رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
العرب قرروا الخروج من التاريخ وانشأوا لانفسهم عشرات من حوائط المبكى
الأحداث الجارية فوق الأرض العربية باختلاف أقطارها "تُنَطَقْ الأخرس" كما تقول أغنيات المقاومة "لأولاد الأرض" بالسويس. ولكن الحالة العربية الآن أفقدت الكلام مضمونه، وأهملت الفعل وحلت مكانه جلسات النواح والبكاء والحياء المنبوذ والتجاوز البذيء على شاشات الفضائيات، والكل يحيا الفوضى ويقبل بها.
مواكب الوارثون ليست جديدة على المجتمع العربي، فقد سبق أن انطلقت وتحت أسماء مختلفة في عامي 1967 و1970 عامي هزيمة يونيو، ورحيل جمال عبد الناصر إلى رحاب ربه. لم يكن الوارثون في حينها أفرادا، وأبناء أو قادمين من المجهول، ولكنهم كانوا تنظيمات وأنظمة، والكل يرفع رايات الثورة العربية، وينشد أناشيد الثأر والتحرير، ويحمل أموالا ينثرها هنا وهناك، انتبهوا وتفرغوا لوراثة جمال عبد الناصر، وتركوا أرض المعركة خالية، وكأني بهم قد هبطوا من جبل أحد، فاستدارت خيل العدو وأحاطت بهم، وكان هذا فعلهم في أقرب لحظات الأمة العربية إلى تحقيق الذات في معركة عسكرية تضع إسرائيل في حدود حجمها الطبيعي وكونها عدوا غير خارق، وأن العمل الاحترافي الجاد يمكنه أن يكشف القدرات لكل الأطراف.
لم تخسر الأمة العربية حالة الحشد من بشر وثروة وقوة وعتاد التي حققتها في 1973، ولكنها خسرت معاييرها، وكأنها قد انتقلت إلى المدينة الفاضلة، وألقت السلاح إلا فيما بينها، وتركت العروبة العقيدة التي وحدتها، وتغاضت عن فلسطين قضيتها المركزية، بل الأدهى من ذلك، أنها وأدت كل الأحزاب والتنظيمات التي احتشد فيها كوادر الأمة السياسية، وتهاوى حزب البعث وجبهة التحرير الجزائرية وطليعة الاشتراكيين والطليعة العربية والأحزاب القومية والشيوعية، ولم يبق منها إلا أسماء خالية من المضمون، وخرجت من الأوكار تنظيمات بديلة سواء قادمة من زمن الاحتلال أو هي قادمة بإدعاءات دينية، وغير كل هذا أنتج الغرب للكوادر العربية عبوات جاهزة، استعاضت عن الفكر السياسي بما يسمى بحقوق الإنسان، ومن الإنسان حقوق المرأة، ومن الأوطان القوميات والأعراق والأديان، وشكلت لهم أوعية ما سمي بمنظمات المجتمع المدني، ولم تتركهم في العراء، بل أوجدت لهم مرجعيات في أوروبا الاسكندنافية وهولندا وأمريكا، وأوجدت لهم التمويل من أوروبا وأمريكا، ونجحت في استقطاب كوادر اليسار الشيوعي والقومي، وصنعت منهم نجوم إعلام، بعد أن تم ترويض الإرادات وتحويل الأفكار.
ولم يتوقف الأمر عند الأحزاب السياسية أيا ما كانت توجهاتها وتاريخها، ولكنه شمل منظمة التحرير الفلسطينية، وميثاقها، وقياداتها، وجرى تصفية كل هذا، وكأن منظمة التحرير الفلسطينية، قررت أن تتجرع السم بيدها وليس بيد إسرائيل. وكما قتلت إسرائيل أبو جهاد وهو قائد انتفاضة الحجارة، ليصنع أبو عمار ما أسماه "بسلام الشجعان"، أنقلب أبو مازن، والذي كان قابعا في هدوء وفي الظلام بينما رجال الثورة يمارسون المقاوم، انقلب على أبو عمار، وجلس في الظل حتى يتم تمهيد الأرض له، واجتمع الجميع على أبو عمار، فبينما كانوا يقررون مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002، كان شارون يحاصر أبو عمار ويخنق الأرض من حوله حتى تم قتلة، ليأتي أبو مازن ويضع يده في يد قاتليه، وهو في الوقت ذاته يضرب المقاومة والمقاتلين في أعنف عملية تصفية بقيادة الجنرال دايتون.
هذه المشاهد جميعها أكدت أن عملية هدم البناء السياسي والشعبي داخل الأمة وفي أقطارها، لم تكن جملة مصادفات التقت في مجرى واحد، ولكنها بالقطع منهج جرى إعماله، وانساق الجميع بإرادتهم إلى تنفيذه.
انتهت خطط وراثة الأنظمة، وأنشأ المثقفون العرب، مؤتمرات تحت مسميات قوميه وإسلامية، والأسماء تحتوي علي كلمة "الحوار"، الكلام، وهي مؤتمرات يسمع المثقفون العرب فيها أنفسهم، ولو بحثت عن الأعضاء لوجدت الأسماء تتكرر في كافة المؤتمرات، وأصبحت هذه المؤتمرات مصدرا للبيانات، وليست معهدا لإنتاج كوادر سياسية مناضلة.
لدى الإسرائيليين حائط مبكى واحد، سرقوه من المسجد الأقصى تمهيدا للاستيلاء على كل المسجد، وأنشأ العرب لأنفسهم عشرات حوائط البكاء، في كل الأقطار، وحول كل القضايا، وتفرغوا للطم وشق الصدور، وقرروا الخروج من التاريخ، وفرطوا في الأرض، من العراق إلى الجولان إلى السودان إلى سيناء.
غياب المؤسسات السياسية، وغياب حالة الاستنفار بالمقاومة وغياب الفلسطينيين، وقد أنهت أمريكا دورها في الجنوب واستدارت الآن إلى دارفور، ولن يستطيع العرب مواجهة العدو، وغياب لغة محددة وواضحة تعبر عن الرؤية العربية دون نفاق الغرب باستخدام أدبياته، كل ذلك أصاب الإرادة العربية بحالة سيولة وأفقدها قوامها، وصارت قدرة الفعل العربية حديثا من أحاديث الذكريات.
حالة البشير في السودان وأبو مازن في رام الله، تدعو إلى الرثاء أكثر منها دعوة للإدانة. البشير يعرض على الجنوب حصة الشمال في البترول، مقابل خيار عدم الانفصال، والجنوبيون يرفضون ويقولون العرض جاء متأخرا، ولكن أعرض نفس العرض في أبييه، أي تنازل عن جزء آخر، ويخرج المتحدثون باسم المؤتمر الوطني يقولون ما قاله البشير عن الواقعية، إن الانفصال هو الاحتمال الأرجح. وأبو مازن يهرع إلى لجنة المتابعة يسألها ماذا يفعل، بعد الصفعة التي وجهها نتنياهو إلى أوباما، ورفضه إيقاف الاستيطان لـ 90 يوما مقابل 20 طائرة إف 35، وكأن لسان حاله يقول سأحصل على الطائرات من دون مقابل، وإسرائيل لن تتنازل عما في يديها من أرض، فماذا يمكن أن يفعل مجلس الأمن أو العرب لأبي مازن؟ الإجابة لا شيء.
لا يستطيع أحد أن يدين البشير وأبو مازن، فأي منهما لم يظهر في المسرح السياسي فجأة، بل كل مراحل الانهيار تمت أمام كل العرب بل وشاركوا فيها وكذلك جامعة الحكومات العربية، ومن يدين واجب عليه أن يعرض البديل خلال اللحظات الباقية، وهذا أمر يفوق قدرة خدمة "سليمان" من الجن.
يكاد يكون الأفق يحمل للأمة العربية بديلا واحدا هو الحرب الأهلية، ليس فقط في السودان وفلسطين، ولكن في كل القضايا المطروحة، حتى وإن بان للعيان أن هناك إشارات للانفراج، فالحقيقة أن شدة التناقض والتباين في الخيارات تجاه القضايا العربية، حشدت الشعوب في جانب، وكافة مؤسسات السلطة في الجانب الآخر. وصار الأمر جملة من العلاقات المشوهة، تربط كافة الأطراف، وكأن هناك إدارة خفية توجه العلاقات، وكل النتائج تؤدي إلى تفتيت المنطقة إلى شظايا.
محمود عباس لن يستطيع أن ينال شيئا، وهو غير مرشح لإتمام الوحدة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية، لأن خياراته تتناقض كليا مع خيارات باقي الفصائل، ولن يستطيع العرب أن يقدموا جديدا يغير موازين القوى، والأمر مرشح لحرب أهلية بين القوى الفلسطينية.
والبشير غير قادر أن يحمي السودان ويمنع الانفصال برشوة مالية في اللحظات الأخيرة، وتكاد تكون رائحة الدم تزكم الأنوف في السودان، وقد أنهت أمريكا دورها في الجنوب واستدارت الآن إلى دارفور، والأمر كذلك مرشح لحرب أهلية إن لم تكن بين الشمال والجنوب فإنها ستكون بين شمال وشمال، لأن انفصال الجنوب سيترك آثاره الجانبية على متخذ القرار في الشمال.
وإن تركنا هذا ونظرنا إلى الوضع الداخلي في مصر في أعقاب الانتخابات، لا يجوز أن نقول إن هناك انسدادا، ولكن المتابع لحال الأحزاب والنخبة، يجد حالة من عدم وضوح الإرادة، سيولة، كل من يعن له أن يفعل شيئا يفعله، وكل ما يجري بعيدا عن احتياج الجماهير، وانطلق قطار القرارات الهادمة لمجتمع الشعب بداية من التأمين الصحي، وهو أمر يهدد بصدامات لا رادع لها خاصة أن القانون قد غاب، وأهدرت الأحكام القضائية، ولم يعد من سبيل سوى القوة بمعناها البدائي. وأعلن الرئيس المصري أمام المجلس المنتخب مقولة جديدة مفادها "كلنا كنا فقراء"، ووجب على الشعب أن يجد سبيله للانضمام إلى حزب "كنا فقراء"، وأيضا لم يعد من سبيل سوى القوة بمعناها البدائي.
بدأت الحرب الأهلية في مصر داخل الأحزاب، وحزبي التجمع والناصري على وشك الانفجار، والخاسرون في الانتخابات يقفزون فوق الأسباب، ومهام التغيير بإعلان البرلمان الموازي، هم مع أنفسهم، والشعب يرصدهم مع الحزب الحاكم في ذات الخندق، ويدفعون جميعهم الشعب ليتولى أمره بيده، فالأحزاب والجماعات والجمعيات جميعها، مسميات والمضمون ذاتي ولا علاقة له بالمجتمع.
هل لنا أن نساعد في نشوب حرب أهلية عربية عربية؟ هل هذا هو الحل؟ ليمسك من يبقى من العرب بالأمر وتنتهي معادلة اللا سلم واللا حرب، والتي صارت اللا مقاومة واللا دولة، ليس في فلسطين وحدها، ولكن باتساع الخريطة.
هل هناك من يملك تأسيس حركة عربية قادرة على تجاوز عجز الأحزاب؟ أم أن القدر يفرض العودة لنقطة بداية جديدة في الظلام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1671
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1128
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1122
| 21 مايو 2026