رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حتى كتابة هذه السطور لم يكن أعلن رسميا في مصر عن فوز " الدكتور مرسي " وإن كان هذا الفوز محققا من الناحية الموضوعية والحكمية وبحساب ما تم الإعلان عنه في اللجان الفرعية.. ومع أن من المستحيل أن يغلب اثنا عشر طعنا ضد السيد مرسي مائة وأربعين طعنا ضد شفيق لتنقلب المليون والثلاثمائة ألف صوت الفارقة بينهما لصالح الأخير.. مع ذلك فإن المجلس العسكري وكما رأيناه عبر السنة والنصف الماضية وهي عمر الثورة المصرية قد كشف عن عمق انتمائه لعهد وأيديولوجية وولاء الرئيس الساقط والعهد البائد.. هذا الكشف يجعل من الممكن توقع أن يغامر المجلس العسكري بإعلان فوز مرشحه " شفيق " أو على الأقل أن يقلص الفارق بين المرشحيْن إلى درجة أن يكون تغلب مرسي فيها بعشرات أو مئات وربما بآلاف قليلة من الأصوات تزهد في نصره وتستل منه كاريزما الرئاسة وتحضر شفيق أو الفلول لوجاهة تشكيل حزب له صورة الدعم الشعبي والشرعي.. هذا أمر متوقع من العسكري بالأخص بعد أن رأيناه يستل من الرئيس القادم معظم اختصاصاته ومعظم صلاحيات الرئاسة وبعد أن حل البرلمان واستولى على شرعيته في تحد وإهانة وتعد على الشعب المصري الذي اختار نوابه لأول مرة بطريقة حرة وشفافة وثورية..
لقد بات واضحا وبما لا يدع مجالا للشك أن العسكري لن يترك الحكم يوم 30 / 6 القادم كما تعهد وأقسم على ذلك أغلظ الأيمان.. وواضح أنه لا يحترم الديمقراطية ولا يقدر إرادة الناس وواضح أنه يفرض نفسه وصيا على الثورة وعلى الشعب المصري وعلى النواب وعلى مؤسسات الدولة بل وحتى على الرئيس.. ثبت ذلك في كل المنازل التي نزلها منذ المكيدة التي قطع بها سيده المخلوع طريق الثورة وصادر إنجازاتها.. وواضح أن فترة حكم مرشح الثورة الدكتور مرسي لن تكون سهلة ولا عادية، وأنه يراد ألا يتحقق من برنامجه ما يفترض أن يؤكد جدية الإسلاميين واقتدارهم على ممارسة الحكم والعمل الرسمي وحبهم لشعبهم وفهمهم للديمقراطية في أعلى وأبهى صورها.. يعلم العسكر أن ذلك – النجاح والنموذج - لو تحقق فسيكون انقلابا موضوعيا على ثقافة سنوات وعقود وقرون سوقت الظلم والفساد والنهب والسلب والخراب اليباب من حكم العسكر ومن يحميهم العسكر على أنه أفضل الممكن وأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان.. وسيكون تصويبا وتصحيحا لعهود متلاحقة وممتدة من التشويش على الإسلام والمشاغبة والتشويه للإسلاميين..
قد يعلن فوز " مرسي " ولكن المجلس العسكري يريده رئيسا يصدق عليه قول من وصف حاكما خانعا لوصيفه ومساعده بقوله (يقول ما قالا له // كما تقول الببغا) يريده رئيسا من هذا الطراز وتقبله أمريكا ويقبله الغرب ويقبله الكيان الصهيوني.. يذكرنا ذلك بما فعله المجلس التشريعي الفلسطيني ذي الأغلبية الفتحوية عشية فوز حماس بمعظم مقاعده في انتخابات 2006.. يومها اجتمع طارئا في 13 / 2 قبيل أيام من تسلم المجلس الجديد لينزع الكثير من صلاحيات نفسه " التشريعية " والكثير من اختصاصات الوزارة وليلحق كل ذلك بالرئيس – الفتحوي - في تعبير واضح عن روح العناد والرفض لنتائج الانتخابات.. ثم رأينا كيف انتهى ذلك العناد لصدام دموي حزنا على ما ترتب عليه من انقسام لا تزال تعاني من آثاره القضية الفلسطينية والعلاقة الفصائلية والوحدة الوطنية..
فاز " مرسي " في مصر سواء أعلنت لجنة الانتخابات ذلك رسميا أو لم تعلنه وسواء جعلت الفارق بينه وبين مرشح الفلول كبيرا أو قليلا.. في كل الأحوال يجب أن تؤكد مسيرة السنة والنصف من الثورة وما انتهت إليه من تبدلات وإخفاقات أو نجاحات على جملة من الحقائق والمقتضيات التي يجدر الالتفات لها وأخذ ما سيترتب عليها من تحديات مآخذ الجد ومواضع التنبه.. وأقول:
فاز " مرسي " وتحقق به للشعب المصري بعض غايته ونجحت إلى هذا الحد ثورته.. " فاز مرسي " وقام في مصر ولأول مرة رئيس مدني بل وإسلامي وإصلاحي.. فاز " مرسي " رغم كل الذين حاولوا الترويج أنه مرشح " الإخوان المسلمين " ومرشح الإسلاميين فقط وليس مرشح الثورة ولا مرشح المصريين بكل تلاوينهم وتصانيفهم وتفاريقهم.. فاز " مرسي " وأكرم الله تعالى الشيخ القرضاوي وأمثاله من العلماء الربانيين - ولا نزكي على الله أحدا - الذين ينظرون بنور الله وأحسنوا الظن بالله حتى حلف حالفهم أن مرسي هو الفائز ؛ فأبر الله قسمه وصدّق ظنه ؛ فيما آخرون انتسبوا للدعوة والعلم الشرعي مازهم الله تعالى لا بكرامة السبق إلى الخير ولا الولاء لله ورسوله والمؤمنين وحفظة كتاب الله ولكن مازهم بالحيرة والجهل فسقطوا وانهال عليهم تراب التلبّس والعمه.. فاز " مرسي " وانتخبه أكثر من ثلاثة عشر مليونا صحيحين صادقين رغم كل الذين طالما اتهموا الإخوان وأشاعوا عليهم كل ما يشوه ودهم الضافي وانتماءهم الصافي.. فاز " مرسي " رغم كل محاولات التزوير بكل أنواعه وأشكاله ورغم كل ما أنفق أولياء الشيطان ليسدوا الطريق على دعوة الله ودين الله فخاب الكيد وخسر المبطلون وصدق الله العظيم إذ يقول: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون، ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون).
وفي المقابل فاز " مرسي " ولكن أمام فوزه ما أمامه! " مرسي " سيخوض مواجهة حقيقية وحربا يومية وتفاصيلية مع فلول النظام الساقط الذين يتغلغلون في كل مفاصل الدولة ؛ في الوزارات والمحافظات والوظائف العامة والقضاء والمحليات والسياحة والاقتصاد والفكر.. تؤازرهم أجهزة الأمن والإعلام والعسكر والجهال والمنتفعون وأعداء مصر داخلا وخارجا.. فاز " مرسي " ليكنس مخلفات عقود وقرون كثيرة من الفساد والظلم والاستبداد والشر والنهب والسلب تجعل المهمة صعبة والتحديات كثيرة والمعيقات مريرة، وتجعل الناس مستعجلين أن يروا بصيص الأمل صار شمسا ساطعة ويروا نبتة الخير صارت شجرة باسقة وارفة.. كل هذه تحديات تطيش منها العقول وترتجف من هولها القلوب.. وهو رجل حقيقي يصيب ويخطئ ويتذكر وينسى ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق.. ليس معه - ولا يقبل أن تكون معه – آلة الكذب والترويج التي تصنع من الفاسد إلها يعبد وربا يمجد تغطي نقائصه وترهّب معارضيه وتجعل مناماته فتوحات وأهواءه وانحرافاته كرامات وخواطره وخلجات قلبه إلهامات، وتصير الفاشل فذا ماجدا والبليد المحتار عالما نحريرا لا يشق له غبار..
فاز " مرسي " وعليه في مواجهة ذلك أن يبدأ بتحصين نفسه وتوثيق تحالفاته مع أكبر مساحة من المؤيدين والأنصار على رأسهم الثوار وميدان التحرير والجمهرة الأصدق والأكبر من رجال الإعلام، فاز وعليه أن يكسب الأزهر الشريف وكل التيارات والاتجاهات والطوائف.. وعليه أن يتنبه إلى أن المرحلة في حقيقتها مرحلتان ؛ مرحلة التحول للثورة وتغيير القناعات والمواقف لصالحها ثم مرحلة التمكين لها وإبراز دور " الإخوان المسلمين " في خدمتها ومحالفتها وحمايتها..
آخر القول: فاز " مرسي " وإن لم يعلن ذلك ودخل الرجل والإخوان عهدا من البروز والحصاد يفرح به المؤمنون.. فاز " مرسي " وليس أمامه إلا أن ينجح فيما هو بصدده.. وأول ذلك هو الثبات على ما بدأ به مشواره وخياره من صفاء العقيدة وطهر السريرة.. أن تلتف معه وله جماهير الثورة الذين أناخوا جمل الباطل وكسروا عنق الشيطان.. صحيح أن المرتقى صعب وصحيح أن الإخوان والإسلاميين والثوار والشعب المصري يودون غير ذات الشوكة تكون لهم.. ولعل الله تعالى يريد شيئا آخر وهو القائل: (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)، والقائل (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين)، والقائل: (إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
10608
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6573
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5298
| 13 سبتمبر 2026