثلاثاء يوافق الثالث والعشرين من يوليو من عام 2013 أي مضى على ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 التي فجرها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر 61 عاما بالتمام والكمال جرت في نهر المحروسة مياه كثيرة من كل صوب وحدب تتدفق بحنو أحيانا وتفيض بقوة وعنف في أحيان أخرى مثلما هو حاصل الآن في أرجائها التي عكر صفو النهر دم أبناء الوطن يراق بأيدي أشقائهم في حالة ربما لم تشهدها خلال عقود النهضة الحديثة منذ أكثر ما يقرب من مائتي عام رغم وقوع حوادث هنا أو هناك لكنها لم ترق إلى حد الاحتراب ورفع السلاح عمدا مع سبق الإصرار ضد الخصوم على خلفيات سياسية أو دينية.
إن المحروسة في حاجة إلى استعادة روح ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 التي حرص قادتها وفي المقدمة ناصر مفجرها ومهندسها الرئيسي وقائدها على مدى ثمانية عشر عاما على تكريسها كقواعد حكمت منطلقاتهم للتعامل مع معضلات الواقع والانتقال إلى بناء تجربة التحديث الثانية التي جعلت مصر واحدة من أهم أقطار الإقليم وصاحبة التأثير الأوسع في الإقليم.
ولعل من أبرز هذه القواعد ما يلي :
أولا : الانحياز إلى الشعب خاصة طبقاته الفقيرة والعمل على الارتقاء بمستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية فتم تطبيق سياسات تعليمية وتنموية نجحت بشكل واضح في خلق الطبقة المتوسطة التي شكلت- وما زالت –العمود الفقري الذي تتكئ عليه خطط التحديث والتنمية التي استندت بالدرجة الأولى على بعد العدالة الاجتماعية الذي سرعان ما بدأ في الذوبان مع بدء تطبيق الرئيس الراحل أنور السادات سياسات الانفتاح الاقتصادي في العام 1974 ثم أخذ في التلاشي خلال سنوات حكم مبارك خاصة خلال العقد الأخير الذي شهد صعودا غير طبيعي لتحالف السلطة مع الثروة متجليا ذلك في نشوء طبقة واسعة من رجال الأعمال المرتبطين بالحزب الحاكم والنخبة السياسية بل إن عددا كبيرا منهم تحول إلى دوائر صناعة القرار مما أدخل العدالة الاجتماعية في نفق مظلم وكان ذلك واحدا من أهم أسباب ثورة الخامس والعشرين من يناير .
وكان من المأمول أن تتحرك النخبة الحاكمة التي أمسكت بمقاليد الأمور بعد هذه الثورة باتجاه تفعيل مبدأ العدالة الاجتماعية خاصة مع وصول الإخوان المسلمين وقوى الإسلام السياسي الأخرى المتحالفة معها إلى السلطة بعد حصولهم على الأغلبية البرلمانية ثم رئاسة الجمهورية, غير أن ما جرى على الأرض كان يخاصم هذه المبدأ مما فاقم من أزمة الثقة في حكم الجماعة فانفجرت أحداث الثلاثين من يونيو 2013 التي شكلت تصحيحا لمسار ثورة يناير .
ثانيا : صياغة نسق من استقلالية القرار الوطني شكل أساسا لبناء دولة تقوم على المواطنة والمساواة بصرف النظر عن التمايزات الطبقية أو الدينية أو العرقية وهو ما تحقق بدرجة مقبولة في أرض الواقع على نحو حرك مشاعر العزة الوطنية وجعلها تسود على ما عداها ودخلت المحروسة بقيادة ناصر معارك من أجل الحق والعدل وسعيا للتحرر من براثن الاستعمار سواء بالنسبة لها أو لغيرها من الأقطار العربية فتحررت شعوب المنطقة وارتفع منسوب القومية مع المحافظة على ثوابت الدين, بيد أن ذلك تبخر في السنوات التي أعقبت رحيل الزعيم جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970 فتحولت المحروسة إلى مجرد دولة تابعة للإستراتيجية الأمريكية والدوران في فلك الغرب, وجاءت ثورة يناير لتعيد الأمل في استعادة هذه الاستقلالية ثم تعرضت للقفز عليها لاسيما في العام الأخير والذي لم تتغير فيه طبيعة علاقات المحروسة مع كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني إن لم تشهد المزيد من التطور والتقارب الذي وصل إلى حد وصف رئيس الكيان شيمون بيريز بالصديق العزيز من قبل رئيس الجمهورية في برقية شهيرة منذ أقل من عام.
ثالثا : تبني مشروع نهضوي وطني يقوم على تعظيم القاعدة الإنتاجية وتكثيف الاهتمام بالتصنيع بكل أنواعه خاصة الثقيل على نحو يلبي احتياجات المواطن والوطن مع تبني خط يعطي الأولوية للقطاع العام ليكون قائدا للاقتصاد مع منح الفرصة للقطاع الخاص الوطني للمشاركة في التنمية والاستفادة من عوائدها غير أن هذا المشروع تحت وطأة سياسة الباب المفتوح تحت ضغوط الولايات المتحدة والغرب عموما ثم سياسات الخصخصة وآليات السوق تقلص من حيث الشكل والمحتوى وباتت المحروسة عرضة لرصاصات بيع القطاع العام وطرد عمالته لصالح قوى استثمارية شرهة سواء من الداخل أو الخارج مما أسهم في خلق طبقة واحدة محدودة عددا متمددة تأثيرا تتحكم في المحروسة فوقع الخلل الذي قامت ثورة يوليو لتصحيحه.
رابعا: رسخت ثورة يوليو لمفهوم الديمقراطية الاجتماعية عنوانا للمرحلة وهي نمط من أنماط الديمقراطية حصيلة تبنى المذهب الاشتراكي والذي كان سائدا بقوة في ذلك الوقت سعيا لتوفير القدرة والإرادة السياسية لحل مشكلات الجماهير وتجسد ذلك في مشروعات التأميم في ستينيات القرن الفائت وقبلها مشروع الإصلاح الزراعي الذي طبق بعد انبثاق الثورة بشهر ونصف تقريبا ثم مشروع السد العالي الذي جسد بعمق قدرة الإنسان المصري على قبول التحدي عندما تكون له قيادة واعية تمتلك رؤية للزمن الآتي إلى جانب بناء المدارس والوحدات الصحية والإسكان قليل التكلفة والتزام الدولة بتعيين خريجي الجامعات .
صحيح وقعت أخطاء في التطبيق لكن الحصيلة كانت في النهاية انبثاق مشروع للتقدم والتحديث انحاز للناس وهو ما كان مفتقدا خلال العامين الفائتين حيث كان التركيز على بناء مفاهيم ميتافيزيقية تتعلق بالسلطة السياسية وتمكين القوى الجديدة التي تمثلت في تيار الإسلام السياسي منها وللأسف لم تنتبه هذه القوى إلى أن الإسلام في جوهره منحاز للفقراء ولمشروع التنمية الوطنية المستقلة ولو انتبهت لتمكنت هذه القوى من الاستحواذ على مشاعر أغلبية المصريين ببساطة وبدون اللجوء إلى أساليب الاستحواذ التي كانت ملموسة خلال الفترة الماضية فقادت البلاد إلى ما تتعرض له حاليا من تشظٍ وانقسام شديد الخطورة .
بالطبع لا أدعو من خلال هذه المعطيات إلى إعادة إنتاج تجربة عبد الناصر رغم أن الناس في ميادين المحروسة ترفع صوره في كل مظاهرة منددة بمساوئ الحكام ومطالبة بالعدل والعدالة الاجتماعية لكني أطالب بقراءتها بصورة موضوعية واستخلاص ما يمكن الاستفادة منه في مرحلة بناء المحروسة الجديدة على أسس تحقق المواطنة والمساواة والعدالة والاستقلال الوطني وصياغة أنموذج للنهوض والتحديث والتنمية يرتكز على الانحياز للأغلبية وليس للأقلية الحاكمة فقط أيا كانت.
إن جميع القوى في المحروسة مطالبة بهذه الوقفة في تجربة ثورة يوليو 1952 واستعادة جوهرها وروحها الحقيقية لأنها روح نبعت من الشعب المصري الذي مازال مسكونا بأشواقه للحرية والعدالة والديمقراطية الحقيقية فهل من مستجيب.
السطر الأخير : يارب حافظ على دماء شعب المحروسة قوّم حكامها ومعارضيهم ابعد عنهم النوايا السيئة وادفعهم لحوار الحناجر بدلا من حوار الخناجر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3156
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1107
| 28 سبتمبر 2026