رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عاش المصريون ونحن معهم ساعات عصيبة بدأت من فجر يوم الإثنين الماضي عقب استباق المرشح الإخواني محمد مرسي إعلان اللجنة العليا للانتخابات نتائجها الرسمية وتسمية الفائز فيها سواء هو أم منافسه المرشح الأقرب للمجلس العسكري والحكومة الفريق أحمد شفيق.. فالإخوان لم ينتظروا وحاولوا استباق الأحداث ليعلنوا النتيجة بأنفسهم كمن يأخذ حقه بيده رافضا تنفيذ حكم القانون واللجوء إليه، فهم هنا يرون أنهم الأعلون ويمارسون سياسة الاستعلاء على الآخرين.. والإخوان بتبني تلك السياسة يطبقون نفس السياسات التي يتهمون النظام المصري السابق بأنه مارسها نحوهم وأقصاهم من العمل السياسي وهمشهم لنحو أكثر من 80 عاما متواصلة.
في واقع الأمر، استغل الإخوان بعض الأخطاء من قبل المجلس العسكري الحاكم الفعلي في مصر بعد تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، ونحن ليس بصدد حصرها، ولكن بعضها ساهم في خلق حالة من البلبلة والتوتر السياسي في مصر. ولعل أهمها إعلان المجلس عشية كشفه رئيس الجمهورية عن إعلان دستوري مكمل لحين التوصل إلى دستور دائم في مصر يعقبه انتخابات مجلس الشعب الذي حلته المحكمة الدستورية. كما يرى المصريون خطأ آخر ارتكبه " العسكري" وهو الإيعاز لقضاة المحكمة الدستورية لحل البرلمان حتى يأتي الرئيس الجديد مسلوب الإرادة والصلاحيات، وإن كانت التداعيات ترى أنه الإخواني محمد مرسي، فرأى العسكريون ومعهم قضاة الدستورية أنه من الخطورة بمكان أن يأتي رئيس دولة من الإخوان ويدعمه برلمان ذات توجه إخواني أيضا، ثم تأتي حكومة إخوانية، وهنا يتغير لون علم مصر إلى اللون الأخضر نسبة إلى الإسلام. ولهذا اشتد عود العسكري والدستورية معا لإلغاء مجلس الشعب حتى وإن أتى مرسي يأتي وحيدا.. ثم أعقب ذلك الإعلان الدستوري المكمل الذي نزع بقية الصلاحيات من الرئيس المقبل بغض النظر أكان مرسي أم شفيق.
ثم تتطور الأمور أكثر ليعلن وزير الدفاع المصري رئيس المجلس العسكري ما يسمى بهيئة لجنة للدفاع الوطني والتي تضم رئيس الجمهورية والمشير حسين طنطاوي رئيس المجلس ورئيس المخابرات العامة وتضم بالإضافة إليهم تسعة عسكريين، ليشتعل الشارع السياسي في مصر أكثر على اعتبار أن إعلان المشير هو سكب المزيد من البنزين على النار. ولم يهدأ هذا الشارع رغم إعلان بعض العسكريين المصريين التزام المجلس العسكري بتسليم السلطة للرئيس المنتخب. ولم تصدقه القوى الثورية والإخوان والسلفيون عندما أكد هؤلاء العسكريون نيتهم تسليم السلطة ووفاء القوات المسلحة بالعهد وتنفيذ خريطة التحول الديمقراطي.
أما ما رأته قوى التحرير – نسبة إلى القوى السياسية والدينية والثورية المنتشرة في ميدان التحرير - هو أن رئيس الجمهورية سيتسلم بعضا من صلاحياته، أما بقية صلاحيات الرئيس فذهبت إلى المجلس العسكري الذي اختطف السلطة في مصر.
بيد أن المشهد المحزن في مصر أن بعض تلك القوى يستقوي بالشارع وباسم الثورة ليقف موقفا مناهضا للدولة الأم تحت زعم المطالب الثورية.. نعم من حق الذي حصل على أعلى الأصوات أن يتولى منصب رئيس الجمهورية لأنه جاء نتيجة اختيار الأغلبية التي قالت له نعم.. وإن كنت أعتقد بحكم قربي نوعا ما بالشارع المصري، أن المجلس العسكري تسرع نوعا ما بإقدامه على طرح الإعلان الدستوري المكمل، رغم أنه من حقه أن يصدر التشريعات لأنه الركن الأساسي في حماية الثورة وهو الجيش المصري.. وهو المجلس الذي حارب الفوضى بقدر الإمكان، وحارب كل من يتربص بالثورة المصرية.
فالمجلس العسكري ورغم أخطائه فهو يمثل مجموعة من الضباط الشرفاء لا يريدون سوى مصلحة بلادهم، وهم غير طامعين في سلطة وكل ما يعنيهم هو حماية بلدهم.
أعتقد أن المصريين سيتجاوزون هذه المحنة الخطيرة، وعليهم الإسراع بالعودة إلى رشدهم السياسي وإنهاء حالة التشرذم، وعليهم أن يفرحوا بالاحتفال برئيسهم المنتخب، وهو أول مواطن يتبوأ هذه المكانة نتيجة انتخابات حرة ونزيهة.. ويكفي أن حكمة الله للشعب المصري أنه وأثناء احتفال الإخوان بفوز مرشحهم – قبل إعلان النتائج الرسمية - ترددت أنباء قوية عن وفاة الرئيس السابق حسني مبارك – وهي لحظة فارقة لمن يفكر في ملكوت الله، ولعلها لحظة قد يعيد فيها المرء تفكيره مرة أخرى، وقد يتراجع البعض ويقول لنفسه:" لماذا التكالب على السلطة وهذه هي آخرة الإنسان؟".. فكثيرون يريدون حياة بعيدة عن الصخب والشهرة والمسئولية، وهؤلاء يقولون إنه من الأفضل الابتعاد عن عالم السياسة والسلطة والمحاسبة، فمن يخطئ اليوم سيحاسب غدا، وحساب الغد لعظيم.
من المؤسف القول إن الجميع تلاعب بالمصريين في اللحظات العصيبة التي مروا بها أواخر الأسبوع الماضي، ومن أول المتلاعبين وسائل الإعلام التي ساهمت بقدر كبير في بلبلة الرأي العام، وهي الوسائل التي تضاربت تحليلاتها السياسية والقانونية لكل تطورات المشهد، فكل ضيف يناصر الفئة التي ينتمي إليها، حتى القانونيون اختلفوا رغم أن النص القانوني واحد، ولكن تفسيراتهم تعددت وتنوعت ليضطرب معها المشهد زيادة غير عابئين بعقول المصريين.
اللحظة بصدق فارقة، فالإخوان اللاعب الرئيسي في المرحلة الانتقالية ورغم ثقلهم التاريخي، لن يتغيروا بين ليلة وضحاها، فهم يجيدون لعبة المواءمات وعقد الصفقات ثم التراجع عما اتفقوا عليه، والدلائل كثيرة منها أنهم أعلنوا عدم رغبتهم في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية ثم دخلوا سباق الرئاسة، وهم الذين وقعوا على كل الوثائق الخاصة بالدولة المدنية، ثم أرادوا الهيمنة على الجمعية التأسيسية الأمر الذي دفع بالآخرين إلى اللجوء لمحكمة القضاء الإداري في مصر لوقف تلك المهزلة. والآن يخشى المصريون أن يتولى الإخوان بمفردهم إدارة المرحلة الانتقالية دون باقي القوى الوطنية والتيارات الأخرى، مما دفع الجيش هذه المرة إلى التدخل السريع وفرض إعلان دستوري مكمل لإحداث توازن بدفة الحكم عشية الإعلان عن الرئيس الجديد.
وقد نستشهد هنا بما قاله النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين سابقا الدكتور محمد حبيب، بأن ترشيح الجماعة عضوا منها في انتخابات الرئاسة هو خطأ استراتيجي قاتل، ويفقدها مصداقيتها لدى الرأي العام.
وإذا أضفنا لما قاله حبيب القيادي السابق في الإخوان، فربما يكون تساؤلا ويتعلق بمغزى استباق الإخوان الأحداث وإعلان فوز مرشحهم ولم تكن عمليات الفرز أو الطعون قد انتهت؟ وهناك لجنة من رجال قضاة المحكمة الدستورية تتولى هذا الأمر . فلماذا الاستعجال نحو السلطة والتهافت على اختطاف الكعكة؟.
وختاما.. لعل ما نقلته صحيفة الوفد المصرية في عددها يوم الثلاثاء الماضي عندما استضافت رجلا مسنا يقترب عمره من الثمانين، وسألته الصحيفة:" ماذا تطلب من الرئيس الجديد؟".. فكان رده بالغا وبليغا ومعبرا رغم أنه بلغ من العمر أرذله، ولكنه فكر في المستقبل، ولم يخنه سنه في الإجابة وإنما أعطاه عمره حكمة في الرد.. فماذا كان الرد؟. الرجل لم يطلب المستحيل من الرئيس الجديد، إنما اكتفى بتحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفساد وحرية التعبير.. فهل يستطيع رئيس مصر المقبل توفير كل هذه الاحتياجات والمطالب والأماني؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10578
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3666
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2541
| 08 سبتمبر 2026