رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لابد من إقامة صناعات تساعد على إقامة صناعات تحويلية وأخرى مكملة لها
لقد واجه رجال الأعمال وأصحاب المبادرات ضعف وغياب الدعم المحلي للصناعات الناشئة. لعدم وجود عمق وتنوع في المنظومة الصناعية الخفيفة ولضعف التشابك الصناعي فيها. وما تعني تلك الفجوة من تلكأ مشاريع القطاع الخاص لعدم توفر ماتحتاجه الصناعة الخفيفة من مدخلات التصنيع. مما يؤدي إلى إما تراجع تلك المشاريع أو تأخرها أو إلغائها إما لعدم قدرتها على الحصول على حلول في السوق المحلي أو لزيادة التكلفة بسبب معوقات الاستيراد وتباعد مصادر المواد وقطع الغيار وقطع وآليات الإنتاج وتكلفة النقل وعدم القدره على التواصل بشكل متواتر مع المصنعين والتي تدخل صناعتهم في المنتج الصناعي المطلوب المراد إنتاجه وعليه لا يحصل المصنع المحلي على أفضل الحلول ولا على الخيارات ولا على إدخال أفكاره أو مقتراحاته للمنتج الجديد وهكذا إما يجتهد ويبتكر حلولا أو يتراجع عن أحلامه وأفكاره أو يسلك درب طويل ووحيد من أجل إخراج أفكاره لحيز الوجود. وهذه المعضلة واجهة كل من أراد تحويل أفكاره أو أحلامه إلى منتج أو خدمه في السوق. بشكل يعكس البيئة المحلية ويضع حلول لها من أجل توفير منتجات لها طابع محلي وتقدم حلول للمستهلك المحلي والتي قد تختلف عن حاجات ورغبات المستهلك في مناطق أخرى في العالم. على سبيل المثال الظروف المناخية في المنطقة وقطر توجب تبريد المياه في الصيف حتى للقيام بالغسيل أو الاستحمام . وهذا قد يواجه بالغرابة من قبل المستهلك في مناطق أخرى من العالم واعتبره ترف ولكن في المنطقة هو ضرورة كما هو المكيف أو أي شيء آخر يعتبر عامل تكيف مع الطقس.
كثيرة هي عوامل تأخر سد فجوة التشابك الصناعي حداثة الاهتمام بالصناعات الخفيفة وعدم استمرارية تطويرها. وحجم السوق أحد الأسباب الرئيسة. حيث إن الطلب الناتج عن حجم السوق أي عدد السكان. لا يوفر الطلب الكافي لإقامة صناعات لها خطوط إنتاج إلا إذا اعتمدت التصدير حيث إن السوق لا تحتمل كمية الإنتاج والكثير من فوائد الحجم الكبير لا يمكن الاستفادة منها وعليه يصعب إقامة تلك الصناعات ولذلك تتكون فجوه تجعل من إقامة صناعات مكمله امر صعب وهكذا تستمر المعضلة. ولكن في الفترة الأخيرة وبعد زيادة السكان أصبح من الممكن التفكير بجديه من أجل دراسة إمكانية إقامة صناعات مكمله تساعد على إقامة صناعا تحويلية وأخرى مكمله لها لتدعيم التشابك الصناعي وخلق بيئة صناعية غنية وداعمة. ولذلك فإن إجراء دراسة والعمل على تحديد تلك الصناعات التي تكون محور لصناعات أخرى أصبح ضرورة من أجل خلق بيئة تمكن رجال الأعمال والمستثمرين وأصحاب المبادرات والصناعيين من التحرك بحريه وإيجاد حلول تمكن من دفع القطاع الصناعي للتقدم واستمرار التحديث والتطوير. وهذان العاملان هما أساس الاستمرارية في اقتصاد نابض وحيوي ويملك عناصر الاستمرارية والبقاء
نوعية الطلب ومذاق المستهلك وما يحيطها من تحولات وتبدلات توجب على رجل الأعمال والقطاع الصناعي استيعابها وفي الكثير من الأحيان استباقها وفي أحيان أخرى العمل على تشكيلها ودفع الذوق العام لمصافات جديدة. وكل هذا يعني معرفة التغير في رغبات الجمهور ومواكبته أو استباقه وفي العقود السابقة جرت تحولات وتبدلات كبيرة على سلوكيات الجمهور في بعض الأحيان بشكل جذري مما سيحتم في بعض الأحيان الانقطاع عن خدمة بعض المطالب وتلبية مطالب أخرى أصبحت رئيسة لدى الجمهور. مثال على ذلك الكثير مما كان يعتبر من المواد الاستهلاكية أصبح اليوم خارج السوق مثل العشرق أو المر أو الخروع أو مواد أخرى كثيرة اختفت تقريبا ولذلك حلت بدلها مواد أخرى فالثقافة والتغبر فيها والعادات والتقاليد والتبدل فيها. مثل الدفة هل ستظل أم تختفي مثل البطولة. وهكذا الصناعة فأين التلفزيون الأبيض والأسود والكوثد ري وحل محلها الإل أ د والتلفزيون الثلاثي وهكذا تستمر الحياة والصناعات والخدمات تتجدد وتتحول وتتبدل وعلى رجال الأعمال والصناعيين والعلماء والجامعات ومراكز الأبحاث الحركة الدائبة والدائمة من أجل استمرار البحث والتطوير وخلق المستقبل من خلال السعي الدائب من أجل البقاء. تحقيق مستوى من التشابك الصناعي والخدمي سوف يحقق الاستقرار في أسعار السلع والخدمات لإن وفورات الحجم الكبير سوف تمكن من توفير تلك السلع والخدمات وتمكن القطاع الخاص من المنافسة وتخفيض الأسعار والمحافظة على الجودة. مما سيمكن الحكومة من تحقيق أحد أهدافها وهو استقرار الأسعار ورفع حدة المنافسة وتمكين القطاع الخاص من منافسة المنتجات المستوردة وخدمة المستهلك بإيجاد البدائل للمنتجات المستوردة وبحلول محليه تناسب أذواق الجمهور
الوحدة الاقتصادية الخليجية هي أحد الحلول ووضع تصور لكيفية بناء التشابك الصناعي المحلي حل آخر واعتماد حل التشابك الصناعي من خالا اعتماد محاور من خلال تشجيع نموا التشابك حول الصناعات الناجحة والتي تملك الدولة فيها ميزه تنافسيه مثل الالومنيوم والبتروكميكال والحديد والأسمنت. والعمل على إنشاء جزر من التشابك الصناعي الذي يغذي التشابك الصناعي الكلي في الاقتصاد المحلي. ويسمح بتوجيه برامح الدعم والتمويل لرفد استراتيجية الدولة. ويسمح بتركيز موارد الحاضنات الوطنية وجهدها. وتشكيل برامجها بما يتناسب والرؤية المرسومة. وهذا من شانه جعل الدعم بشكل عام أكثر اثرا وأنجع نتيجة ولكن ترك الموضوع دون رؤية جامعه . يترك الموضوع عرضه للقرارات الفردية والرؤى المختلفة وفي بعض الحالات الرؤى المتضاربة أو العشوائية والتي قد تفتقر لرؤيا موحده وتوفير الموارد لضمان نجاحها. ولذلك فإن من المتوقع أن تستمر حالة الضبابية في القطاع الصناعي المحلي. وتعرض رجال الأعمال والمبادرين لخسائر وولوج مسارات تنتهي إلى طرق مسدودة. وسيصعب على أي فرد لوحده حل هذه المعضلة دون تدخل أحد الجهات الرسمية وتبنيها هذا القطاع. أما الغرفة التجارية أو وزارة الطاقة والصناعة أو أي جهة أخرى لرسم خارطة طريق. وإنقاذ الكثير من شباب قطر من مغامرات عادة ما تنتهي بخسائر وديون والدولة في غنى عنها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2658
| 27 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2613
| 01 مارس 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1059
| 26 فبراير 2026