رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مشروع " عشرة خراف لكل متزوج قطري " هي فكرة وردت في بالي وأنا أتابع الأرقام المخيفة التي تتحدث عن العنوسة وتفاقم ظاهرة الطلاق داخل المجتمع القطري لأسباب عديدة منها ارتفاع تكاليف الزواج والضائقة المالية التي يمر بها الكثير من الشباب القطري الذي يواجه الكثير من العقبات والتحديات المعاصرة ؛ والتي تتعلق بالجانب المالي في المقام الأول ، وهذا الشيء يتطلب تكاتف الجهود للقضاء على أسعار الزواج المكلفة ، ومن الحلول لتيسير زواج الشباب القطري ومد يد العون لهم في حثهم على الزواج طرح فكرة هذا المشروع الخيري لتسهيل أمور زواجهم ليعيشوا عيشة السعداء ، وهي فكرة قابلة للنقاش على مائدة الجمعيات الخيرية القطرية من باب المسئولية الاجتماعية . مع دعوة رجال الأعمال وأهل الخير في قطر لمساندة هذا المشروع وتمويله في بداية انطلاقته الأولى.
منذ فترة وأنا افكر في الكتابة حول هذا المشروع الخيري والإنساني في نفس الوقت ، لكون الجمعيات الخيرية أصبحت تمتلك من الأموال ما يؤهلها للعب هذا الدور الريادي في هذا التوقيت لخدمة الشباب القطري ؛ تخفيفاً عليه من الناحية المادية وتيسيراً لزواج الفتيان والفتيات، من أجل الاستقرار الأمثل للأسرة القطرية التي تواجه الكثير من الصعوبات عند البدء في مشروع الزواج.
** الجمعيات الخيرية منظمات تنموية
أعجبني شعار جمعية قطر الخيرية القائل : " نسعى لعالم يملأه الأمل ويخلو من الفقر ويعيش فيه الناس بكرامة " . وانطلاقا من هذا المبدأ والهدف يتطلب من جميع الجمعيات الخيرية في دولة قطر تبني مثل هذا الشعار الهادف إلى بناء استراتيجية بعيدة المدى لكل المجتمعات سواء كان ذلك على الصعيد المحلي أو الخارجي.
وتهدف أيضا إلى..
إعداد الخطة الاستراتيجية وفق منهجية أخذت في اعتباراتها : التطور التاريخي لعمل الجمعية ، ورسالتها ورؤيتها الجديدة ، والمجالات الاستراتيجية ، والمجال الجغرافي للعمل الخيري ، آخذة في حسبانها نقاط القوة ونقاط الضعف ، إضافة إلى الفرص والتهديدات التي تحيط بالجمعية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية ، كل ذلك بما يتفق مع رؤية قطر 2013 . إن هويتها الجديدة وخطتها الخمسية الاستراتيجية وأهدافها العامة تعبر عن استشراف عملها خلال الفترة القادمة بما يتيح لها الانطلاق بخطوات ثابتة ، واثقة وهادفة إلى الريادة في عملها التنموي والإنساني نحو حياة كريمة للفئات الأكثر احتياجاً وفق ضوابط وأسس وأنظمة متطورة وبكفاءات فاعلة ومن خلال بناء تنظيمي قوي وفق فلسفة إدارية حديثة تتبنى المعايير الدولية في نظم الإدارة ووفق منهجية مؤسسية.
** زواج الشباب يحتاج الدعم
دائما ما يتمنى الشباب القطري الإقدام على الزواج ولكنه يصطدم بتكاليف الإعداد لهذا الزواج ومبالغه الباهظة التي لا ترحم ، ومن هنا فان دعم الجمعيات الخيرية لهم يحل الجزء الأكبر من المشكلة التي تحتاج الى هذا الدعم كجزء من مسئوليتها الاجتماعية التي تلقى على عاتقها في مجال خدمة المجتمع تسهيلا لأمور الشباب المالية.
وقد وفرت الدولة للمتزوج وبالمجان " مساعدة زواج " ، كما تدفع أيضا لكل متزوج قطري " سلفة زواج " وهي تخصم من الراتب الشهري بدون فوائد ، إلا أن ذلك لا يكفي لتغطية مصاريف الاحتفال بالزواج خاصة ما يتعلق بإقامة الولائم وحجز قاعة الزواج للنساء وهي تكلف مبلغاً ضخماً يفوق طاقة المتزوج في هذه الأيام ويجعله يعيش في حالة مع الديون التي لا تنتهي ، فيظل في دوامة قد تطول فترتها من خلال الاقتراض من البنوك في غالب الأحيان.
** قاعات الاحتفالات كانت البداية
سبق وان قامت " جمعية قطر الخيرية " بمشروع مشابه لهذه الفكرة يقوم على توفير قاعات الزواج للمتزوجين من الشباب وقد لاقت رواجا كبيرا في تلك الفترة ، ثم قامت الدولة بتطبيق الفكرة على أرض الواقع اليوم ونجحت بشكل لافت للنظر ، لأنها توفر الكثير من المبالغ على المقدمين على الزواج ، وهي خطوة مباركة تسجل لدولتنا الحبيبة في الوقوف مع ابنائها في هذا المشروع الوطني الهادف الذي سعى من خلاله سمو أمير البلاد المفدى – حفظه الله – لأن يكون بأسعار رمزية تؤدي إلى تخفيف أعباء الزواج وتقليلها إلى نسبة لا تكاد تحسب أو تعد عند حجز قاعة الزواج.
** كيفية تفعيل هذا المشروع
لابد من اتباع بعض الخطوات المهمة للتعامل مع انجاح هذا المشروع الخيري والوطني في نفس الوقت ، من خلال الالتحاق بقطار الزواج الذي يبحث عنه كل الشباب القطري ، ويسهل مهمتهم في توفير المصروفات الباهظة التي لا حدود لها وتحتاج منا إلى العمل على تخفيف هذه الأعباء المالية . ولعل أولى الخطوات تكمن في دراسة حالة كل متزوج ، وهل يستحق هذه المنحة ؟ وهل دخله الشهري لا يغطي تكاليف زواجه أم لا ؟.
كذلك فان المقترح يكمن في تعاون شركة أودام الغذائية "مواشي سابقا " مع " الجمعيات الخيرية " من خلال عقد اتفاقية شراكة بخصوص " العشرة خراف " المقدمة لكل شاب قطري مقدم على الزواج ؛ على أن يكون سعرها مخفضا وليس بسعر السوق المتداول بين الناس ، فمثلا نجد " الخراف السورية " هي الأغلى ثمنا وهي المفضلة عند الكثير من الأسر القطرية سواء في وقت الزواج أو في الولائم العادية طوال العام ، ومن هنا فان تحديد أسعار هذه الخراف ومنحها كهبة للمتزوجين الشباب يجب ان يكون مدروسا لتحقيق هذه الأمنية ، فيستفيد من هذا السعر المخفض الجمعيات من ناحية عملها الخيري ، والمتزوج من ناحية أخرى.
ويمكن أن يكون طرح فكرة " مشروع العشرة خراف " في بدايتها للمتزوجين الشباب على شكل " كوبونات " تمنحها الجمعيات الخيرية بتخفيض يبلغ 50 % أو 75 % كمبادرة مجتمعية أولية للمشروع ، ومن ثم ينتهي الى طرحه بشكله المخفض الى نسبة 100 % وهي خطوة متسلسلة وصولا الى أرخص الأسعار ، وهذا سيسهم بكل تأكيد في تخفيض تكاليف إقامة ولائم الزواج للمواطنين القطريين بشكل خاص.
** رأي حول القضية
تقول إحدى القطريات الغيورات على بلدها وشبابها:
في البداية لابد من وجود قاعات للزفاف في كل منطقة تخدم ما حولها من الراغبين بالزوجات لانه لا توجد حجوزات على القاعات التي جهزت ، ثم لابد من تحديد المهور وتقليل البذخ في حفلات الزواج لأنها تكمن من منظومة المعاصي والاسراف. أما دور الجمعيات الخيرية في مساعدة الشباب بالزواج فيكمن في شكل خاص من يعانون من الديون التي اقترضوها لمساعدة والديهم بسيارة أو علاج وما شابه ذلك . وهذه تأتي من ضمن الاعانة على الحلال وحثهم على عدم النظر للحرام أو الزواج من غير بنات البلد وهو ما يتسبب في ضياع القيم والهوية القطرية (الذكور والاناث معا) !! . فالمجتمع دائما ما ينادي بالزواج من نفس المجتمع وهذه سمة من سمات مجتمعنا العربي الأصيل والمحافظة عليها.
** كلمة أخيرة :
هذا المشروع الخيري يجب أن تتبناه جمعياتنا الخيرية في قطر من خلال وقفة وتعاون مثمر لتشجيع الزواج مساهمة منها في مكافحة العنوسة كجزء من مسئولياتها في خدمة المجتمع مع توجيه أموالها الى الداخل قبل توجيهها إلى الخارج.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31071
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17661
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4440
| 15 يونيو 2026