رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
احتضنت الدوحة، الأسبوع الماضي، النسخةَ الثانية لمُلتقى كُتّاب الدراما، وهو حدثٌ ثقافي مهم، في ظل تراجع المستوى والأداء الدرامي في المنطقة العربية! وهو أيضاً فرصة لتبادل الآراء بين الفنانين العرب، حول المشكلات والإشكاليات المتعلقة بموضوع الإبداع الدرامي، في ظل بروز عدة أسئلة حول نوعية الإبداع أو تحديد دور الإبداع، في ظل التجاذبات بين قضية حرية التعبير الفني، وبين قيم المجتمع، ودور الرقابة في الحدّ من الإبداع.
وعلى مدى يومين، تداول كُتّاب الدراما قضايا الدراما العربية، على محك التصورات الكبرى، وجماليات السرد، والحاضر والغائب من التصورات الكبرى في الدراما العربية، وأيضاً دراما الواقع ودراما الشاشة، وتنميط التصورات في الدراما العربية، وخصوصية التراث في الدراما العربية، والصورة التراثية وعصرنة الثقافة الجمالية.
وكلها محاورُ مهمة جداً، على طريق الوصول إلى إنتاج درامي راقٍ يُرضي الذائقة الجماهيرية العربية.
ولأنَّ الدراما بأشكالها المختلفة: من المسلسل، حتى الفيلم، حتى المسرح، تساهم في الحراك الفني لأي بلد، وتساهم في عملية التنوير من خلال الترفيه والتعليم، وتبصير الجمهور بالجوانب الفنية والاجتماعية، والفانتازيا أيضاً، ولأنَّ الجمهور "ملول" ولا يقبل التكرارات أو "النسخ"؛ فإن عامِل التشويق والإبهار من العوامل الأساسية التي تضمن نجاح العمل الدرامي.
ولقد حصل حوارٌ ساخنٌ، في الفترات الماضية، حول مضامين الدراما الخليجية، هل هي تمثّل البلد الذي أنتجَ العمل، خصوصاً إن كان قد مثّل فيه ممثلون من نفس البلد! ووصل الأمر إلى حدّ التطرّف في رفض بعض الأعمال، كونها، حسب تعبير البعض، أنها لا تمثّلُ المجتمع المحلي، ومن غير المُفترض أن يتم إنتاجُ أعمال تدور أحداثها حول ظاهرة محدودة، لا يُمكن تعميمُها على كل الجمهور، أو لا تشكّل ظاهرة عامة! ورَدّ بعضُ الفنانين على هذا الاتجاه، بأن العمل الإبداعي هو عمل فنيّ، يحمل عدةَ أوجه! كما أن القصة الإنسانية، لا تعني بالضرورة، مجتمعاً معيناً، حتى لو أنتجت في بلد ذاك المجتمع!. هذه الإشكالية طرَحت نفسها ردحاً من الزمن في منطقة الخليج، وما زالت تشكّلُ عائقاً أمام حرية التأليف الدرامي. ونحن نميلُ إلى (إنسانية) النص، أو الدراما، وبالتالي لا يجوز النظر إليه على أنه ينقل، نقلاً فوتوغرافياً، لما يدور في المجتمع، حتى لو أُنتج في المجتمع ذاته. وإذا ما استطعنا الخروج من التصنيف أو التنميط الاجتماعي، فإننا نقترب من الدراما الإنسانية، التي تصلح لأي مكان وأي زمان.
موضوع التراث حظيّ باهتمام كبير في الملتقى المذكور! وقفزت بعض الأسئلة: هل أوصل السينمائيون التراثَ بأمانة إلى الجمهور؟! وهل السينما عينُ الجمهور الفوتوغرافية، بحيث لا يتمُّ "المَساس" بالتراث "المُقدّس"، ويُنقل كما هو؟! وهل توجد قوانينُ أو مواعطُ تُحرّمُ تحديث التراث، وهل أسلوب (ألف ليلة وليلة) يصلح لأن يكون إنتاجاً سينمائياً أو تلفزيونياً، كما هو، دون إدخال حتميات المرحلة أو الزمان؟ ذلك أن للسينما خصوصياتها، التي تُفرض في العمل السينمائي. وهنا لا بد من التفريق بين أشكال التعبير بالجسد، في الثقافات المختلفة، والتي لا تكون مُستوعَبةً أو تتم ترجمتها من قبل ثقافات أخرى، فالرقص في التراث الهندي، مثلاً، كما قال الأستاذ عدنان مدانات، "ليس حركة جسَد بل تعبيرا دلاليا، وحتى حركة اليد لدى الراقصة، تتحول إلى رمز، لا يفهمه إلا الهندي"؟!.
أخذَ موضوع التراث وقتاً طويلاً من أوقات الملتقى، ذلك أن تجسيد بعض الأحداث، مثل وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، في بعض الأفلام، أو ظهور الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم في مسلسل (عمر)، أو ظهور أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم في مسلسل (الحسين)، وكان الفكر السابق يُحرّم ذاك الظهور، ويعتبره تجسيداً غير جائز للخلفاء أو آل البيت.
إن الفكر الجامد الذي لا يقبل الحوار، هو أيضاً لا يقبل حتميات الدراما، في العالم العربي، ولقد أشار الأستاذ عبدالحليم بوشراكي، إلى هذه القضية عندما ذكرَ أن الفكر "التراثي" لدينا اعتمد نظريةَ (خطأ) آدم عليه السلام، عندما أكلَ التفاحة!.
فهذا التصرُّف ليس منطقياً، بل إن آدم عليه السلام أُنزلَ إلى الأرض بعد أن وصَل سنَّ الرُشد، ومارسَ حريتَه في أكل التفاحة! كما دعا المُحاضر إلى ضرورة استيعاب أدوات العصر ودلالاتها، ويرى أن المجتمع العربي يعود إلى الماضي متجاهلاً الواقع، ويقول: "لماذا نرمي أزماننا في الماضي؟"، ويدعو إلى تجديد الرؤية بذهنية مُعاصرة، لا بذهنية الماضي.
الحديث عن التراث يطول وإن اتخاذه مادة متحولة وليست جامدة هو الأصل، في التجسيد الدرامي. ذلك أن تقنيات العصر، لا بد وأن تُوظّف في الأعمال الدرامية، واللجوء إلى العناصر الرمزية، التي تعكس الانتماء العربي، وخصائص الإنسان العربي. وقد لا نختلف مع مَن ذكرَ بأن التراث ليس شكلاً أو مضموناً، بل هو آليات فكرية!. وكثيرون لم يقتربوا من هذا المُصطلح، أو حاولوا تفكيكه.
ولقد استطاع المسلسل الكويتي (الأقدار) التعبير بوضوح عن واقع المجتمع الخليجي، في عصر ما قبل النفط، وأدخلَ أُطراً فكرية بين ثناياه، خصوصاً ما تعلق بعُنصري الخير والشر، مع الاحتفاظ بروح الفكاهة في الوقت ذاته. تماماً كما جسّد مسلسل (ليالي الحلمية) الحياة في المجتمع المصري.
الموضوع يتشعب حول الإنتاج الدرامي في الوطن العربي، ودور الكُتّاب في استنباط أفكارٍ ووسائلَ جديدة للنهوص بالأعمال الدرامية، وأهمية توسيع دائرة الفكر، حيث لا يجوز تطبيق المفاهيم الرقابية البالية، التي ما عادت تناسب العصر.
وفي نهاية الملتقى، صدر بيان لبعض الآفاق التي طرحت في الملتقى، التي هدفت نحو النهوض بالدراما العربية، ومنها:
إن حرية الكتابة شرط جوهري في أي عملية إبداعية، فما بالك بالكتابة الدرامية، التي لها سطوة خاصة على الناس.
تأكيد مبدأ الكرامة الإنسانية والعلم والعمل والوقت والآخر، فالدراما ليست معنية بعرض ظواهر المجتمع فقط، وتناول السلوكيات السطحية، إنها معنية بتفكيك البنى العميقة للجمتمع العربي.
فتح الأبواب أمام الكتابات الواعدة، لدعم الخطاب الدرامي السائد.
ومن التوصيات الهامة:
استحداث ورَش عمل متخصصة لكّتاب الدراما الشباب، للارتقاء بكتاباتهم، وتعزيز حضورهم.
استحداث صيغ جديدة للملتقى تُخفِّف من البعد النظري.
تقديم تجاربَ إبداعيةٍ شابة لتشخيص وضعية الكتابة الدرامية لدى الأجيال الجديدة.
التنسيق مع المنابر المتخصصة لنشر أعمال الملتقى، وتخصيص محور دائم حول قضايا الدراما.
الدراسة المبدئية للتحولات الحاصلة في المجتمعات على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي بالتنسيق مع الجهات المتخصصة، وتوظيف الناتج في بناء النصوص الدرامية.
إيلاء الاهتمام بدراما الطفل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
4233
| 14 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1638
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1569
| 12 يوليو 2026