رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


[email protected]
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

246

خولة البوعينين

لا تكن مُهرقاً !

20 يناير 2026 , 12:21ص

ما من حفظٍ للنفس أكرم من ألّا تفصحها لكل أحد، ولا من صيانة أعمق من أن تعرف متى تُمسك ومتى تسمح لزوايا نفسك المتلهفة للبروز أو الإعتام. فالمكاشفة ليست فضيلة مطلقة، ولا البوح دليل صدقٍ دائم، إنما القيمة الحق تكمن في الوعي بمن تمنحه نفسك، وبمن تسمح له بالاقتراب من جوهرك، وبتقدير زوايا نفسك المتلهفة بين البروز والاعتام.

بأن تصون نفسك لمن يفهمك، لمن يرى بين كلماتك ما لم يره أحد، احتراماً لمعنى الفهم ذاته، لا عن ترفع أو تعالٍ، فليس كل من يسمعك قادراً على قراءة ما وراء الكلمات، ولا كل من ينصت مستعداً لتحمّل ثقل المعنى، ووزن الجوهر. ولهذا، فليس الجميع بمستحقٍ للاستماع إلى صدى روحك، ذاك الصدى الذي لا يُمنح اعتباطاً، ولا يُهرق من غير تثمين، إنما يستحقه فحسب المنصت المُدرك، المُقدّر الخبير، القادر على التقاط العمق، لا التجديف على السطح.

وكما أن الأصوات لا تُبذل للجميع، فكذلك الجواهر لا تستحق أن تُعرض لكل العيون، فليست كل الأعين لائقة للاطلاع على جواهرك المخبأة، تلك التي لا يعرف قيمتها إلا المُقيّم الحصيف، الذي يميز بين البريق الحق واللمعان الزائف، ويحترم ما خفى لأنه غالٍ نفيس، فبعض النفائس تفقد معناها حين تُكشف لغير أهلها، وتُظلم حين تُرى بغير بصيرة.

ومن هنا، يصبح الصمت اختياراً واعياً، والاحتجاب موقفاً مُسجلاً، خاصةً حين يهرع البعض وراء العناوين السريعة، والمظهر البرّاق اللامع، ويستعجلون المضمون بلا صبر ولا روية، ويطلبون المعنى مختزلاً، ويبتغون الحقيقة عارية من سياقها.

فالكف في ذاك السياق أناقة نفس، وغنى حضور، وسيادة ذات، ورقي روح، صمت يزرع في قلبك حرية لا يلوثها صخب، ولا يُدنسها لغط، ويترك للحقيقة مكانها الطاهر، محفوظة، محتشمة لمن يملك القدرة على رؤيتك بعين بصيرته، لا بعين بصره.

لحظة إدراك:

المهرق عصي على التثمين، والمُتاح دائماً يفقد الكثير من بريقه، والأبواب المُشرعة كل حين، والأسوار الوطيئة تُشجع كل عابر على الدخول، وتحفز كل فضولي على اختلاس النظر.

عندما تدرك أنك غالٍ، فإنك تعي أن النفيس محفوظ ومُقدّر، مرفوع القيمة، علي المقام، ليس الجميع قادرا على رؤية قيمته إن أهرق، وليس الكل سيحفظ مقامه إن توفر في جل الأحيان وأُهدر لأي أحد دون حساب أو حد.

مساحة إعلانية