رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثيراً ما نقول "إحنا آخر الزمن أو باين القيامة حتقوم" لماذا نردد هذه العبارات؟ بالتأكيد نقولها من هول ما نرى من اهتراءات في علاقات الناس، ومن تفشى الغش والكذب لاستحلال الحرام، ولأننا نرى بأم أعيننا ما لا تصدقه عقولنا، وقد قوبل النبل بالخسة، والمعروف بالنكران، والطيبة باللؤم، والشهامة بانعدام النخوة، والإيثار بالأنانية، والمحبة الصافية الضافية بسكين غدر يغور، يغوص ذابحا وريد القلب! ولعل أمرَّ من كل ما تقدم آلام صدمة اكتشاف النذالة أو الغدر، أو الإحساس بأنك الطيب الإنسان الذي أُستغل أسوأ استغلال، يعرف هذه الآلام الذي عاش مواقف صادمة كشفت له معادن الناس، وما أكثر الصفيح!
استدعاء كل ما تقدم من أوجاع ألح وهي تتحدث مفزوعة عن صديق عمر زوجها الذي وقع في أزمة بعدما تراكمت عليه الديون وأصبح مخيراً بين الدفع أو الحبس فهرع إليه يطلب نجدته وهو يبكي وينتحب، عز عليه أن يرى صديق عمره على هذه الحالة وهو المستعد دوما من فرط محبته له أن يفديه بكل غال، المهم سحب الرجل المبلغ المطلوب من حسابه وسلمه وهو في غاية الفرح لصديقه الذي نجا من ورطة السجن وفضيحته، لم يأخذ عليه أي ضمان، ولم يطلب منه لا ورقة ولا وصلاً، ولا شيكاً، ولا كمبيالة، ولا حتى شهوداً، خجل الرجل من أن يطلب شيئاً وكيف يطلب ضمانا من صاحب العمر، وعشرة السنين!!
وكرت السنوات ولم يعد الصديق شيئا مما أخذ، وتكررت وعوده، واستقر أخيراً على دفع المبلغ دفعات ليهون السداد، لكن مفاجآت الدنيا العجيبة كانت تحمل ما لم يتخيله الرجل الشهم فقد ضربته سيارة مسرعة وهو يقطع الشارع وذهب لربه دون أن يسترد الدين، المذهل أنه عندما طلبت زوجته الدين من صديقه كان الرد المزلزل (مالوش عندي أي حاجة) ألحت الزوجة في طلب الدين فغير (عشرة العمر) عنوانه، واقفل هواتفه، واختفى، وعجزت الزوجة عن استرداد ريال واحد من الدين وليس لديها من حيلة إلا "حسبنا الله ونعم الوكيل"، قد يقول القارئ معقولة؟ أيوه معقولة، وقد يقول (فيلم هندي) لا مش فيلم هندي إنما هو فعل خسيس متكرر لجبناء لا يعرفون إلا مصالحهم لا يقدرون إخلاصاً، ولا عشرة، ولا طيبة، ولا العيش والملح، أصلهم رديء، بل لا أصل لهم! هذه حكاية من حكايات الألم وبلع مال الناس بخيانة موجعة.
هذه الحكاية واخواتها جعلتني أتأمل كلمة (أمانة) المهانة التي يؤدي اقتلاعها من أي مجتمع إلى كوارث لا قبل للناس بها، وتواردت أشكال من ضياع الأمانة، الطبيب الذي سرق كلية مريض أثناء العملية ليبيعها لغيره، الطبيب الواقف على بوابة الوطن (القومسيون الطبي) في مهمة حماية ناسه من أي خطر، فخان الأمانة ومرر تقارير مرضى يحملون أمراضا معدية أو فتاكة ليحدث كارثة اسمها انتقال العدوى، المتبرع بالدم الذي قدم هديته لينقذ روح مريض ينزف ولم يكن هناك فحص أمين للدم، وبدل أن يتعافى المريض ابتلي بكارثة اسمها الإيدز، طبيب الأسنان الذي استعمل أدواته دون تعقيم لينقل فيروس سي، أو نقص المناعة لمريض مسكين واثق في أمانة طبيب لا أمانة له!
الممرضة التي بدلت المواليد حديثي الولادة عامدة متعمدة وقد قبضت الثمن لتحظى الآملة في صبي هو ابن غيرها لتتغير الأنساب والأحساب (لا مش فيلم هندي) يحدث ما يروع القلب على أرض الواقع، الأخ الذي حملت أخته منه لتلد ابن أخيها في لحظة موت أمانته على عرضه، الأستاذ الذي اغتصب طفلة يدرسها في غفلة من أمها المشغولة التي وثقت به فافترسها وقد ضاعت أمانته، الخادمة التي وضعت للرضيع مخدراً في حليبه لتنعم بجلسة خالية من "زن الصغير" مع صاحبها، صاحب (العبَّارة) الذي لم يعترف بتقرير يقول إن ناقلته متهالكة ولا تصلح لمزيد من الرحلات البحرية فتغافل عن التقرير لتغرق في منتصف الرحلة ويتحول ركابها طعاماً لأسماك البحر، القاضي الذي حكم بالإعدام على بريء بينما القاتل حر.. (بلاوي سودة) تملأ الدنيا، والبطل فيها دائماً (واحد) لا أخلاق له أو واحدة! فلنتحسس اذن أماناتنا فقد تكون مسافرة، أو مهاجرة، أو "طلعت روحها" وتحتاج النقل للمدافن! ويارب سلم.
***
طبقات فوق الهمس
* لا تتألم ولا تندم على طيبتك إذ هناك فرق كبير بين أن تكون كريما وأن تكون لئيماً.
* أروع العلاقات علاقة لا سبب لها، ولا حاجة بعدها، ولا مصلحة متوقعة منها إلا المودة في الله.
* رأيتها وهي تستجوب الخادمة لتعرف ماذا قالت فلانة، وماذا قال فلان كنت أود أن أقول لها لا يقوم بهذا الفعل إنسان محترم.
* إذا ظلم صديقك فقل له ظلمت، وإذا كَذب قل له كذبت، وإذا مال عن الحق لأهواء نفسه قل له ملت، لماذا؟ لأن المؤمن مرآة أخيه.
* للبعض عقارب لا أقارب.. أي والله!!
* سقطت صورتها على الأرض، ولما حَاولْت جمع الزجاج المكسور علني أعيد الصورة إلى ما كانت عليه تعلمت درساً يقول إن ما يكسر لا يجبر!
* عندما تفجع بغدر عزيز من السهل أن تضع يدك على فمك حتى لا تتكلم، ولكن من الصعب جداً أن تضع يدك على قلبك حتى لا تتألم.
* علاقة البشر الإنسانية عندها ارتجاج في المخ يشهد على ذلك تحول الكثير من الأصدقاء إلى أعدقاء!
* قالت: في الضهر كله بيتكلم، وفي الوش بيحضن ويسلم .. ياساتر يارب!
* دائماً ذكِّر كل من تحب بيوم يشيب فيه الولدان إذا رأيتهم مالوا.. أنت مسؤول.
* إذا كان لك في كل درب حبيب يدعو لك بظاهر الغيب من قلب قلبه أو تبالي بحاقد حاسد يدعو عليك !!.. "مشيها" الحاقد يستحق الشفقة لا اللوم.
* أحمد مطر يقول:
يشتمني ويدعي أن سكوتي مُعلنٌ عن ضعفه
يلطمني ويدعي أن فمي قام بلطم كفه
يطعنني ويدعي أن دمي لوث حد سيفه
يا عينه البجحه!
QBC إعلام متخصص يواكب التحولات الاقتصادية
جاء إطلاق المؤسسة القطرية للإعلام، أمس، قناة قطر الاقتصادية QBC، باكورة للقنوات التخصصية في دولة قطر، التي تواكب... اقرأ المزيد
129
| 06 مايو 2026
رحلة بين ما فقدته.. وما أصبحته
في مثل هذا اليوم… لا أعدّ السنوات بقدر ما أستعيد الطريق. أقف بهدوء بين ما كان وما أصبح،... اقرأ المزيد
111
| 06 مايو 2026
البحث عن السكينة.. «العقيدة» الملاذ لمواجهة الألم النفسي؟
في عصر يتسم بالسيولة الرقمية والتسارع المذهل، وجد الإنسان المعاصر نفسه في مواجهة مباشرة مع ضغوط نفسية لم... اقرأ المزيد
138
| 06 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3864
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1521
| 30 أبريل 2026
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
1203
| 06 مايو 2026