رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

30

د. عبدالله بندر العتيبي

الوساطة بين الصورة والمحتوى والإقليم

22 يونيو 2026 , 11:26م

عندما ينظر كثيرون إلى المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة قطرية وباكستانية، فإن التركيز ينصب عادة على مضمون الاتفاق المحتمل: البرنامج النووي، العقوبات، الأموال المجمدة، أو أمن الملاحة في الخليج. لكن التحدي الأكبر الذي يواجه الوسطاء اليوم قد لا يكون متعلقاً بالاتفاق نفسه بقدر ما يتعلق بإدارة ثلاث وساطات متزامنة ومتداخلة في آن واحد: وساطة الصورة، ووساطة المحتوى، ووساطة الإقليم.

في المفاوضات التقليدية يكون الخلاف حول المصالح أو البنود أو التنازلات المطلوبة. أما في هذه الجولة، فإن الخلاف يبدأ حتى قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض. فقد لفت الانتباه رفض الوفد الإيراني دخول قاعة المفاوضات بحضور وسائل الإعلام، ثم دخوله بعد خروج المصورين. قد يبدو الأمر تفصيلاً بروتوكولياً بسيطاً، لكنه في الواقع يعكس واحدة من أعقد معضلات التفاوض المعاصر: معضلة الصورة.

إيران تريد أن تفاوض الولايات المتحدة بشكل مباشر وأن تظهر أنها ند لند أمام القوة الكبرى في العالم، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول صورة المصافحة أو اللقاء إلى مادة سياسية داخلية تُستخدم ضدها باعتبارها تراجعاً أمام الضغوط الأمريكية. في المقابل، تدرك واشنطن أن الصورة نفسها يمكن أن تُقدم للرأي العام الأمريكي باعتبارها دليلاً على نجاح سياسة الضغط والعقوبات. هنا يصبح الخلاف ليس فقط حول ما سيُقال داخل القاعة، بل حول ما سيُرى خارجها. من هذه الزاوية، يصبح الوسيط مطالباً بإدارة الرموز السياسية بقدر إدارته للنصوص السياسية. فالنجاح لا يقاس فقط بما يوقع على الورق، بل أيضاً بطريقة تقديم الاتفاق للجماهير في طهران وواشنطن. وكثيراً ما انهارت تفاهمات محتملة في التاريخ بسبب الخلاف على الصورة أكثر من الخلاف على المضمون.

أما الوساطة الثانية فهي وساطة المحتوى، وهي الأكثر تعقيداً من الناحية التفاوضية. فالسؤال المركزي لا يتعلق فقط بما سيقدمه كل طرف، بل بترتيب الخطوات نفسها. هل ترفع العقوبات أولاً؟ أم تأتي التنازلات النووية أولاً؟ هل يتم الإفراج عن الأموال المجمدة قبل تنفيذ الالتزامات الإيرانية أم بعدها؟ هذه ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل هي أزمة ثقة متراكمة عبر عقود. فإيران تنظر إلى تجارب سابقة وتخشى أن تقدم تنازلات ثم تواجه عقوبات جديدة أو تغيراً في الموقف الأمريكي. في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى التجارب نفسها من زاوية مختلفة، إذ تخشى أن يؤدي الإفراج المبكر عن الأموال أو تخفيف الضغوط الاقتصادية إلى تعزيز النفوذ الإيراني الإقليمي قبل الحصول على الضمانات المطلوبة. لهذا السبب لا يقتصر دور الوسطاء على تقريب المواقف، بل يمتد إلى تصميم آليات تنفيذ وضمانات تسمح للطرفين بتجاوز مشكلة الثقة. فالتفاوض هنا لا يدور حول الاتفاق فقط، بل حول كيفية تطبيقه ومن سيتحرك أولاً.

لكن التحدي الثالث ربما يكون الأكثر أهمية، وهو وساطة الإقليم. فالمفاوضات لا تجري في فراغ. فملفات مثل أمن الخليج، ومستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية، والملاحة في مضيق هرمز، والعلاقة بين الاتفاق النووي والملفات الإقليمية الأخرى، كلها حاضرة في الخلفية. ومن هنا يمكن فهم أهمية الحراك الدبلوماسي الموازي الذي شهدناه خلال الأيام الماضية، بما في ذلك الاجتماعات الإقليمية التي عُقدت في القاهرة بمشاركة عدد من القوى العربية والإقليمية. فهذه التحركات تعكس إدراكاً متزايداً بأن أي اتفاق أمريكي إيراني لن ينجح إذا بقي اتفاقاً ثنائياً منفصلاً عن البيئة الإقليمية المحيطة به. بمعنى آخر، لا يكفي أن تتفق واشنطن وطهران على الملف النووي إذا بقيت الأسئلة الكبرى المتعلقة بأمن المنطقة دون إجابة واضحة. ولهذا فإن الوساطة القطرية والباكستانية لا تتحرك فقط بين وفدين داخل قاعة واحدة، بل بين مجموعة واسعة من الحسابات والمخاوف الإقليمية المتشابكة.

لذلك تكشف هذه الجولة من المفاوضات أن الوساطة الحديثة أصبحت أكثر تعقيداً من مجرد تقريب وجهات النظر. فالوسيط الناجح اليوم لا يدير خلافاً واحداً، بل يدير عدة مفاوضات متوازية في الوقت نفسه: مفاوضات الصورة، ومفاوضات المحتوى، ومفاوضات الإقليم. وربما يكون النجاح الحقيقي لهذه الوساطة هو قدرتها على جمع هذه المسارات الثلاثة في اتفاق واحد قابل للحياة والاستمرار.

مساحة إعلانية