رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يتحرك الشعب المصري بخاصية الأمة الجامعة، ولا تصلح حالة الانقسام في دفع الشعب إلى حركة أو تجلي إرادته لتحقيق غاية أو هدف، وقد تكون الخاصية الجامعة شخصا أو حزبا أو هدفا اجتمعت عليه إرادة الشعب بكافة فئاته.
قد يكون نهر النيل وهو مصدر الري والنماء لواديه، هو ذاته الرابط بين فئات الشعب وموحدها، وقد يكون هو الباعث لفكرة توحيد شمال مصر وجنوبها عند الفرعون مينا موحد القطرين، وبالقطع فإن المصدر الثقافي الموحد للشعب هو المعابد وكهنتها، والتي تلقى فيها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام أول دروس المعرفة كما يقول علماء المصريات. وقد يكون كل هذا هو ما حدا بالمصري القديم للبحث في وحدانية الإله الخالق.
وتلك الحالة من الوحدة للأرض والشعب هي ما مكنت يوسف عليه السلام من إدارة اقتصاد الدولة المصرية القديمة والتي اتضح من إدارته لها كما يحدد قصص القرآن الكريم أن إنتاج القمح كان يمكنه أن يحقق فائضا في سبع سنين رخاء يمكنها أن تسد حاجة الشعب في سبع سنين عجاف، ولا يغيب تحمل الشعب قدرا من التضحية بتقليل ما يستهلكون، أو "ربط الحزام" كما اصطلح على تسميته اقتصاديا في الزمن المعاصر، ويقول القرآن الكريم على لسان يوسف عليه السلام:
(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) "سورة يوسف" هكذا عرف المصريون التخطيط وإدارة الموارد ودور الشعب، ولمدة أربعة عشر عاما بكل ما يمكن أن تحتويه من متغيرات، بل وزراعة الأمل في المستقبل بالعام الخامس عشر الذي يغاث فيه الناس وتفيض محاصيلهم عن حاجاتهم المباشرة حتى أنهم يعصرون.
ولم يكن هناك تجاهل للعلم، فالحب في سنبله، ومكان التخزين كما حدده العلماء في الفيوم حيث المناخ الجاف الذي يحمي الحب من التلف، لم يتجاوز العلم وأخذ بالأسباب وتعامل مع حقائق النبات والمناخ والاستهلاك حتى يحقق هدفه بعد أربعة عشر عاما، واحد من دروس إدارة الأزمات كما يطلق عليها الآن، ودرس للحكومات ماذا يعني التخطيط الحيوي للمستقبل، فهو ليس مجرد قرارات صماء ولكنه إرادة شعب وإدارة الدولة مجتمعين، وما كان لهذا التخطيط أن ينجح لولا أن الأمة موحدة وترى الحقائق كاملة.
وعرفت مصر في تاريخها سعي الأمة بطوائفها لتولية محمد علي ولاية مصر في مواجهة المماليك وسلطان الخلافة العثمانية معا، كما عرفت معنى الأمة في ثورة 1919 في مواجهة الاحتلال البريطاني والقصر معا، وما كان لثورة 1952 أن تحقق ما حققته إن ظلت حبيسة الانقسامات الحزبية بثقافة ما قبل يوليو 52 وآلياتها، ولكن اتحاد الأمة كان السبيل حتى 1973 لتحقيق أهداف التحرير وتأميم القناة وبناء السد والتصنيع وفي مواجهة المخاطر الخارجية ونكسة 1967.
وخلال الثمانية عشر يوما الأولى لثورة يناير تجسدت الأمة في حركة الملايين في كل ربوع مصر عندما توحد الهدف وتطور بالإصرار على إزالة النظام وتحت شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية".
وعلى الجانب الآخر أدركت مصر خطر الخندقة على قواتها المسلحة في فترة إعداد الجيش لمعركة التحرير بعد 1967، وكانت حرب الاستنزاف وهي في ذاتها مواجهة استمرت عامين متصلين ويزيد، مع قوات العدو في سيناء، كانت أيضا تحمل في نتائجها علاجا لمرض الخندقة الذي يصيب الجيوش وهي في الحالة الدفاعية على الخطوط الأولى، وكانت حرب الاستنزاف مثل ضخ الدماء في عروق القوات المحاربة، ومن ناحية أخرى كان لهجمات العدو في عمق الوطن أثر عكس ما استهدفه العدو، فقد أدى إلى احتشاد المجتمع خلف هدف التحرير، وكانت محرضا للإصرار على الهدف عندما أدرك الشعب أن صلف العدو وعدوانيته حقيقة تمثلت في جرائمه على الأطفال والعمال العزل وقناطر المياه والمصانع الإنتاجية، استهدف العدو الحياة فوق الأرض، فزاد من إصرار الشعب على الدفاع عنها ولم تخبُ إرادة القتال من أجل التحرير.
وشهدت مصر لونا آخر من الخندقة في أعقاب اغتيال السادات عام 1981، حيث دارت المعركة بين الجماعات الإسلامية المسلحة وبين النظام بعيدا عن الشعب، وتخندق النظام مدافعا عن ذاته، كما أدارت الجماعات الإسلامية معركتها مع النظام خارج الإرادة الشعبية التي يغيب عن ثقافتها العنف المسلح.
حطمت ثورة يناير كل الأسوار وردمت كافة الخنادق وجعلت ميدان المعركة مفتوحا بطول الوطن وعرضه وبإرادة كل فئاته وقواه، فانهار جدار الخوف، وصارت إرادة الشعب الأعزل عاري الصدر أقوى من الآلة الأمنية بكل ما تملك، فهزمتها وتجاوزتها، وأحاط الشعب بأجساده دبابات ومدرعات الجيش فصارت قلاعا حديدية مستأنسة لا تملك أمام الحشد الشعبي المفاجئ للكل غير أن تواكبه وتقبل بوجوده ولو إلى حين.
الاستحواذ في أعقاب نظام ديكتاتوري يؤدي إلى استنساخ ذات نظام الاستبداد تحت مظلة ادعاءات أخرى تحمل شكل المطالب الثورية دون مضمونها.
اتساع المهام وتنوعها، وتصحر الحالة السياسية في مصر، لا يتيح لأحد ادعاء ملكيته كل الحلول للأزمة الوطنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وغير هذا فإن تحقيق سلطة الثورة وسط مخاطر التهديدات والمتغيرات التي تحيط بالوطن من الخارج، وعمق التغييرات الداخلية المطلوبة، كان في حد ذاته يستدعي الارتقاء إلى شرف الثوار ويتطلب حالة من الوحدة الوطنية، كما هي الحالة عندما تتوحد الأمة لمواجهة خطر عدوان خارجي.
هذه ليست رؤية رومانسية، ولكنها طبيعة الأمور إن توحدت الإرادة الوطنية في اتجاه أهداف الثورة وقضايا الشعب موضوعيا، متجاوزة مجرد الانحياز الذاتي إلى رؤى أحزاب أو جماعات أو فئات خاصة وأن حركة الشعب كانت متجاوزة لكل هذا، بعيدة عن وعي أي منهم، وخارج تصوراتهم للتعامل مع النظام، بل إن البعض ترك الشعب في مواجهته للنظام وراح يفاوض ذات النظام على مطالب خاصة به أدنى من إرادة التغيير ومتآمرة عليها.
تميزت ثورة يناير بوضوح قاطع تجاه قضايا الوطن بنداء الاستقلال الذاتي واستعادت الدور المصري داخل الإقليم ومكانة مصر في العالم، والتحرر من التبعية للإرادة الأمريكية، أو القبول بالتدخل الإسرائيلي في القرار الوطني والسيادة الوطنية على الأرض المصرية، وفي قضايا الداخل كان نداء التنمية بكافة أبعاده الاقتصادية والثقافية والاجتماعية واضحا، كانت مصر تريد استعادة عافيتها، ووضع الاقتصاديون سؤالا مهما وحاسما على المحك للاختيارات وضرورة دراستها وعدم الاعتماد على رؤية الفرعون الإله التي أسقطتها الثورة، عن كيف تتحقق العدالة الاجتماعية مع استمرار الحديث عن اقتصاد السوق وفي عالم الصراع الاقتصادي الذي تديره القوى الاقتصادية العظمى وتبدو آثاره جلية في ساحات العالم الثالث وداخل الدول العظمى ذاتها. والمتوقع امتداده لعقدين على الأقل.
وهناك بالأساس قضية الدستور الوطني لمصر الثورة الذي يتضمن كافة الاتجاهات التي يشملها العقد الاجتماعي التوافقي بين كافة قوى المجتمع ولا يتحدث في أمره عنصر سياسي مجرد بل هو حوار بين القوى وممثليها ولا تجوز الإنابة في إقرار مضمونه على الإطلاق مهما كان ادعاء المدعين. وكان التوافق يتطلب حالة من الوحدة الوطنية مهما اختلفت الأفكار والأيديولوجيات وتباينت، وكان ذلك يتطلب امتلاك القدرة على الحوار الوطني بين أطياف المجتمع ولغة واضحة للحوار ليست حمالة أوجه ولا تركن إلى شعارات دينية تصادر الحوار وتكون مدخلا للتكفير والإدانة، ليصير حوار الطرشان بديلا لحوار أبناء الوطن الذين يتشاركون المسؤولية، والمصير الواحد.
ولم يكن للاستحواذ أن يتم دون كل ما سبقه منذ تلاقت رغبات وأداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة مع جماعة الإخوان والتيارات الدينية والذي قلب وجه الثورة من ثورة وطنية اجتماعية إلى استبدال نظام دكتاتورية مبارك بدكتاتورية دينية دون أي مبرر في الواقع، ولم تخرج القرارات الأخيرة بتغيير القيادات العسكرية عن السيناريو المرسوم مسبقا لإجهاض الثورة وتحويلها إلى حادثة طريق، ينشغل الشعب بجمع الأشلاء بعدها ويعود النظام القديم بتكوينات بديلة وبذات مضمون الاستبداد والانفراد بالسلطة.
وتمادى الاستحواذ إلى الانقلاب التمهيدي السابق على الدستور يشمل الصحافة والقضاء.
والخطر الذي تمثل في الاستحواذ على الصحافة المملوكة للشعب، ليس مجرد تغيير رؤساء التحرير ومنهم من عادى الثورة بالأساس، ولكن تمثل الخطر برقابة جديدة على الكتابات لتمنع مقالات تتعرض لجماعة الإخوان وأعيدت لعبة الحزب الوطني المنحل بجماعات من المحامين تتقدم ببلاغات أمام النيابة لتحقق مع رؤساء تحرير ثلاث صحف مستقلة، بينما الإشاعات تتزايد بالاتجاه إلى دفع النائب العام للاستقالة، سواء بسبب مرضه أو بإعلان تشريعي يحدد السن بما يتيح إقالته.
ويتواكب مع هذا الانقلاب اتجاه في مجلس الدولة بتأجيل القضايا الخاصة بدستورية مجلس الشورى والجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وهو التأجيل الذي يتيح لهم استكمال الانقلاب ووضع الدستور خارج الإرادة الشعبية وبعيدا عن التوافق الوطني، وكأن لعبة التأجيل تسهم في اغتيال إرادة الثورة، والتي ليست بالقطع إرادة جماعة الإخوان أو المجلس العسكري الذي اندمج معها في سلطة واحدة بعد التغييرات الأخيرة في قيادات الجيش، والتي تتبارى فرق الإشاعات من عناصر الإخوان على التدليل بأن ولاء القيادات العسكرية الجديدة لصالح جماعة الإخوان، وذلك على حساب الإرادة الشعبية ومطالبها، وصار تحالفهما خندقة أصابت اندماجهما في مواجهة الإرادة الشعبية.
ويتربص الانقلاب التمهيدي بمؤسسة القضاء، وفي ذات الوقت تتزايد الريبة فيما يستهدفه تيار استقلال القضاء ومواقفه الحالية تتماهى مع مواقف الجماعة، خاصة تجاه المحكمة الدستورية العليا والتي تمثل العائق الرئيس أمام استكمال استحواذ الإخوان على السلطة المطلقة خاصة بعد موقفها برفض قرار الرئيس المنتخب بعودة مجلس الشعب للانعقاد رغم حكم المحكمة بعدم دستوريته، ولا يتورع عناصر الإخوان ووزير العدل الجديد والذي كان واحدا من أعمدة تيار الاستقلال، على مهاجمة المحكمة الدستورية وعناصرها خاصة المستشارة تهاني الجبالي التي كانت لها مواجهات من قبل مع الرئيس المنتخب عندما كان رئيسا لحزب الحرية والعدالة في اجتماع مشترك مع المجلس العسكري.
ناهيك عن دستور تجري صياغاته الانقلابية ضد قوى المجتمع الإنتاجية دون وضع بدائل تضمن لهذه القوى حقها في الحياة على أرض وطنها، وبعد أن اغتالها النظام السابق بهدم اتحادات الفلاحين وجمعياتهم الزراعية وانقلابه على قانون الإصلاح الزراعي، فضلا عن تسريح العمال من المصانع تحت عنوان المعاش المبكر وأصبح الشارع المصري مليء بالعاطلين والمحالين للمعاش المبكر الذين أهدرت طاقاتهم الإنتاجية خلال برنامج الخصخصة، يجري الآن وبنصوص دستورية يضعها من لا ينتمون إليهم وبدون وجود ممثلين حقيقيين لهم تنحيتهم عن سلطة التشريع في وطن يمثلون فيه القوة الرئيسة للإنتاج، اغتيال جديد لنتائج تحققت للمواطنين في قاع المجتمع بادعاء الديمقراطية ورفض المحاصة في التمثيل النيابي بينما هم يسعون لتمثيل الأحزاب بغير قدر وجودهم في المجتمع.
إن جملة ما يجري يفتح الباب على مصراعيه لنقيض الوحدة الوطنية التي يحتاجها الوطن في هذه اللحظة، ووقائع ما يجري فوق أرض سيناء تمثل قمة التردي للتحالف الذي استحوذ على مقدرات الأمور في القاهرة، بخطاب سياسي باهت، لغو قول بعباءة الدين، ومواجهة دامية بين الجيش وجماعات تحاول إعلان سيناء إمارة إسلامية، بينما سيناء هدف لمخططات صهيونية وفق مشاريع تبادل الأراضي.
فتنة جديدة قد تتطور إلى مواجهات دامية، بين دعوة يوم 24 أغسطس ضد جماعة الإخوان وشرعية وجودها، وفتوى من شيخ بإهدار دم كل من يخرج يومها، ووعيد أمني يذكرنا بالعادلي، وتربص باحتجاجات المواطنين.
الاحتقان يتزايد دون متنفس يحول بين تزايد الضغط إلى حد الانفجار، وتمادي في لغة الاستحواذ وممارساته، وليس من حل غير تعديل ميزان القوى داخل المجتمع، ولعل هذا يكون محل حديث قادم.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
886
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
649
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
552
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1116
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
618
| 12 أكتوبر 2026