رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في يوم تاريخي يعيشه مجتمعنا الكريم.. هو "18" ديسمبر يشكل علامة فارقة في تاريخ الدولة العصرية، التي تستلهم أصالة الماضي وعراقته لبناء قطر الحضارة.
في هذا اليوم الذي تحتفل فيه دولتنا في كل عام يعيش المشهد الاقتصادي تطوراً حقيقياً على مختلف الأصعدة، وتبرز فيه مؤشرات القوة والمتانة في الأنشطة المجتمعية التي يقوم عليها دعامة الاقتصاد الوطني.
يعتبر قطاع الطاقة الوجه الأبرز لمؤشر النمو الذي يحفز جميع القطاعات على الإنتاجية، ولا يختلف اثنان في أنّ الثقة التي نجحت الدولة في مد جسورها بين مختلف القطاعات الاقتصادية والأفراد هي القوة الدافعة للتنمية.
واستعرض هنا جانباً من النمو في المؤشرات حسبما ذكره تقرير الأمانة العامة لمجلس الوزراء الموقر للعامين 2011و2012، والذي اعتبر قطاع الطاقة هو مؤشر النمو القوي لاكتمال عدد من المشروعات في المدن الصناعية مثل دخان وامسيعيد وراس لفان، ومشاريع الهايدروكربونية والغاز المسال وتحويل الغاز إلى سوائل مثل برزان واللؤلؤة، وقطاع البتروكيماويات، وإنشاء العديد من الموانئ ومراكز الطوارئ والطرق الخاصة بنقل الإمدادات وتوسعة القنوات الملاحية.
تبلغ قيمة مشروع اللؤلؤة الضخم مثلا "19" مليار دولار لإنتاج "140" ألف برميل يومياً من الغاز النفطي المسال والمكثفات والإيثان ومنتجات تحويل الغاز إلى سوائل الذي يستخدم حقل الشمال، وهو ما يمثل "7%" من إجمالي إنتاج الغاز واحتياطيات تبلغ أكثر من "900" تريليون من الغاز أيّ ما يساوي "15%" من المخزون العالمي للغاز.
فقد حقق قطاع الطاقة إنجازات استكشافية، وأعدّ دراسات جيولوجية لهذا القطاع، كما افتتحت مشروعات "قافكو" وقابكو" للبولي إيثلين منخفض الكثافة ومحطة راس قرطاس وغيرها.
وأكد جهاز الإحصاء القطري أنّ قطاع الغاز والنفط يمثل المرتبة الأولى في تدفقات الاستثمار التي بلغت "47،8" مليار يليه قطاع الصناعة بنحو "25،8%"، وهذا يدل أنّ قطر نجحت في الفوز بشراكات خليجية ودولية لها وزنها وثقلها في السوق العالمية.
وإذا تحدثنا عن الأداء المالي فإنه يعتبر ركيزة أثرت في المسيرة، فقد نجحت الدولة في تأسيس بنية تحتية مؤسسية للقطاع المالي من خلال المشروعات التنموية للبنوك والرقابة على عمليات الإفصاح والشفافية بسوق الأوراق المالية وعلى مؤسسات الخدمات المالية.
وقد ارتفعت استثمارات البنوك في الأوراق المحلية والأجنبية إلى "141،3" مليار ريال منها "129،3" مليار ريال استثمارات البنوك في السندات وأذون الحكومة و "12" مليار ريال استثماراتها في الأوراق المالية خارج الدولة وفي البورصة المحلية فقد بلغت قيمتها "98"مليار ريال في العام الماضي.
يؤكد تقرير "قنا" قوة النشاط الصناعي في الدولة وأنّ ما بين "30ـ40" مليار دولار حجم إنفاق الدولة في قطاع النفط والغاز أيّ بمعدل "30"مليار دولار سنوياً، وأنّ نسبة النمو المتوقعة ستزيد عن "30%"، فيما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أنّ قطر حققت نمواً بنسبة "16.6%" في 2010 وهذا مؤشر يؤهلها لتحمل أية اضطرابات جديدة.
واستشهد هنا بتقرير الأمانة العامة للتخطيط التنموي 2011 الذي يؤكد أنّ التوسع في إنتاج الغاز المسال يدعم نمو الناتج المحلي ليصل إلى "15%" مدعوماً بالأسعار المرتفعة للنفط بمعدل "32%" وأنّ استثمارات الدولة في قطاع الهيدروكربونات طوال عشرين عاماً يعد مساندة فاعلة للصناعة التي تنتهج التنويع في منتجاتها.
ويؤكد أيضاً أن مركز الدولة التجاري الخارجي سيظل قوياً بسبب استمرارية النمو في الصناعة النفطية والغاز مما يزيد فوائض موازنة الدولة بأعلى من "20%" في 2012، كما يقوي مؤشر الأداء المالي للبورصة.
وفي الاستحواذ ينظر التقرير إلى قطر نظرة متعمقة لكونها اقتصاداً واعداً، فقد استحوذت على المركز الأول في عمليات شراء العقارات التاريخية والشركات القوية تليها الإمارات ثم الكويت، وهي تعكس الاهتمام الكبير للاقتصاد في اقتناص الفرص الاستثمارية المناسبة، ورغبة الجهاز الاقتصادي في تنويع مصادر الدخل.
كما يبين التقرير أنّ الدولة نجحت في الاستفادة من الفرص المواتية وتمكنت من الاستحواذ على الشركات في أوروبا وأمريكا، بالإضافة إلى امتلاكها حصصاً في البنوك والعقارات والأسهم والمصانع رغم الوضع الراهن.
لم يتوقف الاستحواذ القطري على الاستثمارات العالمية، إنما نجحت في الاستحواذ محلياً في قطاع الشركات العريقة وارتباطها بشركات أخرى لتقوية أدائها ونظامها المالي.
في مجال الكهرباء والمياه فيجري الإعداد لإطار استراتيجية الكهرباء والماء بما يتوافق مع الخطة العمرانية الشاملة للدولة ويواكب الرؤية الوطنية 2030، وجاري الإعداد أيضاً للربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي.
أما استهلاك الطاقة الكهربائية في دول المجلس فقد زاد في السنوات الأخيرة، ففي قطر نما بنحو 12% في 2010 مقارنة مع العام الماضي، ويصل إجمالي استثمارات دول التعاون في مشاريع الطاقة إلى 126 مليار دولار حيث سيتم تنفيذ 230 مشروعاً وتحظى قطر باستثمارات تقدر بـ20 مليار دولار.
في مجال الطيران المدني يعتبر مشروع المطار الجديد بوابة قطر على كل دول العالم، بما يثري الاقتصاد المحلي بعوائد قوية، والمطار يستوعب أكثر من "50" مليون مسافر سنوياً، كما تمّ إطلاق "15" وجهة جديدة في العام 2011 وإطلاق "7" وجهات جديدة إلى القارة الأوروبية وإطلاق ما يقارب من "12" وجهة في العام 2012.
في المجال السياحي فقد زاد عدد المنشآت الفندقية في 2011 إلى "74" فندقاً عما كانت عليه في 2010 من "66" فندقاً ومن المتوقع افتتاح "17" منشأة فندقية جديدة.
أما النقل فتشكل استثمارات البنية التحتية في مجال السكك الحديدية "17" مليار يورو، والتي تعتبر فرصا واعدة لتوجيه الاستثمارات إلى الداخل من خلال منح شراكات خليجية وأجنبية تسهم في التأسيس، وهذا يبين حجم الحراك التجاري الذي ستقدمه تلك المنشآت.
في مجال اقتصاد المعرفة فقد حققت المنافسة في قطاع الاتصالات "25%" من عوائد سوق الاتصالات بنهاية 2010، وجاري تأسيس بنية تحتية متماسكة من الاتصالات وتقنية المعلومات من خلال توفير حزمة النطاق العريض فائقة السرعة التي ستحقق أهدافها في 2015 حيث تبلغ استثمارات الشركة القطرية للنطاق العريض ما يقارب من "550" مليون دولار.
في مجال الرياضة.. فقد قفزت الاستثمارات المحلية في هذا المجال إلى أرقام خيالية في بناء الملاعب والأندية الرياضية بهدف استقطاب الرياضة العالمية، فقد بلغ عدد المنشآت الرياضية "60" مؤسسة وجهازاً وارتفع عدد المنشآت خلال السنوات الخمس الماضية من "280" في 2007 إلى "319" في 2011.
وفي الختام أهنئ وطني أميراً وحكومة وشعباً باليوم الوطني وكل عام والجميع بألف خير.
قدرة الاقتصاد على التصدي للوباء
أثبت الاقتصاد الوطني كفاءته في التصدي للتداعيات التي خلفها الفيروس على مختلف الأنشطة الصناعية والتجارية، وساهمت التدابير التي... اقرأ المزيد
1279
| 31 يناير 2021
الاستثمار في القطاع السياحي
يعد القطاع السياحي في قطر من القطاعات الواعدة التي تحتاج إلى الكثير من المشاريع التنموية، لاستغلال البيئة الطبيعية... اقرأ المزيد
1999
| 24 يناير 2021
استثمارات نوعية في عالم متقلب
تنتهج قطر نهج التأني في استثماراتها الخارجية، وتخضع لدراسات اقتصادية مستفيضة حول إمكانية الاستثمار في مكان دون غيره،... اقرأ المزيد
909
| 17 يناير 2021
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1326
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1116
| 06 أكتوبر 2026