رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

علي بن راشد المحري المهندي

مساحة إعلانية

مقالات

492

علي بن راشد المحري المهندي

التربية بالقدوة

22 فبراير 2026 , 01:16ص

الاقتداء سلوك لا يأتي بالتلقين وسرد قصص الناجحين والملهمين والمؤثرين، أو بالتأكيد على ضرورة الاقتداء بمثل هؤلاء لنصل إلى قمة النجاح والفلاح. هذا النمط لا يجدي في التربية.

فالقدوة لابد أن تكون نموذجًا حيًا وواقعيًا، موجودًا وملامسًا لحياتنا بشكل قريب، حتى تنجح فكرة الاقتداء به، فنرى صنيعه في كل السلوكيات والمواقف والمعاملات على أرض الواقع. من هنا يأتي التقليد والاقتداء بهذا النموذج الصالح، وهذه لبنة التربية الأولى منذ الصغر.

فالطفل يتعلم في بداية عمره بالتقليد والممارسة، يفعل ما يشاهد لا ما يسمع، لا ينتبه لكلامك لكنه يحفر في ذهنه عملك ويبدأ في تقليدك والاقتداء بك. لذلك نقول: التربية بالقدوة من أنجح أساليب بناء الإنسان السوي، على الرغم من كونها لغة صامتة لا صخب فيها، ولا توجيه، ولا عنف، لكنها بالغة التأثير. فما يراه الأطفال في سلوك الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، يترسخ في نفوسهم ويصنع شخصيتهم، ويشكّل منظومة القيم والمبادئ لديهم على المدى البعيد.

وقد وجهنا الهدي القرآني إلى هذا المنهج التربوي العظيم حين جعل من الأنبياء قدوة عملية، فقال الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:21]

فالرسول ﷺ لم يربّ أصحابه بالكلمة فقط، بل كان مثالًا حيًا للأخلاق والرحمة، يطبق الوحي بشكل عملي وواقعي. حتى عبرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن ذلك بقولها: (كان خُلُقُه القرآن).

وداخل بيوتنا تبدأ التربية بالقدوة من أبسط التفاصيل: من الصدق في الحديث، والعدل بين الأبناء، واحترام الوقت، وحسن التعامل مع الآخرين. فالطفل الذي يرى والده محافظًا على صلاته ومن أهل المساجد، وأمه صادقة في كلامها ووعدها، يتشرب هذه القيم دون توجيه مباشر.

لذلك قال النبي ﷺ: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) متفق عليه.

المسؤولية هنا سلوك قبل أن تكون توجيهًا.

كما أن التربية بالقدوة تُثمر طمأنينة وثقة داخل الأسرة، لأنها تزيل التناقض بين القول والفعل، وتُربي الأبناء على الانسجام الداخلي والاتساق.

في عصرنا الحالي، نحن بحاجة ملحة إلى قدوات صادقة داخل البيوت وخارجها، فصلاح الأبناء يبدأ من صلاح القدوة داخل الأسرة أولًا، وبناء القيم يبدأ من ممارسة القيم في محيط المجتمع. فبقدر كثرة نماذج القدوة الحسنة، ننشئ جيلًا مستقيمًا، واعيًا، وقادرًا على حمل الأمانة، وتقدم الأمة، وتصدرها قمة النجاح والازدهار.

مساحة إعلانية