رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

63

د. عبدالله بندر العتيبي

الأيام الأخيرة قبل التفاهم: لحظة المفسدين لا لحظة السلام

15 يونيو 2026 , 10:57م

في الأزمات الكبرى، لا تكون أخطر لحظة دائماً هي لحظة اندلاع الحرب، بل اللحظة التي تسبق نهايتها. فكلما اقتربت الأطراف من توقيع تفاهم، ارتفعت شهية المفسدين، وتضاعفت محاولات إعادة خلط الأوراق، لأن الاتفاق لا يعني فقط وقف التصعيد، بل يعني أيضاً إعادة توزيع المكاسب والخسائر. هنا تصبح الأيام الأخيرة قبل أي تفاهم أمريكي-إيراني محتمل أكثر حساسية من أيام المواجهة نفسها.

السبب بسيط: الحرب تمنح الأطراف لغة واضحة مثل القوة، الردع، التهديد، واستعراض القدرة. أما الاتفاق فيفرض سؤالاً أصعب: من تنازل؟ من ربح؟ ومن استطاع تحويل التصعيد إلى مكسب سياسي؟ لذلك لا يخشى بعض اللاعبين استمرار الحرب بقدر ما يخشون اتفاقاً لا يعكس مصالحهم أو لا يمنحهم موقعاً في ترتيبات ما بعد الأزمة.

داخل إيران، يبرز الحرس الثوري بوصفه اللاعب الأكثر حساسية تجاه أي تفاهم مع واشنطن. فالمسألة بالنسبة له لا تتعلق بالملف النووي وحده، بل بمجمل بنية النفوذ الإيراني في المنطقة. أي اتفاق يخفف العقوبات أو يوقف الحرب قد يكون مقبولاً من زاوية الدولة الإيرانية، لكنه يصبح إشكالياً إذا تم فهمه على أنه بداية لتقييد أذرع إيران الإقليمية أو تقليص دور الحرس الثوري في صناعة القرار الأمني. لذلك قد لا يعمل الحرس الثوري بالضرورة على إسقاط الاتفاق، لكنه سيحاول فرض شروطه على معناه وحدوده.

من هنا نفهم لماذا تزداد أهمية التصعيد المحدود في الأيام الأخيرة. فالضربة أو التهديد أو تحريك إحدى الجبهات لا يكون دائماً إعلاناً للذهاب إلى حرب واسعة، بل قد يكون رسالة تفاوضية: إيران مستعدة للتفاهم، لكنها لن توقع من موقع الضعف. هذه الرسالة تخاطب واشنطن، لكنها تخاطب الداخل الإيراني أيضاً. فالنظام يحتاج إلى اتفاق، لكنه يحتاج أكثر إلى سردية تقول إن الاتفاق جاء نتيجة الصمود لا نتيجة الانكسار.

في المقابل، تقف إسرائيل بوصفها المفسد الخارجي الأبرز. فهي لا تنظر إلى أي تفاهم أمريكي-إيراني من زاوية وقف الحرب فقط، بل من زاوية موازين القوى بعد الاتفاق. السؤال الإسرائيلي ليس بشأن توقف إطلاق النار؟ بل: هل ستخرج إيران أضعف فعلاً؟ هل سيُمس نفوذها في لبنان؟ هل ستتراجع قدرتها على إدارة شبكاتها الإقليمية؟ أم أن الاتفاق سيمنحها هدنة تلتقط فيها أنفاسها وتعيد ترتيب أدواتها؟

لهذا تبدو الجبهة اللبنانية شديدة المركزية. لبنان ليس تفصيلاً هامشياً في هذه الأزمة، بل ساحة اختبار لمعنى التفاهم. فإذا انتهت المواجهة الأمريكية-الإيرانية من دون معالجة وزن إيران في لبنان، فقد ترى إسرائيل أن الاتفاق لا يحل المشكلة، بل يؤجلها. ومن هنا قد تلجأ إلى التصعيد أو التهديد أو العمليات المحدودة لرفع كلفة أي تفاهم لا يأخذ حساباتها الأمنية في الاعتبار. إسرائيل لا تريد بالضرورة منع كل اتفاق، لكنها تريد اتفاقاً لا يتحول إلى مظلة لحماية النفوذ الإيراني.

أما في واشنطن، فهناك مفسد من نوع مختلف: الداخل الأمريكي. أي رئيس أمريكي يقترب من تفاهم مع إيران يواجه فوراً اتهاماً محتملاً بالضعف أو التنازل أو إعادة إنتاج أخطاء الماضي. الكونغرس، والخصوم السياسيون، والجماعات الضاغطة، واللوبيات المؤيدة لإسرائيل، كلها قادرة على تحويل الاتفاق من إنجاز دبلوماسي إلى عبء انتخابي. لذلك سيحتاج الرئيس الأمريكي إلى تقديم التفاهم لا كصفقة مع إيران، بل كإجبار لإيران على التراجع. هذه ليست مسألة خطابية، بل شرط سياسي لبقاء الاتفاق داخلياً.

هنا تكمن المعضلة الحقيقية لأن الأطراف قد تكون قريبة من التفاهم، لكنها ليست متفقة على معنى التفاهم. واشنطن تريد إنهاء الأزمة وتسويق النجاح. طهران تريد رفع الضغط من دون الظهور بمظهر المهزوم. الحرس الثوري يريد حماية معادلة النفوذ. إسرائيل تريد منع إيران من تحويل الهدنة إلى مكسب استراتيجي. والداخل الأمريكي يريد اتفاقاً يبدو صارماً لا تصالحياً.

لذلك فإن الأيام الأخيرة قبل التوقيع ليست مرحلة هدوء، بل مرحلة صراع على الصياغة النهائية، وعلى الصورة، وعلى السردية. في هذه اللحظة تحديداً، قد تصبح الضربة المحدودة أكثر خطورة من الحرب المفتوحة، لأنها قد تُقرأ خطأً أو تدفع طرفاً إلى رد لا يريده أصلاً.

اقرأ المزيد

alsharq البلاستيك إلى منصات التتويج الصناعي

إن الصورة النمطية السلبية التي ارتبطت بمادة البلاستيك (Plastic) هي حكم مجتزأ يفتقر إلى الموضوعية إلى حدّ كبير؛... اقرأ المزيد

159

| 15 يونيو 2026

alsharq حين يكون الغياب عين الحضور!

إن الغياب في حقيقته أبعدُ من تواري الأجساد، واحتجاب الأبدان، إذ إن في منازله المعنوية مساحاتٌ رحبة تتسع... اقرأ المزيد

63

| 15 يونيو 2026

alsharq من الإلغاء إلى العقاب!

نعيش في عصر التواصل والوصول. يمكننا الوصول لأي أحد في أي مكان إن امتلكنا جهازا إلكترونيا مُحمّلا بالإنترنت... اقرأ المزيد

36

| 15 يونيو 2026

مساحة إعلانية