رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا مفر من الاعتراف بأن الأجواء المخيمة على الشارع المصري في الوقت الراهن أصبحت تشكل إحدى العقبات التي تحول دون استعادة الرشد السياسي والسلم الأهلي، في الأجل المنظور على الأقل.
(1)
في العام الماضي كان هتاف الجماهير يجلجل في الفضاء المصري داعيا إلى إسقاط حكم العسكر. وقبل أسبوعين ذكر الدكتور حازم الببلاوي رئيس الوزراء بأنه لا عودة لحكم العسكر لمصر. إلا أن بعض الأقلام انبرت ناقدة له ومستهجنة لكلامه. حتى قرأنا لمن كتب صراحة «أهلا بحكم العسكر». (المصري اليوم 9/11)، وتابعنا تنافس بعض الكتاب في ذكر مناقب العسكر وفضائلهم، ممن حاولوا إقناعنا بأن مصر باتت في أشد الحاجة إلى قدرتهم على الحسم والضبط والربط. وهو ما توازى مع سياق آخر أطلقه الفنانون الذين تباروا في تزيين حكم العسكر والتهليل لدورهم السياسي، حتى زايدت على الجميع مغنية مغمورة، فظهرت في لقطة احتضنت فيها حذاء الجنود (البيادة) وطبعت عليه قبلة تعبيرا عن الامتنان والعرفان.
ما حدث مع حكم العسكر تكرر مع قضية الديمقراطية والتعددية التي ظللنا نتغنى بها ونلح عليها طيلة السنوات التي خلت، واعتبرنا أن ثورة يناير 2011 علامة فارقة على الطريق المؤدي إليها، إلا أن الاقتراب من ملف تطبيق الديمقراطية أصبح مغامرة كبرى بعد عزل الرئيس محمد مرسي في بدايات شهر يوليو الماضي. ذلك أن الإشارة إليها أصبحت تكلف صاحبها الكثير وتطلق عليه أسراب الزنابير. التي لا تفتأ تلسعه وتنهش في لحمه فضلا عن كرامته وعرضه. الأغرب من ذلك أن مجرد التحفظ على أحد عناوين ملف الديمقراطية الذي تمثل في إصدار قانون جديد يمنع التظاهر السلمي، صار ذريعة لاتهام المتحفظين بأنهم «طابور خامس»، وهي إحدى مراتب العمالة للعدو والخيانة. المدهش في الأمر أن ذلك حدث مع الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء وهو جزء من النظام الجديد وأحد أركان حكومته، الذي قيل إنه اعترض على إصدار القانون. وما أصاب الدكتور محمد البرادعي والدكتور عمرو حمزاوي وأمثالهما ممن كانوا خصوما لحكم الإخوان وجزءا من جبهة الإنقاذ ذهب إلى أبعد مما أصاب الدكتور زياد الذي يشهَّر به الآن باعتباره مشتبها فيه، في حين أن الأخيرين أدانهما الإعلام وقرر أنهما من طلائع الطابور الخامس (مذيعة التلفزيون في مساء السبت 9/11 سألت الدكتور مصطفى الفقي في غمز عما إذا كان الطابور الخامس موجودا في مجلس الوزراء أم لا).
وفي حين ظللنا نتباهى بثورة 2011 في عامها الأول. ونعتبرها مفخرة علمت العالم درسا بليغا في الإباء والكبرياء، فإن منابر الهيستيريا الراهنة أصبحت تشير باستياء وقرف إلى تلك المفخرة، ومنهم من اعتبرها نكسة ووكسة ومسخرة، (أحدهم وصفها بأنها مؤامرة كبرى ضد مصر دبرها جواسيس الولايات المتحدة ــ الأهرام 7/11/2013).
أما أم الخطايا والجريمة التي لا تغتفر الآن فهي الحديث عن المصالحة الوطنية. وهي الدعوة التي أطلقت عاصفة من السعار والغضب الوحشي في أوساط بعض الكتاب ورسامي الكاريكاتير الذين اعتبروها ردة وتدنيسا لصفحة انتفاضة 30 يونيو، وكفرا باستحقاقات الانتماء الوطني، وهو ما أدركته مذيعة السي إن إن الشهيرة كريستين أمانبور حين سألت الدكتور زياد بهاء الدين في حوارها معه يوم 4/11 عما إذا كانت المصالحة قد أصبحت كلمة في مصر سيئة السمعة (قذرة في الترجمة الحرفية) فأيدها، وقال إن ذلك من نتائج الاستقطاب الحاد الذي نعاني منه.
هذه بعض قسمات المواقف التي تذخر بها مصر الآن. ولا تسأل عن لغة التعبير عنها، التي اتسمت بالهبوط والتدني في أغلب الأحوال، لكنها ظلت طول الوقت حادة وجارحة ومنحازة إلى الإبادة وتشديد القمع وإشعال الحرائق في أوسع دائرة من الساحة السياسية. إزاء ذلك فلا غرابة إن بدت مصر من هذه الزاوية ساحة حرب يتقاتل فيها الإخوة الأعداء، وليست وطنا يظلل الجميع ويحتضنهم.
(2)
كما رأيت، فإن منسوب تسميم الأجواء بات مرتفعا للغاية في مصر. ورغم أن المزاج العام قابل للتغيير (كما رأينا بوضوح في الموقف من حكم العسكر) ــ إلا أننا يجب ألا ننكر أن ذلك المزاج معبأ بدرجة أو أخرى ضد الحلول السياسية التي تفضي إلى المصالحة الوطنية. أسهم في ذلك عاملان. الأول أن أجندة الخطاب السياسى تغيرت باتجاه التصعيد والتسخين. إذ في حين أن الموضوع الخلافي الأساسي بدأ بمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، فإنه تطور بعد ذلك إلى دعوة لإسقاط حكم الجماعة وإخراج الإخوان من المعادلة السياسية، وانتهت معركة ضد «الإرهاب» معه استصحبت دعوة إلى استئصال الإخوان من الوطن وليس من السياسة وحدها. وبمضي الوقت صار الإرهاب هو الكلمة المفتاح لقراءة المشهد كله. إذ بعد إطلاقها فتحت الأبواب واسعة لتسويغ مختلف إجراءات الإقصاء والقمع، وتبرير انتهاكات حقوق الإنسان، التي كانت القوانين سيئة السمعة والمعادية للحريات العامة من تداعياتها.
حين أطلق المصطلح في الفضاء المصري، فإن وسائل الإعلام تلقفته وقامت بدورها في التعبئة والتحريض وتهيئة الأجواء المناسبة لكسب المعركة والقضاء على «العدو» المفترض. وذلك هو العامل الثاني الذي أسهم في تسميم الأجواء المصرية. بكلام آخر فإن وسائل الإعلام استجابت بسرعة للتطور الذي حدث في أجندة المواجهة السياسية ووظفت قدراتها لغسيل أدمغة الناس وتغييب وعيهم. وهو تشخيص أورده الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه الجديد «أنظمة القوة». وانتقد فيه الدور السلبي الذي يقوم به الإعلام الأمريكي على ذلك الصعيد، الأمر الذي ينطبق بشدة على حالتنا في مصر والعالم العربي، كما أشرت في مرة سابقة.
(3)
لست غافلا عن إخفاقات أو أخطاء وقع فيها الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان. وهي التي أثارت استياء الناس وغضبهم. ولم أسقط من الاعتبار أحداث العنف التي شهدها المجتمع المصري والتي تناقضت الروايات بشأن الأطراف الفاعلة فيها أو الضحايا الذين سقطوا بسببها. فتلك جوانب مهمة لا ريب، إلا أننا سنحتاج إلى وقت لكي ندرك حقائقها، لأن ما نسمعه بصددها في الوقت الراهن هو قراءة ورأي الطرف المتغلب وحده، ولن يكون بمقدورنا تقييمها على نحو يُطمأن إليه إلا إذا اطلعنا على وجهة نظر الطرف أو الأطراف الأخرى. ثم إنني ألفت النظر إلى أن ما أنا معني به في اللحظة الراهنة هو محاولة الإجابة على السؤال كيف نتجاوز الأزمة ولماذا تتعثر الجهود الرامية إلى حلها. ولست بصدد تحري الخلفيات وتحديد من أخطأ ومن أصاب. علما بأن الإعلام المصري يركز على الملف الثاني ولا يكف عن تقليب صفحاته معيدا كتابة التاريخ من وجهة نظر واحدة، اعتمادا على تقارير أمنية في الأغلب. وفي تركيزه ذاك فإنه مشغول بالماضي، ومنصرف عن الحاضر والمستقبل.
في محاولة الإجابة على السؤال المتعلق بتعثر جهود حل الأزمة أزعم أن ثمة أطرافا أربعة تعارض الحل السياسي، وتحرص على استمرار انسداد الأفق، من خلال المراهنة على جدوى الحل الأمني وفاعليته. هذه الأطراف تتمثل فيما يلي:
(1) الجناح المتطرف في المؤسسة الأمنية، المنحاز إلى القمع والاستئصال، ورغم ما يتردد عن وجود أصوات داخل المؤسسة تقبل بفكرة الحل السياسي، إلا أن من الواضح أن كفة الأولين هي الراجحة. بدليل أن ما يصدر من قرارات وما يتم من إجراءات يعبر عن تلك الرؤية باستمرار. وحسب معلوماتي فإن اتفاقا كان قد تم مع مفوضة الاتحاد الأوروبي السيدة آشتون بشأن اتخاذ خطوة في هذا الاتجاه تفتح الباب للتفاهم مع بعض القيادات الموصوفة بالاعتدال ضمن تحالف الدفاع عن الشرعية. ولكن ذلك الاتفاق تم العدول عنه بعد ذلك. وثمة محاولة أخرى قامت بها بعض الأطراف وثيقة الصلة بالسلطة قطعت بدورها شوطا في ذلك الاتجاه، وثم طلب منها بعد ذلك صرف النظر عن الموضوع.
(2) دعاة الفاشية في أوساط النخبة، وأعني بهؤلاء غلاة العلمانيين وأغلبية المثقفين المحترمين والتيار الغالب بين الكتاب والصحفيين، وبعض هؤلاء لهم رصيد من الكتابات والتصريحات التي دافعوا فيها عن الدولة المدنية وعن قيم الديمقراطية المتمثلة في التعددية والتداول والقبول بالآخر، لكنهم انقلبوا على كل ما قالوا به في السابق، وأصبحوا يقودون طوابين المهللين والمنشدين الرافضين للمصالحة الوطنية والداعين إلى الإقصاء وإلغاء الآخر، كما وجدناهم يتصدرون مواكب الداعين إلى حكم العسكر والهاتفين باسم الفريق السيسي رئيسا، حتى دون انتظار لإجراء الانتخابات.
(3) أركان نظام مبارك والمنتفعون به. وهؤلاء هم الذين تولى ذلك النظام رعايتهم طوال ثلاثين عاما، بل أربعين لأنهم ظهروا في ظل نظام السادات. وخلال تلك الفترة فإنهم اكتسبوا نفوذا كبيرا في القرى، وحققوا مكاسب مالية هائلة، وظفوا جانبا منها في إسقاط حكم الإخوان سواء من خلال دعم بعض الحركات الاحتجاجية، وتحريض المنابر الإعلامية (التلفزيون بوجه أخص). ولايزال هؤلاء وهؤلاء يقومون بدورهم في التحريض والهجوم الشرس على الأصوات الداعية إلى الحل السياسي.
(4) القوى الإقليمية التي سارعت إلى مساندة النظام الجديد، وهي التي لا تعرف غير الحلول الأمنية في التعامل مع الناشطين والمعارضين بين شعوبها. ذلك أن تلك الأطراف تعتبر أن نجاح ثورة يناير في مصر يشجع الحراك الحاصل في محيطها، ومن ثم يهدد أنظمتها. ولذلك فإنها تعتبر استمرارا لسياسة الأمنية في مصر خطوة مهمة في سعيها للدفاع عن نفسها وإحكام سيطرتها على جبهتها الداخلية. وفيما علمت فإن بعض تلك الدول أبلغت مصر صراحة بأن استمرار مساعدتها الاقتصادية لمصر مرهون بتمسكها بسياساتها الأمنية الراهنة، وأن المصالحة الداخلية من شأنها أن تؤثر سلبا على تدفق تلك المعونات.
لم أذكر بعض المنابر الإعلامية كمعطل للحل السياسي، ليس فقط لأنني سبق أن أشرت إلى خطورة الدور الذي أدته في إشاعة التسميم. ولكن الأهم من ذلك أنني أعتبرها بوقا وصدى لتلك الأطراف الأربعة.
(4)
الأزمة التي نحن بصددها متعددة الأوجه، ذلك أنها لم تؤد إلى تسميم الأجواء المصرية فحسب، ولم تؤد إلى تشويه الإدراك العام وتحويل الاختلاف السياسي إلى اقتتال أهلي، وإنما أيضا لأنها أفرزت نتيجتين خطيرتين إضافيتين هما: استدعاء الدولة الأمنية ومصادرة فكرة الحل السياسي. ثم إشغال الرأي العام بعناوين ملف الإخوان على نحو صرفهم عن التركيز على مستقبل الوطن، رغم أن مشكلة الإخوان فرع ومستقبل الديمقراطية في مصر هو الأصل السياسي، ولست أريد أن أقلل من شأن مشكلة الإخوان، لأنني أعتبرها مهمة حقا، لكنني أزعم أن مستقبل الديمقراطية هو الأهم. وفي كل الأحوال فإن مفتاح حل المشكلتين لابد أن يمر بالسياسة، في حين يظل الحل الأمني بمثابة «القفل» الحقيقي الذي يسد الأفق ولا يفتحه. ثم إنني أستغرب عدم إدراك كثيرين خطورة استمرار رفض المصالحة وإغلاق الأفق السياسي، وتأثير ذلك على استدعاء العنف وتشجيعه. وما يضاعف من الاستغراب والدهشة أننا بتنا بحاجة إلى بذل جهد لإثبات هذه البديهية التي باتت من مسلمات العصر، وغدت نهاية حتمية لكل صراع.
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
30
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
27
| 15 مايو 2026
" الشللية " في بيئة العمل عدو للكفاءة
" لا شيء يقتل الكفاءة الإدارية مثل تحوّل أصحاب الشلة إلى زملاء عمل" هكذا لخّص الأديب والوزير السعودي... اقرأ المزيد
231
| 14 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2670
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
1404
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1170
| 13 مايو 2026