رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

273

د. عبد الله النعمة

كنوزنا المتقاعدة.. كيف يداوي الأجداد جرح الهوية في مدارسنا؟

21 يناير 2026 , 02:44ص

لا يختلف اثنان على أننا في دول الخليج نسعى بشغف لنمنح أبناءنا أفضل تعليم ممكن. ولهذا، أصبحت المدارس الأجنبية، بأنظمتها التعليمية ذات الكفاءة العالية، خيارًا للكثيرين ممن يقدرون على تكلفتها، ولا بأس في ذلك أبدًا. حين أرى أبناءنا في هذه الصروح، يتسابقون في التعلم ويمارسون الأنشطة بحيوية، يغمرني شعور بالفخر.

ولكن، وبكل صدق، يتسلل إلى هذا الفخر شعور آخر بالقلق، شعور دفين بوجود غربة ما. أشعر بأن هذا الجيل يكبر وتتسع الفجوة بيني وبينه يومًا بعد يوم. فالتعليم، كما نعلم، ليس مجرد تلقين للمعلومات؛ إنه وعاءٌ ثقافي كامل. واللغة التي يتعلم بها أبناؤنا، والقصص التي يقرأونها، والتاريخ الذي يدرسونه، كلها تشكل وجدانهم وتصنع هويتهم. وهنا تحديدًا يتبدى التحدي الأكبر في تعزيز الهوية الثقافية في المدارس الخليجية دون أن يكون ذلك على حساب جودة التعليم أو الانفتاح على العالم.

ولكن، بدلًا من اللطم والبكاء على ما قد نفقد، ماذا لو بحثنا عن بلسمٍ شافٍ في قلب مجتمعاتنا؟ ماذا لو نظرنا إلى كنز مهمل، قادر على تضميد هذا الجرح، نسبيا، بحكمته وحنانه؟

تمتلئ مدننا وعواصمنا الخليجية، والحمد لله، بثروة حقيقية لا تقدر بثمن: جيل الآباء والأجداد الذين أنهوا مسيرتهم الوظيفية وآلت بهم الظروف إلى «التقاعد». هؤلاء ليسوا مجرد كبار في السن، بل هم «مكتبات حية» تمشي على الأرض. هم أهل حكمة وخبرة، وأصحاب هوية أصيلة لم تتلوث بضجيج العولمة. يمكن أن يكونوا ركيزة صلبة في مشروع تعزيز الهوية الثقافية في المدارس الخليجية.

الكثير منهم يجلس اليوم في بيته، يحمل في قلبه نفس الحزن الذي يحزنني، ويشاركونني ذات القلق على مستقبل ثقافتنا. هم يمتلكون القصة، والخبرة، والوقت، والأهم من ذلك، يمتلكون الحب الصادق والرغبة في العطاء.

وهنا تكمن فكرتي المتواضعة، وهي دعوة صادقة أوجهها إلى ملاك المدارس الأجنبية والخاصة، ولا أزايد على حبهم لوطنهم وثقافتهم فهم من وجهاء مجتمعاتنا. الدعوة هي: افتحوا أبواب مدارسكم لكنوزنا المتقاعدة. واجعلوهم جزءًا حيًا من منظومة تعزيز الهوية الثقافية في المدارس الخليجية.

لنتخيل معًا إنشاء برنامج منظم اسمه «مجلس الأجداد» أو «جسور الأجيال». برنامج يتم من خلاله دعوة هؤلاء الكبار، بطريقة منظمة ومُكرّمة، ليحضروا إلى المدارس بشكل دوري. لا ليلقوا محاضرات، بل ليجلسوا مع الأبناء والطلبة في حلقات دافئة، ويحكوا لهم عن هويتهم بطريقة تحببهم إليها.

• يحكون لهم عن حياة البحر والصحراء قبل النفط.

• يشرحون لهم معنى «السنع» وآداب الضيافة.

• يروون لهم القصص والأمثال الشعبية التي تختزل حكمة السنين.

• يعلمونهم ألعابًا قديمة، ويجيبون عن أسئلتهم بعفوية وحب.

إن هذا اللقاء المباشر يفعل ما لا تستطيعه آلاف الكتب والمناهج. إنه ينقل الثقافة من كونها «معلومة» مجردة إلى «تجربة حية» دافئة.

إن هذا المشروع ليس مجرد نشاط ثقافي، بل هو مشروع «تنموي» بامتياز، يحقق مكاسب لجميع الأطراف

إنها دعوة لنعيد لكبارنا دورهم الطبيعي كحكماء للأمة ومعلمين لأجيالها. دعوتنا هي أن نستخدم بلسم الحكمة والحنان الذي يملكونه، لنضمد به جرح الهوية في قلوب أبنائنا، ولنبني جيلًا قوي الجذور، واثق الهوية، وقادرًا في نفس الوقت على التحليق في آفاق العالمية.

مساحة إعلانية