رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

540

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

الخليج بين صلابة الدفاع وحكمة القرار

04 مارس 2026 , 02:52ص

ستظل دولة قطر عصية على أي اعتداء يستهدف أمنها وسيادتها، ولن تنجرّ دول مجلس التعاون الخليجي إلى حربٍ لا تخدم استقرارها ولا تحقق مصالح شعوبها، فهذه ليست عبارة للاستهلاك الإعلامي، بل تعبير صريح عن عقيدة سياسية تشكلت عبر عقود من التجارب الصعبة في منطقة لا تهدأ فيها العواصف. فالسياسة الخليجية قامت على الاتزان لا الانفعال، وعلى حسابات الدولة العميقة لا ردود الفعل العاطفية، مهما تصاعدت الاستفزازات أو تعقّدت المشاهد الإقليمية.

اليوم، ومع تصاعد التوتر بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالمواجهة الأساسية ليست خليجية في أصلها، لكنها تحمل في طياتها محاولات واضحة لإعادة رسم مسرح الصراع. ومن الواضح أن هناك سعيًا لجرّ دول الخليج إلى قلب المعركة، بحيث تتحول أراضيها أو أجواؤها أو منشآتها إلى جزء من الحسابات المتبادلة، بما يفضي في نهاية المطاف إلى جعل المواجهة تبدو وكأنها صراع مباشر بين إيران ودول الخليج، بدل أن تبقى ضمن سياقها الأصلي.

هذا التكتيك ليس جديدًا في عالم الصراعات الإقليمية؛ فحين تضيق ساحات المواجهة، يسعى بعض الأطراف إلى توسيع الدائرة لخلط الأوراق، ونقل الضغط إلى أطراف أخرى، أملاً في تغيير موازين القوة أو فرض معادلات تفاوضية جديدة. غير أن دول مجلس التعاون الخليجي تدرك خطورة هذا السيناريو، وتفهم أن الانجرار إلى معركة ليست طرفًا فيها أصلاً، قد يحوّلها من مساحة استقرار إلى ساحة تصفية حسابات.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن استهداف المرافق الحيوية أو إطلاق رسائل عسكرية باتجاه دول الخليج لا يخدم سوى هدف واحد: دفع المنطقة إلى مربع الاستقطاب الحاد، بحيث تصبح خطوط التماس أقرب إلى العواصم الخليجية. غير أن قراءة الخليج للمشهد أكثر عمقًا من ذلك؛ فهي تعلم أن أي مواجهة مباشرة ستكلف الجميع أثمانًا باهظة، وأن توسيع الصراع لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والاضطراب.

قطر، ومعها بقية دول المجلس، ترفض أن تكون طرفًا في صراع يُعاد تشكيله على حساب أمنها. فهي لا تقبل المساس بسيادتها أو استقرارها، لكنها في الوقت ذاته ترفض الانزلاق إلى معركة تُراد لها أن تتحول إلى مواجهة خليجية–إيرانية شاملة. فالمعادلة واضحة: حماية الداخل أولوية مطلقة، وعدم السماح بتحويل الخليج إلى ساحة بديلة لأي صراع دولي أو إقليمي.

كما أن دول المجلس تدرك أن المواجهات الكبرى لا تُدار فقط بالسلاح، بل بالاقتصاد والتحالفات والرأي العام الدولي. وأي طرف يحاول نقل المواجهة إلى الجغرافيا الخليجية، إنما يغامر بتوسيع نطاق الأزمة بصورة قد تنعكس عليه سياسيًا واقتصاديًا. فالمنطقة اليوم ليست هامشًا في النظام الدولي، بل مركز طاقة واستثمار واستقرار نسبي، وأي اضطراب واسع فيها ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الإقليم.

إن محاولة جرّ الخليج إلى معركة الآخرين لن تغيّر من ثوابت السياسة الخليجية القائمة على التهدئة والحوار. فقرار الحرب ليس قرارًا عاطفيًا، بل قرار سيادي ثقيل الكلفة، لا يُتخذ إلا في إطار الدفاع المشروع، وبعد استنفاد كل السبل السياسية. ودول الخليج، بما تمتلكه من قدرات دفاعية وتحالفات راسخة، ليست بحاجة إلى إثبات قوتها عبر الانخراط في مغامرات غير محسوبة.

المرحلة الراهنة تتطلب يقظة استراتيجية، ووعيًا بأن بعض التصرفات قد تكون جزءًا من حسابات أوسع تهدف إلى إعادة رسم خريطة المواجهة. ومن هنا، فإن أفضل ردّ هو التمسك بالثوابت: عدم الانجرار، حماية السيادة، والعمل على خفض التصعيد، مع الاحتفاظ بحق الدفاع الكامل عن النفس.

إن دول مجلس التعاون الخليجي لن تسمح بأن تُستدرج إلى معركة لا تخدم استقرارها، ولن تقبل أن تتحول إلى ساحة مواجهة بالوكالة. فهي تدرك أن الحكمة في مثل هذه اللحظات أهم من أي استعراض عسكري، وأن الاستقرار الذي تحقق بجهود طويلة لا يجوز التفريط به تحت ضغط الاستفزاز.

حفظ الله قطر وأميرها وشعبها، وحفظ دول الخليج من كل سوء، وأبقى أمنها واستقرارها فوق كل اعتبار، وأفشل كل محاولة لتحويل أرضها إلى ساحة صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.

اقرأ المزيد

رحم الله الوطن الإنسان.. باني نهضة قطر الحديثة رحم الله الوطن الإنسان.. باني نهضة قطر الحديثة

رحل أميرنا الوالد بعد عمر ناهز أربعة وسبعين عامًا، كرَّسها في بناء قطر اليوم وقطر الغد. فقد قاد،... اقرأ المزيد

45

| 14 يوليو 2026

العلاقات التركية القطرية في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني العلاقات التركية القطرية في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

شكَّل عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني نقطة تحول بارزة في مسيرة دولة قطر، كما... اقرأ المزيد

33

| 14 يوليو 2026

ورحل نبض الوطن ورحل نبض الوطن

وتوقفت نبضات قلبه لتعلن رحيله من عالم الفناء الى عالم البقاء. تلك سُنة الحياة وكل شيء خلقه الله... اقرأ المزيد

48

| 14 يوليو 2026

مساحة إعلانية