رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن الرئيس دونالد ترامب والوسطاء وخاصة دولة قطر ومصر ومؤخراً تركيا لعبوا دوراً رئيسيا وحاسما بما يملكه كل طرف ووسيط من علاقات وثيقة مع طرفي الصراع: إسرائيل وحماس ما ساهم بالتوصل لاتفاقية وقف إطلاق النار وصفقة تبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية بعد عامين من حرب مدمرة على قطاع غزة.
وشهد مؤتمر السلام في شرم الشيخ الأسبوع الماضي برئاسة الرئيسين الأمريكي- ترامب والمصري عبدالفتاح السيسي وبحضور الوسطاء، أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبمشاركة قادة عشرين دولة، احتفالية لافتة بدلالتها وشخوصها، مع إصرار كثير من القادة على رفض حضور نتنياهو لجرائم حربه الوحشية. وكذلك عدم مشاركة حركة حماس في قمة شرم الشيخ. على أمل أن تشكل الاتفاقية نقطة تحول تنهي المعاناة وحرب الإبادة والحصار والتجويع والتطهير العرقي لسكان غزة النازفين والمحاصرين والمجوعين. لكن لم تنجح قمة شرم الشيخ بفك لغز وتوضيح الغموض المتعمد حول- اليوم التالي ومن سيحكم قطاع غزة؟ وجداول الانسحاب العسكري؟ وقوات الاستقرار؟ ونزع سلاح حماس، وإعادة الإعمار؟ ومستقبل الدولة الفلسطينية؟ وهي قضايا أساسية وبالغة الأهمية لسلام عادل وشامل.
لذلك هناك علامات استفهام وتحديات لتحقيق الاتفاقية أهدافها. لذلك تبرز الحاجة لرعاية الاتفاقية ومتابعة وتوضيح بنودها وإلزام طرفي الصراع عبر الوسطاء وخاصة الرئيس ترامب وفريقه الذين لعبوا دورا رئيسيا بإنتاج الاتفاقية لضمان التزام الطرفين ببنودها. والواضح أن أبرز التحديات أمام تطبيق بنود الاتفاقية -لا تعدو كونها «اتفاق مبادئ غير ملزم» لإسرائيل، والخشية من خرقه قائم. وهذا يعمق غياب الثقة لدى الطرفين، نظراً لسيل تهديد ووعيد نتنياهو وقيادات حكومته اليمينية المتشددة حتى تغريدات الرئيس ترامب عن «العودة للحرب» في حال لم تلتزم حماس بالشروط. موضحين عدم تسليم حماس جميع جثث الأسرى المتوفين لصعوبة الوصول لبعضهم تحت الأنقاض وفي الأنفاق يعد خرقا للاتفاقية.
غياب الضمانات والحوافز والجداول الزمنية من إسرائيل يشكل تحديا كبيرا للاتفاقية. وخشية حماس بالزام إسرائيل بعدم ممارسة الخديعة والانقلاب على الاتفاقية بعد تسلم جميع الأسرى الأحياء (20) ورفاة المتوفين (28) لتخرق الاتفاقية كما فعلت في مارس الماضي بخرق اتفاق وقف إطلاق النار في مرحلته الأولى، واستأنفت حرب الإبادة بوحشية وقسوة أكبر وفرض حصار شامل على القطاع وإغلاق المعابر. والتسبب بكارثة إنسانية وصلت لتفشي سوء التغذية والمجاعة وقتل المئات من منتظري المساعدات بإشراف «مؤسسة غزة الإنسانية» في مصائد الموت.
كما يبرز عائق كبير يتمثل بغياب الحوافز لحركة حماس المتمثل بتسليم الأسرى ونزع سلاحها بينما القوات الإسرائيلية لا تزال تتمركز داخل قطاع غزة وخاصة في نقاط المعابر الرئيسية غير مقبول من حركة حماس- خاصة مع ضبابية وغموض الموقف وغياب جداول زمنية لانسحاب قوات الاحتلال الكامل من قطاع غزة، والتأخر المتعمد بفتح جميع المعابر والتعهد بعدم غلقها وإدخال المساعدات والسماح للمرضى والحالات الخطرة للعلاج في الخارج عبر معبر رفح. وتدفق المساعدات الإنسانية بدون عوائق- كما ينص الاتفاق بواقع 600 شاحنة مساعدات يوميا كمرجعية يجب الالتزام بتطبيقها من إسرائيل بضمانة الوسطاء وخاصة الولايات المتحدة.
يُعمّق مأزق تسليم حماس لسلاحها- غياب الآلية لنزع السلاح ومن الجهة التي ستنزع السلاح ونوع السلاح الدفاعي أو الهجومي. والحاجة لمواجهة العصابات والمليشيات الموالية للاحتلال لزرع الخلافات والفتنة. ولملء الفراغ الأمني للتصدي للفلتان الأمني. يترافق ذلك مع تكرار تهديدات نتنياهو ووزير دفاعه، وحتى من الرئيس ترامب بالعودة لاستئناف القتال إذا لم تسلم جميع الأسرى - مع علم جميع الأطراف أنه من الصعب الوصول لرفاة جميع الأسرى المتوفين بسبب الدمار والركام جراء عمليات قصف وتدمير المباني والأنفاق. والحاجة لتوفر معدات ثقيلة لإزالة الأنقاض والركام غير المتوفرة. وترفض إسرائيل السماح بإدخالها. وآخرها رفض إسرائيل السماح للبعثة التركية بإدخال المساعدات والمعدات الثقيلة.
واضح تستخدم إسرائيل بخبث ذريعة عدم تسليم حماس جميع رفاة الأسرى المتوفين لخرق الاتفاقية ورفض فتح معبر رفح، وتبرير خفض دخول عدد شاحنات المساعدات إلى النصف (300 شاحنة)!! كما أن تهديد الرئيس ترامب بالعودة لاستخدام القوة: «إذا لم تُسّلم سلاحها فسنجرد حماس من السلاح بسرعة واحتمال بعنف.» لا يساهم ببناء الثقة وإقناع حماس بصواب نزع سلاحها لارتباطه بالمقاومة!!
ومن غير المنطقي نزع سلاح المقاومة بينما احتلال غزة قائم، لأن ذلك يعني توقيع شهادة الموت والقضاء على المقاومة وحركة حماس بشقيها السياسي والعسكري. خاصة أن الرئيس ترامب ونتنياهو وقادة اليمين المتطرف وحتى دول عربية يكررون لا دور لحماس في مستقبل إدارة قطاع غزة. وهو ما توافق عليه حماس، لكن بشرط أن تكون الإدارة على يد تكنوقراط فلسطينيين وليس هيئة خارجية وخاصة ما يقترحه الرئيس ترامب «مجلس السلام» الذي سيتم تشكيله طرح الرئيس ترامب- طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق رئيسه التنفيذي - المثير للجدل، لماضيه الحافل بالتجاوزات والمشاركة في حروب المنطقة ومبعوث سلام الرباعية - بانحيازه وفشله بتمهيد الطريق لتطبيق حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية.
من هذا المنطلق وبسبب تعقيدات وضبابية بنود الاتفاقية، يكتسب دور الوسطاء «الولايات المتحدة - قطر- مصر وتركيا - أهمية بممارسة دور قيادي وتقديم ضمانات ومتابعة لبناء الثقة لاكتمال تطبيق بنود الاتفاقية العشرين لمنع استئناف الحرب!!
ويشكل استمرار التهديدات والتصعيد، وغياب الضمانات خاصة لحماس، من الوسطاء للدفع بالتهدئة لمنع انزلاق العودة للحرب، حاجة ملحة، بحجة عدم الالتزام بتطبيق بنود الاتفاقية. لذلك من المهم تقديم ضمانات والمشاركة الفعالة من الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا كضامنين لمنع خرق الاتفاقية ولزرع الثقة بين الطرفين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5742
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2763
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2424
| 02 يونيو 2026