رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان النظام الأساسي المؤقت المعدل لدولة قطر، (الدستور السابق الذي وضع في بداية السبعينيات من القرن الماضي)، يحتوي نصوصاً جميلة تؤكد إيماننا "بأخوة العرب جميعاً" وبأن "الاتحاد بين الدول العربية ضرورة مصيرية"، وأن الدولة سوف "تكرس كل ما يمكن من جهودها لتأييد ذلك الاتحاد والعمل على تحقيقه في أنسب صورة تجمع بينها وبين تلك الدول الشقيقة التي تربطها بها أعمق الروابط جذوراً وأكثرها قوة وأشدها أصالة". (انظر البندين (ب)، و(جـ) من المادة (5) من النظام). هذه النصوص لم يؤكد عليها في الدستور الدائم (الحالي)، لكن هذا الأخير مازال والحمد لله محتفظاً بما جاء في النظام الأساسي، بأن "قطر دولة عربية"، "ولغتها الرسمية هي اللغة العربية" وأن "شعب قطر جزء من الأمة العربية".
ولاشك بأن حلم الاتحاد العربي الذي كان يسود الأجواء العربية في ذلك الزمن وأكدت عليه دساتيرها الصادرة في تلك الفترة لم يتحقق ولم يكن له أن يتحقق بسبب بسيط هو عدم اتحاد حكومة كل دولة عربية داخلياً مع شعبها ابتداءً. فاتحاد هذه الدول يقتضي أن يكون الشعب في كل منها هو صاحب السيادة فيها، وبما أن هذا كان مفقوداً، لذا أصبح حلم من يحكم تلك الدول يختلف عن حلم الشعب العربي، فالحاكم حلمه أن يبقى مسيطراً مستبداً متميزاً متفرداً، والاتحاد العربي لا يُحقق له ذلك ويفقِده مكانته التي سرقها ظلماً باسم الشعب.
وبعيداً عن حلم الاتحاد العربي الذي كان إيماناً راسخاً في القلوب فتزعزع ثم تفتت ثم تبخر شيئاً فشيئاً، فإن "عروبة الدولة" التي هي حقيقة وكانت حقيقة فعلاً، يجب ألا تنسحب من الواقع شيئاً فشيئاً وتتحول إلى حلم تتنهد بذكراها نفوس المواطنين وتدمع قلوبهم لأفولها.
وأرى بأن عروبة الدولة لا يمكن المحافظة عليها إلا إذا أصبحت اللغة العربية هي السائدة في معاملاتنا وتعاقداتنا واجتماعاتنا ومخاطباتنا وكتبنا ومناهجنا وجامعاتنا وشؤوننا العامة، فاللغة العربية التي استوعبت في الماضي علوم اليونان والروم والفرس والهند وكتب علمائها وفلاسفتها تستطيع أن تستوعب اليوم المصطلحات العلمية والفنية والتقنية، واللغة العربية التي أثرت على لغات الشعوب في الماضي فتكلم سكان تلك البلاد بها واتخذتها لغة لها وأحرفاً لكتابتها، غير عاجزة عن مواكبة التطور والعلم والتكنولوجيا.
إذن ما هي المشكلة؟ هل هي ثقافة المنتصر تتطلع إليها نفوس الدول المغلوبة؟ أم هي عقدة الأجنبي في أنفسنا التي تحجب النظر إلى ما عداه؟ أم أن اللغة العربية لم تعد لغة العلم والتطور والحضارة؟ فإن أردنا أن نتقدم، وجب استخدام لغة صالحة للتقدم.
يقول مالك بن نبي على لسان أحد المصلحين: "أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم"، وأقول: أخرج المهانة والذل وتحقير الذات من نفسك تكن قوياً متقدماً مبصراً. فالزعم بأن لغتنا غير صالحة للتقدم ما هو إلا وَهَمْ غُرس في نفوسنا فصدقناه، وإلا ما هو تفسير اعتزاز كل الدول المتقدمة اليوم بلغاتها تستخدمها في مدارسها وشؤونها العامة ومعاملاتها المختلفة، ولم تقف عائقاً دون تقدمها وحضارتها، كما لا يستطيع أحد أن يزعم أن اللغة الإنجليزية هي سبب تقدم هذه الدول.
وليس غائباً عني في هذا المقام أهمية تعلم اللغات للتبادل والاحتكاك الثقافي والحضاري، وليس غائباً عني أيضاً أن اللغة الإنجليزية أصبحت اللغة الأساسية في المعاملات التجارية والمالية، لكن هذه أمور يمكن احتواؤها والتعامل معها بقدرها وضمن حدودها.
ويجب التأكيد هنا على حقيقة مهمة جداً هي: أن اللغة العربية باقية ما بقيت البشرية فهي محفوظة بحفظ الله تعالى للقرآن الكريم الذي أنزله على النبي العربي المبعوث لجميع البشر بجميع أجناسه وأعراقه ولغاته، أنزله "بلسان عربي مبين". فإن كانت هذه حقيقة فلنجعل التاريخ يشهد لنا بأننا عززنا هذه اللغة ولم نضعفها، كما شهد التاريخ من قبل بأن الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان عرب الدواوين بعد أن كانت بالفارسية في العراق واليونانية في مصر والشام، وكما شهد التاريخ للخليفتين الرشيد والمأمون بعد تأسيس بيت الحكمة الذي كان مكتبة ومرصدا لترجمة الكتب من مختلف العلوم كالطب والكيمياء والفلسفة ومن مختلف اللغات إلى اللغة العربية.
وقد تميزت قطر بمناصرتها شعوب الدول العربية ووقوفها بجانبهم ضد الاستبداد، وهي مؤهلة حقاً كي تتميز في نُصرة اللغة العربية. فلتنشئ قطر مؤسسة ضخمة للترجمة ومجمعاً للغة العربية، تكون رؤيتها خلالها واضحة ورسالتها واضحة مبنية على أساس دعم اللغة العربية وجعلها لغة العلوم والمعرفة والتقدم، وتقوم في هذه المؤسسة بترجمة أهم الكتب والأبحاث في مختلف العلوم والآداب والفنون ومن مختلف اللغات إلى اللغة العربية. ولضمان جودة الترجمة وسرعتها ومواكبتها للتطور السريع للعلم والتكنولوجيا، فإن الأمر يقتضي أن تقف الدولة وراءه بقوة، فتصدر هذه الترجمات وتُحَدثها وفقاً لتطورها وتوزعها إلكترونياً وورقياً وتدعم بها المكتبات العامة في مختلف الدول العربية. إن هذا الأمر يجعل قطر منارة للعلم والمعرفة وداعمة حقيقية للغة العربية وسوف يشهد التاريخ أنه تم ذلك لسمو الأمير حمد بن خليفة آل ثاني كما شهد من قبل لعبدالملك بن مروان وهارون الرشيد والمأمون.
أمر آخر سوف يدعم اللغة العربية في دولة قطر العربية هو الاعتماد على العرب الأكفاء. فأمة قوامها نصف مليار ويعيش الكثير من أبنائها كعلماء وأساتذة وباحثين في الدول الغربية لن تعدم أن تمدنا بالنخب ليسدوا الفراغ في المجالات التخصصية المختلفة بدلاً من الاعتماد على الغربيين، فلتكن قطر حاضرة العرب كما كانت بغداد والقاهرة وغيرها حواضر تجذب العلماء والمفكرين إليها فيقيموا فيها ويتركوا للبشرية تراثاً هو أساس التقدم الحضاري في مختلف العلوم اليوم.
كما يمكن لدولة قطر أن تتبنى أفضل المتفوقين علمياً وخلقياً من طلبة الثانوية العامة في مدارس الدول العربية الأخرى الذين تتوافر فيهم شروط الالتحاق في جامعة قطر وجامعات المدينة التعليمية، فتتكفل بمصاريف دراستهم وإقامتهم، وفق خطة مدروسة لدمجهم في المجتمع القطري، وتطبيق المادة (6) من قانون الجنسية القطرية عليهم، التي تجيز لسمو الأمير "منح الطلاب النابغين ذوي القدرات العلمية الواعدة وبناء على مقتضى المصلحة العامة الجنسية القطرية". فإن كانت قطر قليلة في عدد شعبها، "ولا تقوم حضارة دون شعب" فإن عمقها العربي بعيد ومتجذر ويصلح أن يكون أساساً لبناء الحضارة.
وأخيراً، أجد نفسي في غاية السعادة والسرور بسبب مصادفة اليوم الوطني لدولة قطر، اليوم العالمي للغة العربية الذي قررته منظمة الأمم المتحدة ليكون في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، وهو التاريخ الذي صدر فيه قرار الجمعية العامة رقم (3190 (د – 28) في عام 1973 بجعل اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية الست للجمعية وهي العربية والانجليزية والفرنسية والروسية والصينية والإسبانية، وقد جاء في ديباجة هذا القرار "أن الجمعية العامة تدرك ما للغة العربية من دور هام في حفظ ونشر حضارة الإنسان"، فهل هو فأل حسن يكشف لنا دعم قطر للغة العربية؟ نتمنى ذلك.
الحق في الإجازة السنوية
من الدعاوى التي فصل فيها القضاء القطري في السنوات السابقة، دعوى تمثلت وقائعها في أن أحد الأشخاص الذين... اقرأ المزيد
2436
| 26 ديسمبر 2024
بدل صيانة الأثاث
من الدعاوى التي عُرضت على المحاكم القطرية مؤخرًا، دعوى تمثلت وقائعها في أن أحد الموظفين العاملين في مؤسسةٍ... اقرأ المزيد
2352
| 19 ديسمبر 2024
الاستقالة الحكمية وشرط الإنذار المسبق
في إحدى الدعاوى التي فصلت فيها المحاكم القطرية في السنوات الماضية، دعوى تمثلت وقائعها في أن أحد الموظفين... اقرأ المزيد
1788
| 12 ديسمبر 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- أستاذ القانون العام بجامعة قطر
[email protected]
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4902
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2628
| 08 سبتمبر 2026