رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• حين يرحل الآباء، لا تبكيهم أسرهم وحدها، بل تبكيهم البيوت التي اعتادت حضورهم، والزوايا التي شهدت مجالسهم، والأوطان التي صنعت معهم حكايتها.
• قبل أن يعلن الخبر، كان في القلب شيء لا يشبه سواه. ضيق لا أعرف له سببا، وحزن يتسلل بصمت، وكأن الأرواح تستشعر الفقد قبل أن تدركه العيون. امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بصورة سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وتعالت الدعوات من كل بيت ومن كل قلب، وفي كل صورة ومنشور. يسأل الناس الله أن يمن عليه بالشفاء والعافية. لم تكن تلك الدعوات مجرد كلمات، بل كانت تعبيرا صادقا عن محبة قائد لم يكن بالنسبة لشعبه أميرا فحسب، بل كان أبا حقيقيا لوطن بأكمله.
• ولم يكن القلب مخطئا فقد جاء الخبر الذي أثقل قطر كلها وأبكاها. ورحل الأمير الوالد. ورحل معه وجه وفي من وجوه قطر، وذاكرة من ذاكرة الوطن، وقلب ظل حاضرا في وجدان شعبه حتى آخر لحظة. رحل سموه لكنه ترك وراءه وطنا مختلفا، وطنا أصبح اسمه حاضرا في العالم كله، لا بحجم مساحته، بل بحجم رؤيته، ولا بعدد سكانه، بل بما صنعه من أثر وإنجاز.
• هناك من يقود دولة، وهناك من يصنع تاريخها. وكان الأمير الوالد واحدا من أولئك الرجال الذين لم يكتفوا بإدارة الحاضر، بل صنعوا المستقبل. لم يكن يؤمن بأن تكون قطر نسخة من غيرها، بل أراد لها أن تكون مختلفة، مستقلة في قرارها، واثقة في نفسها، وصاحبة رسالة، وصاحبة حضور لا يمكن تجاوزه.
• آمن بأن الأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما بالرؤية والعمل، وأن الثروة الحقيقية ليست فيما تحت الأرض، وإنما فيما تحمله العقول فوقها. لذلك لم تكن نهضته نهضة عمران فقط، بل نهضة إنسان.
• علمنا أن الجرأة في اتخاذ القرار ليست مخاطرة عندما يكون الهدف رفعة الوطن، وأن الدول لا تكبر باتساع أرضها، وإنما باتساع رؤيتها، وبقدرتها على الاستثمار في الإنسان.
• ولذلك لم يكن غريبا أن تتحول قطر، خلال سنوات قليلة، إلى اسم حاضر في السياسة، والدبلوماسية، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والإعلام، والرياضة، والعمل الإنساني.
• ومن بين أعظم ما تركه الأمير الوالد للأجيال إيمانه بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار. لذلك لم تكن مؤسسة قطر، المدينة التعليمية، وجامعة حمد بن خليفة التي حملت اسم قائد آمن بأن العلم هو الطريق إلى المستقبل، وكانت تجسيدا لرؤية آمنت بأن مستقبل الأوطان يبدأ من التعليم، ومن البحث العلمي، ومن العقول القادرة على صناعة المعرفة.
• وأشعر اليوم بامتنان كبير لأنني كنت واحدة من أبناء هذا المشروع الوطني. فقد كانت رحلتي العلمية، حتى الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة حمد بن خليفة، شاهدا على رؤية فتحت لأبناء قطر أبواب العلم، وأثبتت أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي يبقى أثره جيلا بعد جيل.
• وفي الإعلام، لم يكن الأمير الوالد يؤسس قناة فضائية فحسب، بل كان يؤسس مشروعا حضاريا سبق عصره. فجاءت فكرة قناة الجزيرة لتقدم للعالم صوتا عربيا مستقلا، ورواية مختلفة، ومساحة أوسع للحوار والاختلاف، حتى أصبحت واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيرا في العالم. ولم تكتف الجزيرة بتغيير المشهد الإعلامي العربي، بل جعلت اسم قطر حاضرا كل يوم في بيوت العالم، وفي غرف الأخبار، وفي الجامعات، وفي مراكز الدراسات، ورسخت مكانة الدولة. ولأول مرة، لم يعد العالم يروي أخبار منطقتنا نيابة عنا، بل أصبح يستمع إلى رواية تخرج من قلب المنطقة نفسها. بوصفها قوة ناعمة تؤمن بأن الكلمة الواعية لا تقل أثرا عن القرار الحكيم.
• وفي السياسة، اختار الأمير الوالد أن تكون قطر جسرا للحوار، وأن يكون السلام رسالة، وأن تمد يدها لكل من يبحث عن حل أو يقرب وجهات النظر، حتى أصبحت الدوحة عنوانا للدبلوماسية والوساطة، ومقصدا لكل من يؤمن بأن الحوار أقصر الطرق إلى الاستقرار. لم يكن يصنع لقطر مكانا على خريطة العالم، بل كان يصنع لها مكانة في ضمير العالم.
• وكانت مواقفه الكبرى تنطلق من إيمانه بأن قوة الدول لا تقاس بما تملكه، بل بما تحمله من مبادئ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي بقيت حاضرة في وجدانه وفي مواقف دولة قطر. ولذلك لم يكن دعم فلسطين وغزة موقفا موسميا، بل امتدادا لقناعة راسخة بأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن نصرة المظلوم مسؤولية لا تسقط بتغير الظروف.
• وفي الرياضة، لم تكن استضافة كأس العالم قطر 2022 مجرد بطولة عالمية، بل كانت رسالة حضارية قدمت للعالم صورة مشرقة عن قطر والعرب والمسلمين، وأثبتت أن الحلم عندما يقترن بالإرادة يتحول إلى إنجاز يبقى في ذاكرة التاريخ.
• ورغم كل هذه الإنجازات، بقي الأمير الوالد إنسانا قريبا من الناس. تشرفت بلقائه أكثر من مرة، في معرض الدوحة الدولي للكتاب، وفي معرض الدوحة للمجوهرات والساعات. وما زلت أتذكر ذلك اليوم في معرض الكتاب حين كنت أحدث نفسي: هل يجد الأمير الوالد وسمو الشيخة موزا بنت ناصر وقتا لزيارة معرض الكتاب؟ ولم تمض ساعات حتى رأيتهما أمامي في إحدى دور النشر. وفي كل لقاء كان يبدأ بالسلام، ويسأل باهتمام، ويستمع بإنصات، ويتحدث بعفوية الأب قبل هيبة القائد. لم تكن تلك اللقاءات بروتوكولا، بل كانت مواقف إنسانية بقيت راسخة في الذاكرة، لأن الهيبة يمنحها المنصب، أما المحبة فلا يصنعها إلا التواضع والصدق.
• لقد منح المواطن القطري شعورا بالفخر، وجعل اسم قطر يحمل مكانة واحتراما أينما ذكر. لم يعلمنا أن نفتخر بوطننا لأنه غني، بل لأن له رسالة، وله رؤية، وله قائد آمن بأن المستحيل ليس إلا فكرة لم تجد من يؤمن بها بعد.
• واليوم، ونحن نودع سموه، ندرك أن الرجال العظماء لا يرحلون عندما تغيب أجسادهم، بل يبقون في الأثر الذي تركوه، وفي المؤسسات التي أسسوها، وفي الأجيال التي آمنوا بها، وفي كل طالب فتحت له أبواب العلم بفضل رؤية آمنت بأن المعرفة هي الثروة التي لا تنضب. وفي كل باحث يكتب دراسة وبحثا ويخدم الإنسانية، وفي كل إعلامي يحمل رسالة، وفي كل دبلوماسي يسعى إلى السلام، وفي كل إنجاز يرفع اسم قطر بين الأمم.
وفي هذا المصاب الجلل، نتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإلى الأسرة الكريمة، وإلى الشعب القطري الكريم، سائلين الله عز وجل أن يتغمد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وأن يحفظ وطننا ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار والعزة.
• آخر جرة قلم:
ليس كل القادة يتركون وراءهم مناصب، فبعضهم يتركون رؤية، وإنسانا، وأثرا يمتد عبر الأجيال. رحم الله الأمير الوالد، وسيبقى وفاء القطريين له جزءا من وفائهم لوطن أحبوه كما أحبه، ووطن سيظل شاهدا على أن الرجال العظماء لا يرحلون ما دامت أعمالهم تنبض في حياة الناس، وما دام التاريخ يروي للأجيال قصة قائد آمن بقطر فآمنت قطر بحلمه، وإنا لله وانا إليه راجعون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
4245
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1560
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
993
| 29 يوليو 2026