رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خلال الأيام القليلة الماضية، تتابعت الأحداث بشكل متسارع وتراكمت وكأنها تضع خاتمة للعام المنصرم وما حمله للعالم من تحولات وتغيرات و"مآسٍ"، وأكثر ما أثار الرأي العام العالمي خلال الأيام الماضية، قضية منع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية "السابق" دونالد ترامب من التغريد وإيقاف حسابه الشخصي بشكل نهائي من على منصة تويتر الشهيرة، تبعتها مواقع وسائل التواصل الاجتماعي التي قامت هي الأخرى بوقف حسابات ترامب ومنعه من مخاطبة جمهوره عبرها.
أعادت تلك الأحداث إلى ذاكرتي تفاصيل رواية شهيرة قرأتها منذ زمن للكاتب جورج أورويل نشرت عام 1949، وكانت تحمل اسم" 1948"، وتصور تلك الرواية دولة "إيرستريب" المتخيلة التي يحكمها "الأخ الكبير" ويسودها الفساد والقمع وتزوير الحقائق في إسقاط على انتشار الاشتراكية وتمكنها من مفاصل العالم. بطل الرواية هو "وينستون سميث" موظف في وزارة "الحقيقة" وأحد أعضاء الحزب الحاكم، تتلخص وظيفة سميث في تغيير الحقائق وتمجيد الأشخاص أو"محوهم" من الواقع وإعادة صياغة المقالات القديمة التي سبق نشرها لتتوافق مع الحالة الراهنة لبلاده التي تخوض حروباً لا تهدأ مع جيرانها، مسترشدة بشعارها" الحرب هي السلام، والحرية هي العبودية، والجهل هو القوة". وتصور الرواية الحزب الحاكم وهو يقوم بمراقبة المواطنين على الدوام وطوال الوقت عبر ميكروفونات مخفية مثبتة في كل منزل، ويخاطبهم عبر شاشات مثبته في جدران منازلهم لا يمكن إطفاؤها، حيث يقوم الحزب عبرها ببث الدعاية الحزبية والإعلانات المهمة، ويهدد المتذمرين من النظام ويرصدهم.
استرجعت تلك الصورة التي أبرزتها الرواية بحبكة جميلة، وقارنتها بالسطوة والقوة والسلطة التي تمتلكها وسائل التواصل الاجتماعي في وقتنا الراهن وعلى رأسها "تويتر"، والقدرة الكبيرة لدى تلك الوسائل في التأثير على الرأي العام وتوجيه مساره، وكيف استطاعت تلك المواقع من إخفاء شخص بحجم رئيس أقوى دولة من على الوجود "الافتراضي"، والمفارقة هنا أن رواية "1948" تصور نهاية العالم في ظل حكم اشتراكي متخيل في حين أن عالم اليوم المشابه إلى حد ما لأحداث تلك الرواية هو عالم أفرزته الرأسمالية والحرية والانفتاح، وتساءلت هنا "من سيحكم عالم المستقبل؟".
تفسر نظرية صراع الطبقات الاجتماعية للفيلسوف كارل ماركس أسس التوترات والصراعات في مجتمع منقسم إلى طبقات، ويرى ماركس أن صراع الطبقات هو المحرك الرئيس للتغيرات الاجتماعية في سياق التاريخ، حيث يتولد عن هذا الصراع طبقات جديدة تتصارع هي الأخرى فيما بينها في حركة مستمرة، وبحسب النظرية الماركسية فإن الصراع بين الطبقات لا يقضي على تناقضاتها بل يعيد تشكيلها.
في العالم الرأسمالي الحديث تمثل البرجوازية رأس الهرم في السلطة، في حين تقع طبقة "البروليتاريا" أو الطبقة العاملة على الجانب الآخر من الصراع، وفي الوقت الذي استطاع رجل أعمال وهو ترامب أن يحكم أقوى دولة في العالم، لم يكن الأمر كذلك على الدوام، فقبل الثورة الفرنسية التي تسلقتها البرجوازية واستفادت منها، كان الحكم في فرنسا حكراً في يد طبقة النبلاء تساندها سلطة الكنيسة، ولم يكن للبرجوازية الناشئة آنذاك أن تصل إلى الحكم لولا الصراع المحتدم بين الطبقات، والسؤال هنا: هل نشهد الآن صراعا بين البرجوازية الكلاسيكية وطبقة جديدة مؤلفة من ملاك شركات التكنولوجيا والمعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي، وهل نحن بصدد تبلور تلك الطبقة من النخب التكنولوجية التي تمتلك مقومات مختلفة ولديها قوة هائلة في عالم جديد تسوده التكنولوجيا وتسيطر عليه تقنية المعلومات؟ ومن يعلم ربما يكون لتلك الطبقة أسس وقواعد مغايرة لما نعرفه، فلا يغني امتلاك رأس المال ليتمكن أي شخص من الولوج إليها أو أن يصبح أحد أباطرتها، بل لابد أن يكون له "مواطنون" واتباع ومريدون، وهو ما تحققه تكنولوجيا المعلومات!.
يمكننا التدليل على هذا الواقع بالنظر إلى شركة "أمازون" التي بدأت كموقع لبيع الكتب على الإنترنت، ثم ما لبثت أن أصبحت أكبر متجر لبيع التجزئة في العالم، تبيع كل شيء وتنافس في أسواق بعيده وتمتلك أساطيل من طائرات الشحن تجوب العالم، أما صاحبها فلا يخفى على أحد إنه ثاني أغنى رجل في العالم! بعد أن نُحي عن المركز الأول الذي تصدره لسنوات، وحتى عندما حورب وأريد ابتزازه، تم هذا الأمر عبر تقنية المعلومات عبر اختراق هاتفه! نعم إنه مستقبل المعلومات والتكنولوجيا.
يدور الحديث منذ مدة طويلة في الأوساط السياسية والاقتصادية، عن أن العالم متوجه نحو تبلور نظام عالمي جديد أو حكومة عالمية موحدة، وبالرغم من اكتساء تلك الفرضية بنظرية المؤامرة، إلا أن تلك الأوساط ترى بأن الخطوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بتأسيس المنظمات الدولية والدخول في تحالفات إقليمية وعالمية واتفاقيات التجارة الحرة، ما هي سوى مقدمة لتحقق تلك الصورة، وبعيداً عن تقييم صحة تلك الفرضية من عدمه، لا يمكننا أن ننكر أن موازين القوى العالمية تغيرت بسبب القفزات التكنولوجية الهائلة، وعلى وجه الخصوص خلال السنوات القليلة الماضية، أما الحروب التي كانت تخاض في أرض المعارك، أصبحت تحسم عبر الطائرات المسيرة التي توجه عن بعد بفضل التكنولوجيا الحديثة، ولم تعد اللياقة البدنية والجسمانية شرطاً لأن تكون طياراً مقاتلاً بارعاً، بل يكفي أن تحسن" اللعب" عن بعد لتحسم الحرب لصالحك، والانتخابات وصناديق الاقتراع أصبحت توجه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحسمها درجة تأثير المرشحين في تلك المواقع.
وجدت دراسة أجرتها شركة "zignal laps " أن الحديث حول تزوير الانتخابات الأمريكية الأخيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، تراجع بنسبة 73% بعد أن قامت تلك المواقع بإيقاف حساب دونالد ترامب من على منصاتها، وتساءل الكاتب Dean Obeidallh في مقال منشور على موقع CNN عما كانت ستؤول إليه الأمور لو أن تلك المواقع منعت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في وقت مبكر من استخدام منصاتها للتشكيك في نزاهة الانتخابات الأمريكية، وهل كان ذلك سيؤثر في آراء الناخبين؟ والأهم من ذلك، هل كان هجوم السادس من يناير على الكونغرس سيقع لو أن تلك الخطوة تم اتخاذها مسبقاً؟
تكشف تلك التساؤلات المشروعة مدى الإمكانية التي وصلت لها تلك المنصات والمواقع وشركات التكنولوجيا، كما أنها تنبئ بالقوة التي ستبلغها مستقبلا، رغم البراءة التي تبدو عليها والأهداف النبيلة التي تعلنها، فقد كشفت الإحصائيات أن عدد مستخدمي منصة تويتر تجاوز عددهم 330 مليون مستخدم، في حين أن 83% من حكام الدول لديهم حساب على تويتر، وخلال العام 2017 تم إنفاق 70 مليون دولار أمريكي على الإعلانات في المنصة نفسها، كما تتجاوز القيمة السوقية لشركة تويتر 36 مليار دولار، فيما تجاوزت قيمة فيسبوك السوقية 70 مليار دولار. أما شركة أمازون فقيمتها تتجاوز الـ280 مليار دولار! وبلا شك فإن تلك الأرقام تفوق قيمة الناتج الإجمالي المحلي لكثير من دول العالم، بل إنها تفوق الناتج الاجمالي المحلي لدول مجتمعة! وإذا ما أخذنا في الاعتبار التأثير الكبير لتلك المواقع والشركات التكنولوجية الذي يفوق تأثير دول عظمى ويزعزع مكانتها، يتبادر إلى الذهن سؤال مهم عن جدوى الحديث عن تسييس تلك المواقع لمنصاتها واقتحامها للمعترك السياسي، ولماذا علينا أن نفترض أن تنأى تلك الشركات العابرة للقارات بنفسها عن السياسة ونظن جازمين أنها ستبقى دوماً على الحياد دون أن تؤثر في العالم وتسوقه إلى ما تريد؟ أليست هي من يقوم برسم السياسات ويرسي قواعدها؟ إن التكنولوجيا الحديثة ستشكل مستقبل العالم بلا شك، وإذا كان الأمر كذلك ألا يعد منطقياً، أن تسعى تلك الشركات لتجيير العالم لصالحها؟ وتشكيله كما تريده أن يكون! وأين موقعنا نحن المستخدمين من الإعراب؟ هل سنستمر في الاعتراض على استخدام بياناتنا واستغلالها، في الوقت الذي تسمع وترى تلك المواقع كل ما نفعل، ثم تقترح علينا المنتجات التي تحدثنا عنها خلسة بيننا وبين أنفسنا، وتبيعنا وتشترينا كسلع في سوق النخاسة التكنولوجي! ألا يكفي أن يقترح عليك موقع فيسبوك أصدقاء الطفولة الغابرة الذين سقطوا من الذاكرة دون أن تفصح عن الخوارزميات المستخدمة في تحديد ذلك الصديق العتيق! أليس من الأجدر بنا أن نتساءل هل ستحكم تلك الشركات العالم؟ وكيف سيكون شكل العالم المحكوم من مواقع التواصل الاجتماعي؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1542
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1317
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026