رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
«مسافر زاده الوهم». سيكون هذا شعار المستقبل! الخيال لم يعد متاحا بعد الآن.. فبضاعة أعداء الإنسانية الوحيدة المطروحة في الأسواق، وعلى الإنترنت، وفي كل مكان، أوهام في أوهام!.
أصبحت الأمور الآن واضحة لكل ذي عين ترى، لقد أكمل أعداء الإنسانية، أو يكادون، البنية التحتية لنظامهم العالمي الجديد، عملية طويلة من الاستبدال المنهجي لأنظمة الحياة الطبيعية بأنظمة «صناعية» لاستغلال الشعوب في كل تفاصيل الحياة- المال، والماء، والغذاء، والصحة، والتعليم، والمعلومات، وحتى الإيمان، والإنسان، الذي يصنعون بديلا عنه، (السايبورج)، والأقنعة التي يضعونها على الوجوه ويرتكبون بها كل الموبقات، فينتحلون بها الشخصيات، ويُحيون من مات، أو هو ميت حي، مثل الرئيس السابق بايدن.. مرحبا بكم في عالم المسيخ الدجال!.
ما بدأ صغيرا وقليلا كتغييرات متفرقة، من أجل، و»بفضل» التقدم العلمي، تحوّل إلى عملية متكاملة على كل المستويات لجعلنا نعيش بالكامل في عصر اللا واقع، أو «هايبر رياليتي، Hyper-Reality»، أو عصر المسيخ الدجال، استبدال كامل للواقع الحقيقي بواقع صناعي تصنعه الفرامانات والقوانين اللا ديمقراطية، وليس التطور الطبيعي للحياة، واستبدال الملكية الخاصة بإمكانية الاستخدام فقط، واستبدال الكفاءة بالولاء والطاعة.
لقد نفذت الحكومات التابعة للنخب عملية إفقار منظمة بطريقة مهندسة ومحسوبة لجعل الملكية الفردية أمرا بعيد المنال. مثلا: في أمريكا الشمالية، في عام 1950 كانت نسبة ملاك المنازل من الشباب، في الثلاثينيات من العمر، 52%، بينما انخفضت إلى 13 % هذا العام 2025، وستظل تنخفض. على أن نزع الملكية التدريجي لا يتوقف هنا. قبل أيام أصدرت السلطات الكندية قانونا جديدا بفرض غرامة قاسية، 30 ألف دولار، على أي فرد يضع قدمه في الغابات الخاضعة للتاج البريطاني، بحجة منع الحرائق. وبحسب الموسوعة الكندية فإن 90 % من أراضي كندا خاضعة للتاج البريطاني! أي أنهم يصادرون حرية الشعب معظم أنحاء بلده بحجة تجنب إشعال الحرائق. والسبب الحقيقي، بحسب مراقبين، هو مصادرة ملكية الشعب الفعلية لتلك الأراضي وإكمال تجارب خطة السيطرة والتحكم التي بدأت مع مسرحية كورونا، وطبقت بقسوة في كندا واستراليا وأمريكا بالذات.
لقد زيفوا كل شيء وطمسوا كل الحقائق وجعلوها وهمًا. وكل هذا نتاج نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي تم تعديله بنظام النقود الورقية الوهمية غير المدعومة بغطاء الذهب الذي دُشن بإعلان نيكسون الشهير في 15 أغسطس 1971، والذي مهد لانفجار ظاهرة الخصخصة التي خلقت بدورها ندرة وغلاء وصعوبات مصطنعة في كل مجالات الحياة، وساهمت في تعزيز السيطرة على الحكومات. لقد سحبوا من الحكومات كل الحقوق التي أقرتها اتفاقية «ويستفاليا» إلا حق احتكار العنف.
ومن الآن فصاعداً سيستهلك النظام العالمي طاقات البشر وفق «قوانين السخرة»، التي تفرضها خطة كلاوس شواب لإعادة ضبط العالم: لن تملك شيئا وستكون سعيدا!. وأي مستقبل ذاك الذي لا يكون فيه للإنسان أمل في امتلاك شيء، ويكون سعيدا!. في عالم «شواب»، ذاك، ستكون المعادلة هي الامتثال والطاعة مقابل الحياة، (الأكل والشرب والنوم)، وإما الموت. وهذه العملية أبعد كثيرا من صناعة الفقر التي ناقشتها سابقًا. فهم لا يكتفون بالتحكم المالي والسياسي، بل يغيرون قواعد اللعبة كلها للتحكم الكامل في الشعوب، وفق برنامج «إم كيه ألترا»، الذي أظهرت قضية، منظورة أمام القضاء الكندي في مونتريال حاليا، لضحايا البرنامج أنه لم يكن تجارب معزولة، بل عملية تكييف نفسي شاملة للمجتمع بأسره.
هذا ما تؤكده كاثرين أوستن فيتس المسؤولة السابقة بالإدارة الأمريكية، في كتاب جديد بعنوان «النهب: تمويل البانوبتيكون». والبانوبتيكون كما شرحته من قبل هو سجن دائري يمكّن السجان أو «الأخ الأكبر» من رؤية ومراقبة المسجونين طول الوقت. تتحدث الكاتبة عما تسميه «المؤامرة الكاملة»، وتكشف عن تبخر أكثر من 36 تريليون دولار من الميزانية الأمريكية قائلة: «إن من يحكموننا يشنون حربا علينا.. إنه «انقلاب مالي». تضيف: أنظمة التحكم والمراقبة لا تراقبنا فحسب، بل تُهيئنا باستمرار لضمان الامتثال»، وهذا يجعل الحرية وهما آخر. وتشرح: «فكرة «بانوبتيكون» تُنشئ الركيزة النفسية التي تجعل الاستغلال والخضوع ممكنًا... نحن لا نُسرق فحسب، بل نُبَرمج للرضوخ لسرقتنا.» خير مثال على ذلك هو قانون حظر الاقتراب من الغابات في كندا. إنهم يصادرون 90 % دفعة واحدة من الأراضي!. لعقود وعقود كان الناس يخرجون في الصيف وحتى في الشتاء للتخييم في الغابات والجبال، بلا قيود في بلاد الحريات. الآن بات محظورا عليهم ذلك. المشكلة الحقيقية ليست هنا، بل فيما سيلي. فتنفيذ هذا القانون يتطلب فرقا وأجهزة رقابة شبه شاملة. وهم بذلك يحولون الهواء الطلق إلى بانوبتيكون. وبمجرد ترسيخهم هذه السلطة وخضوع الناس لها، ما الذي يمنعهم من استخدامها بحجج أخرى؟!. عندها تصبح حالات الطوارئ ذرائع متكررة لتقييد حرية البشر. وتصبح القواعد المؤقتة أدوات دائمة للتحكم وتصبح حرية التجول امتيازًا يُمنح بشروط. وهنا سيكون عليك أن تشتري ما كان مجانيا سابقا. وتصبح حريتك وحقوقك شعاراتٍ وأوهامًا.
تقول كاثرين فيتس وغيرها إن هذه تجربة أخرى، بعد تجربة كورونا، لمدى السيطرة والتحكم اللذين يمكن أن تصل إليهما النخب في مصائر البشر قبل أن يبدأوا بالاحتجاج. وتضيف: «وهذه هي قمة الشر: نظام معقد لدرجة أنه لا يحصد ثرواتنا فحسب، بل قدرتنا على الإدراك والمقاومة»، ويغرقنا في الوهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4881
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1410
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
987
| 06 أغسطس 2026