رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شكّلت القضية الكردية أحد أبرز التحديات التي واجهتها تركيا لعقود طويلة، فالجمهورية التركية الحديثة، التي قامت على قطيعة مع مبدأ الأخوّة الإسلامية السائد في العهد العثماني، حاولت بناء دولة قومية ترتكز على الهوية التركية وحدها، الأمر الذي أدى عملياً إلى تجاهل الهوية الكردية وحتى إنكارها. ومع غياب الديمقراطية الكافية في تلك الفترة، تحولت المسألة الكردية تدريجياً من مشكلة اجتماعية إلى صراع مسلح. وقد أسفر هذا الصراع المستمر لنحو خمسين عاماً عن أكثر من 40 ألف قتيل، إلى جانب خسائر مادية كبيرة، كما استُخدمت ظاهرة الإرهاب في تركيا كأحد مبررات استمرار الوصاية العسكرية على الحياة السياسية. وخلال العشرين عاماً الماضية، أسهمت عمليات الإصلاح الديمقراطي والتنمية في تركيا في التمهيد لمرحلة جديدة، قربت البلاد من إمكانية الوصول إلى حل نهائي للمسألة الكردية.
قبل عام دعا زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشيلي، شريك الرئيس أردوغان في التحالف الحاكم، منظمة PKK إلى التخلي عن السلاح والمساهمة في حلّ القضية الكردية، وقد جاء ردّ زعيمها المعتقل عبدالله أوجلان إيجابياً، لتعلن المنظمة بعدها وقف القتال والانسحاب من تركيا. وخلال السنة الماضية تحقق تقدّم ملحوظ، فيما اعتُبر إعلان الرئيس أردوغان مؤخراً دخول تركيا مرحلة جديدة في معالجة القضية الكردية إشارة قوية لاستكمال العملية السياسية.
رغم استمرار الدعم الأمريكي والأوروبي، وكذلك الإسرائيلي بدرجات مختلفة للـPKK أو قسد، فإن نجاح تركيا في مكافحة الإرهاب بالتوازي مع خطواتها في توسيع الهامش الديمقراطي كان عاملاً أساسياً في الوصول إلى هذا التحوّل. كذلك أدّى تغيّر النظام في سوريا إلى رفض وجود المسلحين خارج الدولة. الحكومة المركزية في العراق وحكومة إقليم كردستان أصبحتا أكثر استعداداً للتعاون مع تركيا أيضا. وكما نعلم، فقد سلّمت الإدارة الأمريكية خلال الثورة السورية السلاح والدعم المالي لقسد، ومنحتها السيطرة على شمال سوريا وشرق الفرات. لكن مع مرور الوقت، تمكنت تركيا عبر عملياتها العسكرية من إبعاد قسد عن معظم مناطق شمال سوريا، ولم يبق في أيديهم سوى منطقة شرق الفرات. كما تراجع الحماس الأمريكي لدعم قسد بشكل واضح.
تُبدي الإدارة الجديدة في سوريا حساسية عالية تجاه مخاطر الانفصال التي ظهرت في البلاد بين العلويين والدروز والأكراد، وهي حريصة على الحفاظ على وحدة البلاد بكل وضوح. ولولا الضغط العسكري والدبلوماسي الذي تمارسه تركيا، لكان تنظيم قسد، المدعوم بأسلحة أمريكية قوية، قد أعلن على الأرجح الاستقلال شرق الفرات. لكن تركيا، من خلال تعزيز تعاونها مع كلٍّ من الولايات المتحدة من جهة، ومع الدول العربية—وخاصة قطر والسعودية ومصر—من جهة أخرى، أسهمت في خلق إجماع إقليمي حول ضرورة صون وحدة الأراضي السورية ومنع تفككها.
يبدو في هذه المرحلة أن إدارة ترامب قد تخلّت عن فكرة تمكين قوات سوريا الديمقراطية من إقامة دولة مستقلة، واتجهت نحو خيار إدماج قسد والأكراد في النظام السوري، وهو ما تشير إليه الزيارة الاستثنائية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة، حيث يُفهم أنها أفضت إلى تفاهمات بهذا الشأن. ورغم أن الزيارة لم تحظَ باحتفاء كبير، فإن سوريا تمكنت من الخروج من عزلتها تدريجياً، واستعادت حضورها الإقليمي والدولي، إذ رُفعت معظم العقوبات المفروضة عليها وانضمت إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش. وبالنظر إلى أن قسد كانت تتلقى الدعم والتسليح تحت ذريعة محاربة التنظيم، فإن هذا التحوّل يُعد تطوراً مهماً يمس الدول الثلاث—تركيا والولايات المتحدة وسوريا—باعتباره سيفرض ترتيبات جديدة على مستقبل الملف الكردي وتوازن القوى في المنطقة.
تسعى تركيا من خلال الجمع بين سياسة الترغيب والردع في آن واحد، وبالتعاون مع العراق وسوريا والولايات المتحدة، إلى إنهاء النشاط المسلح لمنظمة PKK، وفي الوقت نفسه تدعم—وربما تدفع باتجاه—دمج الأكراد في تركيا وسوريا والعراق ضمن النظامين السياسي والاجتماعي في هذه البلدان. وقد بات واضحاً أن تجاوز المشكلات الاقتصادية والسياسية يتم عبر الحوار والديمقراطية والتنمية في تركيا وسوريا. ومن المتوقع أن يمنح هذا الواقع الجديد مزيداً من الحقوق السياسية للأكراد داخل تركيا بما يعزز من قوة حكومته، كما يفتح فرصة حقيقية لترسيخ الأخوّة والتعاون التركي–الكردي–العربي، الأمر الذي من شأنه الإسهام في تحقيق السلام والاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، فإن الصورة النهائية لما يجري تتطلب انتظار أربعة إلى خمسة أسابيع إضافية قبل اتضاحها بالكامل.
الأقصى المحكوم بالإقصاء
من منا يكره أن يحلم ويكون حلمه هادئاً حلواً لا تتخلله كوابيس تقض منامه؟ من منا يكره أن... اقرأ المزيد
27
| 28 يناير 2026
في قاعات الاختبار، ينشغل الجميع بالأسئلة والأجوبة والدرجات، بينما تمر بعض المواقف الصغيرة مرور الكرام، رغم أنها تحمل... اقرأ المزيد
36
| 28 يناير 2026
لماذا نجبر المواهب والكفاءات على الرحيل ؟
تُظهر بعض البيانات المتعلقة بدوران الموظفين ذوي المواهب والجدارات في دول الخليج أن معدلات خروجهم من المؤسسات تتراوح... اقرأ المزيد
36
| 28 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
690
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
672
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» رؤية أخلاقية عميقة تجعل من نفع الإنسان لأخيه الإنسان معيارًا حقيقيًا للقيمة والأثر. ولا يقتصر هذا النفع على الدعم المادي أو المبادرات الظرفية، بل يتجسد بصورة أعمق في الإيمان بقدرات الآخرين، وتمكينهم من أداء أدوارهم بثقة ومسؤولية. إن الإيمان بقدرات الأفراد يمثل أحد أهم أشكال الدعم المستدام، إذ يسهم في بناء شخصية قادرة على العطاء والمبادرة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية. فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يثق بإمكاناته ويقدّر جهوده، يصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وأكثر التزامًا بالمشاركة الإيجابية في خدمة مجتمعه. وتشير التجارب التنموية إلى أن المجتمعات التي تقوم على ثقافة الثقة والدعم المتبادل، تحقق مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي والاستقرار المؤسسي. فالدعم المعنوي، المتمثل في التشجيع، والتقدير، ومنح الفرص العادلة، يعد عنصرًا أساسيًا في إطلاق الطاقات الكامنة، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يمثلون عماد الحاضر وأمل المستقبل. كما أن الإيمان بقدرات الآخرين يسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، ويعزز رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في مساراتها التنموية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإنجازات الفردية المعزولة، بل تقوم على منظومة متكاملة يشعر فيها كل فرد بأن له دورًا مؤثرًا ومسؤولية مشتركة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب مجتمعي يعلي من قيمة الدعم الإنساني القائم على الثقة والتمكين، بوصفه مدخلًا لبناء مجتمعات قادرة على الصمود والتجدد. فالكلمة الإيجابية، والثقة الصادقة، والإيمان بالقدرات، قد تكون في كثير من الأحيان نقطة التحول في مسيرة فرد، وأثرها يمتد ليشمل المجتمع بأسره. ختامًا، يظل نفع الناس للناس هو جوهر الرسالة الإنسانية، وأحد أهم مقومات النهضة المجتمعية. فحين نؤمن بقدرات بعضنا البعض، وندعم مسارات النجاح، نكون قد جسّدنا المعنى الحقيقي للخيرية، وأسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة
627
| 22 يناير 2026