رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إضافة القمة الخليجية الأخيرة بأبوظبي لبنة جديدة للعمل الخليجي المشترك، وذلك بالاتفاق على فتح فروع للشركات الخليجية وإصدار إطار عام ومهما حوَّل المحافظة على مصادر المياه في دول المجلس، مما سيساهم في حل معضلة المياه وتناقضاتها، ففي الوقت الذي تعتبر فيه منطقة الخليج من أكثر مناطق العالم فقرا في مصادر المياه، فإنها تعتبر في الوقت نفسه في مقدمة بلدان العالم الأعلى معدلا في حصة الفرد من استهلاك المياه.
أما القضايا الأخرى المهمة، فقد تمت التوصية بسرعة إنجازها، وبالأخص الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة ومشروع السكك الحديدية، في الوقت الذي ما زالت التفاوتات موجودة بشأن الاتحاد النقدي، مما يعني أن دول المجلس قد وصلت وبعد ثلاثة عقود إلى مرحلة متقدمة من اتخاذ القرارات، إلا أن القضية الأساسية تتعلق بمدى الالتزام بتطبيق هذه القرارات والتي ما زال العديد منها مؤجلا رغم مرور سنوات طويلة على الموافقة عليه.
ولسنا هنا بصدد تقييم عملية التطبيق والتي ربما تكون من اختصاصات الأمانة العامة، إلا أن القرار الخاص بالسماح بفتح فروع للبنوك الوطنية على سبيل المثال والذي اتخذ منذ عشر سنوات تقريبا لم يطبق حتى الآن، إلا في حدود ضيقة جدا. والسبب يكمن في التناقض بين القرارات الخليجية المشتركة والتشريعات المحلية، فالقرار الخليجي رغم أنه متخذ من قبل أعلى سلطة خليجية، إلا أنه بحاجة لمراسيم محلية حتى يجد طريقه للتنفيذ.
وتبين التجربة السابقة، أن تجاوب التشريعات المحلية مع الاتفاقيات المشتركة تتفاوت بين دولة وأخرى، فبعض الدول تتخذ قرارا محليا بالالتزام بعد ثلاثة أشهر ودولة ثانية بعد سنة وثالثة بعد ثلاث سنوات ورابعة بعد خمس سنوات، مما يراكم هذه القرارات ويقلل من أهميتها ومساهمتها في تفعيل العمل الخليجي.
وللخروج من هذا المأزق المعرقل، فإنه يمكن الاتفاق على ضرورة تفعيل الاتفاقيات الخليجية المشتركة خلال ثلاثة أشهر من صدورها على أبعد تقدير أو الالتزام بتنفيذ هذه الاتفاقيات بصورة آنية وتعديل أو إلغاء التشريعات المحلية التي تتعارض مع القرار الجماعي، مثلما هو الحال في بلدان الاتحاد الأوروبي.
بدون هذا الإجراء ستبقى القرارات الخليجية المشتركة رهن التباطؤ في تنفيذها، مما ينعكس بصورة سلبية على العمل الخليجي ويقلل من أهمية هذه القرارات، وذلك بالإضافة إلى منح الأمانة العامة المزيد من الصلاحيات في متابعة تنفيذ الاتفاقيات وعدم الاكتفاء بدور المراقب غير المفوض.
والحال، فإن القرارات الجماعية المتخذة تعكس حرص كافة دول المجلس على تطوير العمل الخليجي، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في الأجهزة الإدارية البيروقراطية التي عادة ما تجد المبررات التي تؤدي إلى عرقلة تطبيق هذه القرارات، من هنا لابد من تحييد هذه الأجهزة وإلزامها من خلال التشريعات القانونية.
وفي هذا الصدد يمكن الاستفادة من تجربة الأمين العام لدول المجلس السيد عبدالرحمن بن حمد العطية والذي عمل طوال تسع سنوات بإصرار وتفان في خدمة دول المجلس وتحققت في عهده مكاسب مهمة تمثلت في تطوير الاتفاقية الاقتصادية الموحدة وإقرار الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة والربط الكهربائي وغيرها العديد من المكاسب، مما يتوجب توجيه الشكر والتقدير له وللجهود الكبيرة التي بذلها.
وعليه، فإن مهمة الأمين العام الجديد الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني والذي سبقته إلى الأمانة العامة سمعته الطيبة وخبرته المهنية والإدارية الغنية تكمن ليس في اتخاذ المزيد من اتفاقيات التكامل فحسب، وإنما أيضاً في تطبيق الاتفاقيات التي اتخذت وما زالت معلقة من خلال تقوية البنية التشريعية الخليجية الموحدة ومن خلال منح الأمانة العامة المزيد من الصلاحيات الخاصة بمتابعة وإلزامية تطبيق ما تم الاتفاق عليه.
هذه المهمة التي تقف أمام الأمين العام الجديد ليست سهلة، إلا أنها في الوقت نفسه ليست مستحيلة، خصوصا أنه سيعتمد على أرضية قوية تتمثل في أن هذه القرارات صدرت عن أعلى جهة في الهيكلية الإدارية لدول المجلس، مما يمنحه تفويضا وسندا قويا وترحيبا من مختلف المستويات في دول مجلس التعاون الخليجي والذي يطمح لاحتلال موقع متقدم من بين الاقتصادات العالمية في السنوات القادمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3720
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1125
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
753
| 27 أبريل 2026