رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"ها نحن نستقبل عام 2017، عام الإدارة الجامحة للرئيس ترامب، وفترة مهمة ستحدد فيها التصريحات مضامين أجندات الأعمال على نحو عشوائي في الولايات المتحدة، وذلك وسط هيمنة واضحة للسياسات غير التقليدية". بهذه الكلمات، افتتح كبير الاقتصاديين لدى "ساكسو بنك" تقرير توقعات الربع الأول الذي صدر خلال الأسبوع الماضي. وفي هذا التقرير أيضًا، قمت بتقديم وجهة نظري حيال السلع الأساسية، وبشكل خاص الذهب والنفط.
ومع اقتراب موعد انطلاق ولاية ترامب الرئاسية يوم 20 يناير، بدأت السوق بإعادة تقييم أفكارها الأولية المتعلقة بتأثير هذا اليوم على مختلف الأسواق والقطاعات. وحمل المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس المنتخب هذا الأسبوع طابعًا كلاسيكيًا، حيث استمر ترامب بقضاء المزيد من الوقت في استفزاز منتقديه ووسائل الإعلام بدلًا من محاولة توضيح خططه ومساره المستقبلي. ويزيد هذا الأمر من ترجيحات أن تكون ولايته تجريبية، وفي بعض الأحيان فوضوية، اثنتين من الأشياء التي ستؤدي دون أدنى شك لحدوث الكثير من التقلبات في السوق خلال الأشهر القادمة.
وشهد الدولار عمليات بيع واسعة في حين سجلت السندات انتعاشًا ملحوظًا مع تسجيل العائد الحقيقي على السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات– أحد المحركات الرئيسية للذهب- لأدنى مستوى له في شهرين. وفي حين تعيد سوق السندات تقييم أثر رئاسة ترامب، عززت لهجته الحمائية المخاوف ذات الصلة بآثار ولايته على كل من النمو والتضخم.
وأسهم الدولار الضعيف في تقديم الدعم للسلع بشكل عام مع بداية عام 2017، ولكن تُظهر مخططات الأداء أدناه أننا نشهد إعادة تقييم للتوقعات المستقبلية الخاصة ببعض القطاعات، ولا ينحصر الأمر بالمعادن الثمينة.
طلب قوي
وبعد مرور أسبوعين من عمر العام الجديد، نجد أن المخاوف المتعلقة بالمعروض وسط حالة من الطلب القوي قد منحت السلع الخفيفة بدايةً رائعة للعام الجديد. وعملت هذه المخاوف بشكل خاص على تعزيز أداء كل من القهوة والسكر، في حين بدأ الكاكاو باستقطاب بعض الرغبة الشرائية بعد هبوطه إلى أدنى مستوياته خلال ما يقارب 3 سنوات.
وحقق قطاع الحبوب انتعاشًا في الأداء هذا الأسبوع بعد تقرير الحكومة الأمريكية الشهري حول مستويات العرض والطلب العالمية. وأظهر التقرير قيام الحكومة الأمريكية بخفض المساحة المزروعة بالقمح الشتوي في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1909، نتيجة لاستجابة المزارعين لضعف الظروف الاقتصادية بعد مرور عام آخر من زيادة العرض وضعف حركة الأسعار. وبالإضافة إلى ذلك، حقق فول الصويا انتعاشًا ملحوظًا بعد أن أظهر التقرير انخفاضًا في العائد والمخزون.
ومع ذلك، سجل إجمالي إمدادات المحاصيل الرئيسية الثلاثة ارتفاعًا بواقع أكثر من 10%. ولذلك، من المطلوب أن تقدّم الأنباء المتعلقة بتراجع المساحات المزروعة الدعم للأسعار بينما ننتظر لمعرفة ما ستحمله الأحوال الجوية في جعبتها خلال الموسم الزراعي المقبل.
المعادن الصناعية
وتلقت المعادن الصناعية الدعم جراء تراجع الدولار وارتفاع أسعار المنتجين الصينيين التي تزيد من احتمالات تصدير الصين للتضخم. وحقق النحاس أداءً قويًا رغم المخاوف المتعلقة بالإمدادات من إندونيسيا (قيود التصدير)، وتشيلي (الإضراب)، ليرتفع بالسعر إلى أعلى مستوياته في شهر واحد. ومع ذلك، من المرجح أن تمثّل عمليات الشراء طويلة الأمد محركًا مع انتعاش أداء المعادن بنسبة 20% منذ مطلع شهر نوفمبر.
وتستمر حالة الانتعاش التي يشهدها الذهب الذي صعد من أدنى مستوياته التي سجلها خلال شهر ديسمبر مع توفير عامل رئاسة ترامب للدعم بصورة متزايدة نظرًا للشكوك التي تحيط بالمستقبل. وقام المؤتمر الصحفي، الذي افتقد المضمون المطلوب وحمل طابعًا هزليًا سخيفًا خلال الأسبوع الماضي، بمساعدة الذهب والفضة على تحقيق المزيد من الانتعاش. كما تلقى هذا الانتعاش المساعدة من ضعف الدولار وانتعاش سوق السندات التي شهدت انخفاض العائد على السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات– أحد المحركات الرئيسية للذهب– إلى أدنى مستوياته خلال شهرين.
صناديق التحوط
وبدأت صناديق التحوط بالفعل في خفض صفقات شراء الذهب في يوليو الماضي، وبعد يوم 8 نوفمبر تحولت هذه الحركة إلى هزيمة. وخلال الأسبوع المنتهي بيوم 3 يناير، شهدت التوقعات الإيجابية انخفاضًا بواقع 88% من مستوى الذروة، في حين شهد إجمالي عدد عمليات البيع على المكشوف ارتفاعًا بواقع 150% خلال الأسابيع الثمانية الماضية.
ويميل المستثمرون الذين يستخدمون المنتجات المتداولة في البورصة لاكتساب التعرض إلى الاستجابة بصورة أبطأ بكثير قياسًا بمن يستخدمون صناديق التحوط. وفي حين بدأت للتو بتقليص حجم التعرض بعد يوم 8 نوفمبر، بعد حوالي 3 أشهر من صناديق التحوط، لا نزال ننتظر رؤية أي انتعاش في الطلب.
ومع وصول الذهب حاليًا إلى مستوى 1205 دولارات للأونصة، وهو تصحيح بنسبة 38.2% بعد الانخفاض الذي شهده عند انتخاب ترامب. من المرجح أن أي ارتفاع عن هذا المستوى سيفرض استجابة شرائية من صناديق غير مستعدة لهذه التوقعات المتغيرة. والآن، ستصبح معظم الصناديق التي تمتلك مراكز قصيرة على وجه الخصوص ذات قيمة أدنى من الأصول التي تدعمها.
النفط الخام
وشهد تداول النفط الخام انخفاضًا ملحوظًا يوم الجمعة بعد الانتعاش الذي شهده لمدة يومين مدفوعًا بالتفاؤل حيال تنفيذ خطة تقليص الإنتاج. وبشكل خاص، أسهمت الأنباء التي تحدثت عن قيام المملكة العربية السعودية بخفض الإنتاج وفق مستوى يفوق التوقعات في دعم الأسواق المتجهة للصعود والتي تحاول إتمام صفقة شراء قياسية في الوقت الحالي. ومع توقعات ببلوغ مستوى الامتثال العام نسبة 60-80% ومع قيام ليبيا برفع الإنتاج، ينبغي على أحد الأطراف أن يقوم بخفض الإنتاج بصورة أكبر، وهو ما صرحت المملكة العربية السعودية بأنها تقوم به.
وشهدت ليبيا، المعفاة من خفض الإنتاج، زيادة مطردة في إنتاج النفط منذ شهر أغسطس. وتجاوز الإنتاج خلال الأسبوع الماضي حاجز الـ700 ألف برميل يوميًا قياسًا بـ260 ألف برميل يوميًا فقط خلال شهر أغسطس. وتأتي هذه الزيادة نتيجة لإعادة افتتاح مرافق الإنتاج والتصدير مؤخرًا في الجزء الشرقي من الدولة التي تشهد اضطرابات كبيرة.
وبشكل عام، تتجه السوق للاستقرار ضمن نطاق محدد، بينما ننتظر تأكيدات بخصوص عملية خفض الإنتاج. ومن غير المحتمل أن تظهر معلومات واضحة قبل أن تصدر أوبك تقريرها الشهري حول سوق النفط خلال شهر يناير في 13 فبراير. وعندها فقط، يمكننا أن نحصل على الصورة الكاملة حول تصريحات الإنتاج الخاصة بالدول الأعضاء في منظمة أوبك مقارنة بتقديرات الأطراف الثالثة.
وفي الوقت الحالي، يمثل العاملون في مجال تتبع تدفق النفط حول العالم، سواء كانوا ممن يستخدمون تكنولوجيا الأقمار الصناعية المتطورة أم شبكة المصادر الميدانية التقليدية، أفضل مصادر المعلومات بالنسبة لنا فيما يتعلق بالامتثال.
وخلال الأسبوع المنتهي بيوم 3 يناير، شهدنا بعض التغييرات الطفيفة فقط في مواقع المضاربة التي تشغلها صناديق التحوط. ووصل صافي المراكز الدائنة المجمعة إلى 790 مليون برميل مع بقاء إجمالي المراكز الدائنة فوق حاجز الـ900 مليون برميل. ولكنها كانت المرة الأولى منذ 9 أسابيع التي تشهد ارتفاع إجمالي عمليات البيع على المكشوف لخام غرب تكساس الوسيط، وإن انحصرت هذه الزيادة بواقع 7.6 مليون برميل.
وعلى المدى القصير، نلتزم بوجهة نظرنا في أن السوق ستكون محصورةً في نطاق ضيق، ولكن مع خطر الانحراف نحو الهبوط بسبب التهديد بالتصفية الطويلة. وتتمثل نطاقات الأسعار بـ51 إلى 55 دولار بالنسبة لخام غرب تكساس الوسيط و53.50 إلى 58 دولار لخام برنت. وبالنظر إلى الجهود الجارية لإعادة التوازن إلى السوق، لا نشهد خطر حدوث تصحيح كبير كما حدث عدة مرات خلال السنوات الأخيرة عندما انجرفت التوقعات بشكل كبير في أي من الاتجاهين.
قطر.. مكانة بارزة على الصعيد الدولي
عكس حضور صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، قمة مجموعة السبع (G7)، بدعوة... اقرأ المزيد
120
| 17 يونيو 2026
قطر وأخطر أزمة شهدها العالم
على مدار السنوات الماضية، وفي ظل الأزمات التي واجهتها المنطقة والعالم، برزت جهود الدبلوماسية القطرية تجاه حلحلة أصعب... اقرأ المزيد
687
| 16 يونيو 2026
بين فرحة الترقية وقلق الفراغ المعرفي
خلال اليومين الماضيين، تابعنا بكثير من الفرح والاعتزاز حركة واضحة في ترقية عدد من الشباب القطري القيادي في... اقرأ المزيد
291
| 16 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
7377
| 14 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
4557
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4380
| 15 يونيو 2026