رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهد عهد فقيد الوطن الكبير الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله تعالى (1995 – 2013)، العديد من الخطوات المهمة والجوهرية في تطوير البنية الدستورية والتشريعية والقضائية في الدولة. ففي عهده صدر أول دستور لدولة قطر اشترك الشعب في إقراره عن طريق الاستفتاء على مشروعه. هذا الدستور قرر مسؤولية الوزارة أمام مجلس الشورى وعزَّز دور مجلس الشورى كسلطة عامة. كما شهد عهده خطوات مهمة في سبيل استقلال السلطة القضائية ونقل الإشراف عليها من وزارة العدل إلى مجلس مستقل يتمثَّل في المجلس الأعلى للقضاء، كما تم توحيد جهتي القضاء الشرعي والعدلي، وإنشاء القضاء الإداري وتقرير القضاء الدستوري، ونقل تحريك الدعوة الجنائية من وزارة الداخلية إلى سلطة مستقلة تتمثَّل في النيابة العامة. هذه الأمور انعكست إيجابًا على تعزيز سيادة القانون وكفالة الحقوق والحريات العامة، وأسهمت في ترسيخ الحكم الرشيد.
فبشأن الدستور، فإن دولة قطر لم تعرف وثيقة دستورية مكتوبة إلا في بداية السبعينيات من القرن العشرين، إذا صدر في عام 1970، أول دستور مُقَنَّن لقطر، وقد ضمت الوثيقة الدستورية موادّ تتعلق بنظام الحكم، وبيَّنت المبادئ الأساسية للدولة وكفلت بعض الحقوق، كما اشتملت على الأحكام المنظِّمة للسلطة التنفيذية ومجلس الشورى، ومع استقلال دولة قطر في 3 سبتمبر 1971 كانت هناك ضرورة لتعديل النظام الأساسي المؤقت ليتناسب مع الأوضاع الجديدة المتمثلة في استقلال الدولة، وتولي الشيخ خليفة مقاليد الحكم في البلاد. لذا أصدر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في 19 أبريل 1972 النظام الأساسي المؤقت المعدل (دستور 1972).
واستمر العمل بالدستور المؤقت حتى تولى سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله مقاليد الحكم، فكان من ضمن أولوياته التي صرح بها وضع دستور دائم للبلاد. وقد بيَّن في خطابه أثناء افتتاح الدور العادي السابع والعشرين لمجلس الشورى في 16 نوفمبر 1998، أنه آن الأوان لتطوير النظام الدستوري بما يتلاءم مع ما شهدته الدولة من تطور في مختلف المجالات.
وفي كلمة له في موقع آخر، طمح الأمير الشيخ حمد أن يلبي الدستور التطلعات والآمال وقطر على أبواب القرن الحادي والعشرين؛ وتحقيقًا لهذا الغرض أصدر القرار الأميري الخاص بتشكيل لجنة إعداد الدستور الدائم للبلاد.
بخلاف النظام الأساسي المؤقت (1970)، والنظام الأساسي المؤقت المعدل (1972)، رأى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله وجوب مشاركة الشعب في إقرار الدستور الدائم من خلال الاستفتاء على مشروعه، ففي 12 يوليو 1999 أصدر القرار الأميري رقم (11) لسنة 1999 بتشكيل لجنة إعداد الدستور الدائم وتعيين اختصاصاتها. وقد أنجزت اللجنة عملها بوضع مشروع الدستور، وفي 2 يوليو 2002 تسلَّم سمو الأمير الوالد الشيخ حمد وثيقة مشروع الدستور الدائم ومذكرته التفسيرية خلال استقباله لأعضاء لجنة إعداد الدستور. وفي يوم 15 أبريل 2003 أصدر مرسومًا، رقم (38) لسنة 2003، يدعو فيه المواطنين للاستفتاء على مشروع الدستور، وقد جاء في ديباجة هذا المرسوم أنه "امتثالًا لقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) وإيمانًا منا بأهمية المشاركة الشعبية في إقرار دستور البلاد والحرص على النهوض بالوطن والعمل على رفعته وسعيًا لمستقبل أفضل للأجيال الحالية والقادمة، رسمنا هذا المرسوم لدعوة المواطنين للاستفتاء على مشروع الدستور، وقد نص المرسوم على أن "يُعتبر مشروع الدستور موافقًا عليه إذا أقرته أغلبية الآراء الصحيحة التي أبديت في الاستفتاء..".
وقد تم الاستفتاء في اليوم المحدد له فعلًا بموافقة 96% ممن له حق التصويت عليه. وبالتالي يُعَدُّ هذا الدستور الذي وضع في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الدستور الأول في دولة قطر الذي تتم مشاركة الشعب القطري في إقراره عن طريق الاستفتاء. وتجسِّد هذه الخطوة البعد التشاركي للحكم الرشيد في بناء المنظومة الدستورية للبلاد عبر إعطاء الحق للمواطنين في المشاركة لإقرار أهم وثيقة مرجعية تبيِّن توزيع السلطات ومجالاتها واختصاصاتها وعلاقاتها في الدولة، وأيضًا علاقات هذه السلطات بالمواطنين.
أما عن التطور التشريعي في عهد فقيد الوطن الكبير فقد شهد عهد سموه "ثورة" تشريعية واضحة للمتتبع لهذا الجانب؛ إذ لم يقتصر الأمر على إصدار الدستور الدائم للدولة فحسب بل صاحب ذلك مراجعة جميع القوانين الكبرى الأساسية التي صدرت فيما سبق، والتي مضى على صدور بعضها قرابة خمسة وثلاثين عامًا كقانون المواد المدنية والتجارية وقانون عقوبات قطر وقانون الإجراءات الجنائية وقانون الوظائف العامة وقانون العمل وقانون الجنسية وقانون الشركات التجارية وقانون إنشاء الجمعيات. فصدرت قوانين جديدة تنظم هذه المجالات؛ إذ كان بعض هذه التشريعات بحاجة إلى مواكبة التطور والتوافق مع المواثيق الدولية المنظمة لمجالها كقانون العمل، وكان في بعضها الآخر قصور واضح في تنظيم العلاقات والمعاملات، كقانون المواد المدنية والتجارية الصادر في عام 1971 الذي جاء في 475 مادة فقط لينظم الموضوعات المدنية والتجارية معًا في تشريعٍ واحد، فأعيد النظر به، فجاء تنظيم هذين الجانبين في تشريعين كبيرين مستقلين عن بعضهما البعض، الأول هو القانون المدني صدر في عام 2004 واشتمل على 1186 مادة، والثاني هو قانون التجارة صدر في 2006 واحتوى على 845 مادة.
ومن جانب آخر صدر العديد من التشريعات والقوانين التي نظمت موضوعات ومجالات لم تُقَنَّن من قبل كقانون بشأن الوزراء (2004) الذي بيَّن الشروط الواجب توفرها في الوزراء وواجباتهم والأعمال المحظورة عليهم، وقانون النيابة العامة الذي أنشأ النيابة العامة كهيئة مستقلة تتولى تحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها أمام المحاكم، وقانون الفصل في المنازعات الإدارية الذي أجاز الطعن في القرارات الإدارية النهائية، والعديد من القوانين كقانون التعليم الإلزامي الذي جعل التعليم مجانيًّا لجميع الأطفال حتى نهاية المرحلة الإعدادية وفَرَض عقابًا على المسؤول عن الطفل الذي يمتنع عن إلحاقه بمرحلة التعليم الإلزامي دون عذر مقبول، وقانون حماية البيئة، وقانون براءة الاختراع وقانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة وقانون حماية المستهلك وغيرها.
ومن الأهمية أن نشير هنا إلى أحد التشريعات المهمة التي صدرت في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وهو قانون الأسرة (2006)، فقبل صدور هذا التشريع لم تكن المنازعات المتعلقة بالأسرة؛ لا سيما منازعات المهر وحقوق الزوجين والنفقات وثبوت نسب المولود والفراق بين الزوجين كالطلاق والخلع والتفريق بحكم القضاء وآثار الطلاق وحضانة الأبناء وغيرها؛ مقننة في تشريع واضح يمكن لأي شخص أن يطلع عليه أو يحيط به علمًا أو يستند إليه في دفاعه أو مخاصمته، بل كان القاضي يرجع للفصل في هذه المنازعات إلى آراء الفقهاء. فكان عدم وجود الأحكام المنظمة للأسرة في تشريع واضح سببًا في قلق المتخاصمين على حقوقهم، مع احتمال تضارب الأحكام في القضية الواحدة تبعًا لاختلاف الاجتهاد الفقهي، لذا حُمد تقنين هذه الأحكام في قانون واحد منشور وفي متناول يد الجميع.
أما بشأن التطور القضائي، فقد شهدت السلطة القضائية في عهد المغفور له الأمير الوالد رحمه الله تعالى عدة خطوات مهمة لتعزيز استقلالها وإبرازها كسلطة مستقلة. كان أهم تلك الخطوات توحيد الجهاز القضائي الذي كان منقسمًا إلى جهتين مستقلتين عن بعضهما البعض، إحداهما تمثِّل القضاء الشرعي وتُمَارَس من خلال المحاكم الشرعية والأخرى تمثِّل مدرسة القانون المدني وتُمَارَس من خلال المحاكم العدلية. وكان بعض جوانب الاختصاص بين الجهتين غير واضحة. وقد كانت المحاكم العدلية في دولة قطر قبل عهد سموه تخضع لإشراف وزير العدل من الناحيتين الإدارية والمالية كما كان الوزير يختص بالنظر في توصيات رئيس المحاكم بشأن المحاكم والقضاة، غير أنه وبصدور قانون السلطة القضائية رقم (10) لسنة 2003، أصبح الإشراف على المحاكم من اختصاص مجلس مستقل هو المجلس الأعلى للقضاء والذي يتألف وفقًا للقانون من رئيس محكمة التمييز وأقدم نواب الرئيس بمحكمة التمييز وأقدم القضاة بمحكمة التمييز ورئيس محكمة الاستئناف وأقدم نواب الرئيس بمحكمة الاستئناف وأقدم القضاة بمحكمة الاستئناف ورئيس المحكمة الابتدائية. وقد نصت المادة (22) من قانون السلطة القضائية على أن يعمل المجلس على تحقيق استقلال القضاء وإبداء الرأي في المسائل المتعلقة بالقضاء وتعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم وندبهم وإعارتهم وإحالتهم إلى التقاعد وفقًا للقانون ودراسة واقتراح التشريعات الخاصة بتطوير الجهاز القضائي.
ومن جانب آخر، عزَّز الدستور الدائم دور السلطة القضائية في مقابل السلطة التنفيذية وذلك بالتأكيد على القضاء الإداري، فمكَّن الشعب من الطعن في القرارات التي تصدر عن السلطة التنفيذية، مما يعزز سيادة القانون في الدولة. وفي خطوة أخرى نحو تعزيز استقلال القضاء أيضًا تم إنشاء النيابة العامة كهيئة مستقلة، فقد كان جهاز الادعاء العام التابع لوزارة الداخلية يتولى جميع إجراءات مباشرة الدعوى الجنائية غير أنه بصدور قانون رقم (10) لسنة 2002 بشأن النيابة العامة تم إلغاء جهاز الادعاء العام وإحلال النيابة العامة محله في جميع اختصاصاته.
تناولنا في هذا المقال باختصار جانبا واحدا من جوانب كثيرة وعديدة مبهرة تميز بها عهد فقيد الوطن الكبير سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. هذا الجانب تعلق بالتطور الدستوري والتشريعي والقضائي في عهده، وهو ما يجعلنا نصف هذا العهد بالتميز.
ففيه وضع أول دستور للدولة يشترك الشعب في إقراره عن طريق الاستفتاء.
وفيه قامت "ثورة" تشريعية هائلة؛ شملت مراجعة جميع القوانين الأساسية الكبرى التي صدرت فيما سبق، والتي مضى على صدور بعضها قرابة خمسة وثلاثين عامًا كقانون المواد المدنية والتجارية وقانون عقوبات قطر وقانون الإجراءات الجنائية وقانون الوظائف العامة وغيرها، فصدرت قوانين جديدة تنظم هذه المجالات. كما تم تقنين مجالات عديدة لم تكن تنظم بتشريع في السابق كقانون الأسرة، وقانون التعليم الإلزامي وقانون حماية البيئة وقانون الفصل في المنازعات الإدارية وغيرها.
وفي عهده وجدنا تطورًا ملحوظًا نحو تعزيز استقلال القضاء، تمثل في نقل الإشراف على المحاكم من وزارة العدل إلى مجلس مستقل يتمثَّل في المجلس الأعلى للقضاء، كما تم توحيد جهتي القضاء الشرعي والعدلي، وتم إنشاء القضاء الإداري، ونقل تحريك الدعوة الجنائية من وزارة الداخلية إلى سلطة مستقلة تتمثَّل في النيابة العامة. جميع هذه الأمور تنعكس بلا شك إيجابًا على تعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء وكفالة الحقوق والحريات العامة، رحم الله فقيد الوطن، وأسكنه الفردوس الأعلى.
الشيخ حمد بن خليفة.. العلامة الفارقة والرقم الصعب
تلقينا ببالغ الحزن والأسى خبر وفاة الأمير الوالد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي يعد... اقرأ المزيد
66
| 17 يوليو 2026
رسالة وفاء لقطر وإرث الأمير الوالد
أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية، الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام عقب وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل... اقرأ المزيد
69
| 17 يوليو 2026
إلى جنات الخلد يا فقيد الوطن
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقى العالم العربي والإسلامي نبأ وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل... اقرأ المزيد
69
| 17 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
5676
| 14 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1761
| 12 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1668
| 11 يوليو 2026