رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعرضنا، في مقالات سابقة، عن دور وزارة العمل (وزارة العمل والشئون الاجتماعية) وأنها لم تستطع توفير وظائف مناسبة لعدد لا يتجاوز 000ر6 من المواطنين العاطلين، أو كما تسميهم الحكومة الباحثين عن عمل (انظر الشرق 26/2/2012). فما كان من الحكومة إلا أنها نقلت هذه الاختصاصات إلى وزارة التنمية الإدارية، ولا تزال المشكلة قائمة. وتكلمنا عن دور لجنة الاستقدام، التي تتبع نفس الوزارة، وقلنا أنها تقوم بتضييق الخناق على الشركات والمحلات التجارية بالقطاع الخاص، وذكرنا أهمية أن تضع اللجنة في اعتبارها نوعية الجنسية المحددة للعمالة المطلوبة، مع التفرقة بين فئة العمالة عند تحديد الجنسية (انظر الشرق 4/3/2012). واليوم نتحدث عن قضية خطيرة، وقع ضحيتها عدد كبير من الشركات القطرية، وهي تآمر العمالة الوافدة على الشركات التي يعملون بها.
على الرغم من ادعاء وزارة العمل بأنها ليست سوى جهة تنفيذية، إلا أنني أحملها مسؤولية الكثير من القرارات الخاطئة والصعبة التي ألحقت الضرر بالشركات القطرية، ومن ثم بالاقتصاد القطري. لقد قامت الوزارة، بدعوى تثقيف العمالة الوافدة بحقوقها، بنشر ثقافة التآمر على الكفيل سواءً كان هذا الكفيل فرداً أو شركة، وحجتهم دائماً أن الكفيل لا يعاملهم معاملة كريمة، أو تأخر عليهم في دفع رواتبهم، إلى آخره من الشكاوي التي نقول أن الكثير منها، وليس كلها، كيدية. ومع أنه من المعروف جيداً لدى السلطات القطرية النوايا الخبيثة لمن يقف خلف قناة BBC إلا إننا نستطيع القول إنه عندما نشرت تلك القناة تقريراً عن العمالة النيبالية في قطاع المقاولات قامت الدنيا ولم تقعد. فبدأت جميع الوزارات بنفي تلك الإدعاءات، حتى تلفزيون قطر قام بتغطية الكثير من أوجه حياة العمالة الوافدة. وكان من المفروض على حكومة قطر التحقق من شكواهم وتوقيع العقوبات على المخطئين، بدلاً من أخذ كافة الكفلاء بجريرة غيرهم.
لقد قامت وزارة العمل بتدشين خط ساخن وبريد إلكتروني ورقم مجاني لاستقبال شكاوى العمال والموظفين، وعلى حد قول مدير العلاقات العامة بالوزارة، تم تجنيد فريق عمل كفء لاستقبال شكاويهم. وفي حال قيام أحد العاملين في شركة ما بتقديم شكوى إلى إدارة العمل، فإن الوزارة تعمل على تسوية الشكوى وتقوم باستدعاء صاحب الشركة أو من يمثلها، كما تطلب منه تقديم المستندات المرتبطة بموضوع الشكوى للتحقيق في أسبابها. وفي حالة عدم التوصل لاتفاق، يتم تحويل الشكوى للمحكمة للبت فيها. كل ما سبق يعتبر إجراءً متميزاً تشكر عليه الوزارة لأننا في صف العامل الضعيف الذي يبحث عن حقوقه. ولكن، وللأسف، من هنا تبدأ المشكلة والمعاناة أمام الشركات وأصحابها. ففي البداية يتم إغلاق رقم المنشأة، والرقم الشخصي لأصحابها، ويتم التعميم إليكترونياً على جميع وزارات الدولة المعنية، بعدم إجراء أي معاملة للشركة أو أصحابها. وعندما تذهب لتجديد السجل، أو لتوثيق عقد، أو لتقديم طلب استقدام عمالة، أو لتجديد إقامات الموظفين يصدمهم الموظف بقوله: نأسف بعدم القدرة على تنفيذ المطلوب لأن قيد المنشأة (أو البطاقات الشخصية لأصحابها) عليها "بلوك" (يعني مغلق التعامل بها) وعليكم الرجوع إلى وزارة العمل لأن الإغلاق تم من قبلهم. وعندما تتم المراجعة يتضح أن الإغلاق تم بسبب الشكوى المتقدم بها العامل على الشركة والتي لم تحل ودياً ومن ثم أحيلت للقضاء للبت فيها.
ومع أن المجلس الأعلى للقضاء وضع آلية للبت في القضايا العمالية بسرعة كبيرة، إلا القاضي، احتراماً لنفسه وللعمل الذي يؤديه، يجبر على تلقي المذكرات من الجانبين، ومن ثم يضطر إلى إحالة موضوع الشكوى إلى خبير ينتقل إلى موقع الشركة لمعرفة أسس الشكوى الحقيقية، وبعد أن يقدم الخبير تقريره للقاضي يتم إعلام المتخاصمين بورود التقرير، ويعطي كل طرف الفرصة للرد على ما جاء بالتقرير. وبعد أن يطمئن القاضي بأنه سمح للمتخاصمين بإبداء وجهة نظرهم، وأنه قد قام بتغطية تفاصيل الشكوى من جميع الجوانب، يصدر الحكم الذي يراه صحيحاً ضمن بنود القوانين المعمول بها في قطر.
إنه ليس من حق وزارة العمل قانونياً، أو أخلاقياً، أن تعمل "بلوك" أو حجز على قيد المنشأة أو أصحابها، لأن الحق بعد تحويل الأمر إلى القضاء انتقل منها إلى جهة محايدة بذاتها لها السلطة في إصدار الأحكام وتنفيذها. إن الإجراء الذي تقوم به الوزارة كأنه "لوي ذراع" لصالح العامل صاحب "دموع التماسيح"، تقوم به الوزارة لإجبار صاحب الشركة أن يقوم بالمصالحة مع العامل، سواء كانت الشكوى حقيقية أو كيدية، لأنه إن لم يفعل ذلك سيتوقف نشاط الشركة بسبب مبلغ تافه ادعى به العامل على الشركة. في حين أن الوزارة تقف موقف المتفرج من الهروب اليومي لمئات العمالة الوافدة من الشركات القطرية، وما تتكبده تلك الشركات من جراء ذلك. وعندما يمسك العامل الهارب تقوم الوزارة مع وزارة الداخلية بتحميل الشركات أعباء ترحيل ذلك العامل متناسين ما تحملته الشركات من مصاريف لجلب العامل من بلده وعدم قيامه بالعمل لصالحهم لتنفيذ الأعمال المتفق عليها. وهذا يدل على غياب الشراكة والتنسيق بين الوزارة ورجال الأعمال لصالح الاقتصاد القطري.
وفي الختام نقول إن عمل وزارة العمل من ناحية إجراءات التعامل مع شكاوى العمال وتحديد الجنسيات من قبل اللجنة الدائمة للاستقدام بدون النظر إلى طبيعة تخصصها سيجبر المستثمرين المواطنين وغير المواطنين بالخروج من السوق المحلي والتوجه للاستثمار خارج قطر بسبب الإغراءات والمميزات الرائعة التي تقدمها الكثير من دول المنطقة وغيرها للمستثمرين الأجانب وخصوصاً القطريين.
والله من وراء القصد،،
المتقاعدون ولائحتهم التنفيذية
البيت يتطلب صيانة مستعجلة، وهذا يتطلب مبلغاً نقدياً، والمعاش التقاعدي وللأسف لا يتبقى منه شيء، وحلاً لهذه المشكلة... اقرأ المزيد
16265
| 23 أغسطس 2020
المتقاعد وحقوقه المهدورة
تكلمنا في المقالات الثلاث الأخيرة عن حقوق المتقاعد، وذكرنا في المقالة الأولى "المتقاعدون" (انظر الشرق 7/6/2020)، وركزنا فيها... اقرأ المزيد
10201
| 26 يوليو 2020
المتقاعدون وبدل السكن
عندما تدخل أي مجلس من مجالس أهل قطر ستسمع شكاوي المتقاعدين عما يكابدونه من مشقات المعيشة، ويتصدر شكاويهم... اقرأ المزيد
18225
| 12 يوليو 2020
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2679
| 30 أكتوبر 2026