رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الدول العربية لم تستوعب الدرس ولم تفهم المخطط الكبير الذي يحاك ضدّها
يصعب تفسير الموقف المهين المشين للدول العربية والإسلامية - باستثناء موقف تركيا - وبما فيها دول الخليج العربية الذي وقفته تجاه مايحدث في سوريا في أرض الشام من قتل وتشريد لشعب سوريا الذي خرج مطالباً بالحرية والثورة على نظام الفساد والاستعباد من نظام البعثي بشار الأسد الذي يبدو وكأنه لا يعبأ بأحد ولا يجرؤ على إيقافه أحد، خاصة عندما وجد هذا الصمت المطبق على جرائمه وأفعاله التي تدلل بلاشك بأنه متجذر في الإجرام، كيف لا وهو يحذو حذو والده حافظ الأسد الذي فعل الأفاعيل وارتكب الأهوال في أهل حمص وحماه وفي سائر سوريا .. لا لشيء إلا أنهم أرادوا أن يمارسوا حريّتهم في عبادة ربّهم والتمسك بدينهم ولكنه أراد لهم خلاف ذلك وظنّ ابنه بغبائه إن سكوت شعبه طوال هذه السنين إنما هو دليل على وأد الدين في أنفسهم وذوبان شخصيتهم الإسلامية واضمحلال شعائر دينهم فما لبث أن رأى صحوة من جديد قيّظت مضجعه وأرّقته فاستعان بجنوده وأنصاره في إيران ولبنان والعراق ليعينوه على قتل شعبه، فوجد استجابة سريعة من ايران ومن حزب الله تؤيده على خنق شعبه بل وقتلهم دون رحمة، انتقاماً وحقداً على كل مامن شأنه أن يرفع من كلمة الإسلام ويطمس راية الشرك والكفر بالله.
هذا الموقف المعيب من الدول العربية والإسلامية – باستثناء تركيا مجدداً – لا أجد له تفسيراً إلا انعدام الإحساس بالغيرة أو بالمسؤولية الدينية والوطنية والقومية من حكام ورجال السياسة في تلك الدول التي اتخذت موقف المتفرج الذي جلس متكئاً على أريكته الوثيرة ليشاهد فيلماً مرعباً بطله الرئيس بشار الأسد وضحاياه الشعب السوري فأخذ يتفرج منذ بداية الفيلم حتى ازدادت وتيرة المشاهد عنفاً وقتلاً وسفكاً للدماء وتنكيلاً للجثث بوحشية كوحشية التتار والمغول، ولكنه لم يتفاعل مع ذلك كلّه ولكنه عدّل من جلسته قليلاً وأخذ يشرب المزيد من الكوكا كولا الأمريكية ويأكل المزيد والمزيد من البوب كورن الأمريكي ويعقبه بالمزيد والمزيد من البرجر من أشهى المطاعم الأمريكية، في بلادة تامّة لا تنطبق إلا على الموتى الذين لا يشعرون أو يشعرون فلا يملكون التحرك من مكانهم.
إن موقف تركيا وعلى الرغم من أن البعض يقلل من شأن موقفها ويزدريه بل وينتقده بكل سذاجة، إن موقفها ليس هو الموقف المطلوب في مثل هذه الحالة وإنما هو على أقل تقدير، موقف رجولي إنساني سريع ومتأثر لما يجري من انتهاكات لا يزال يعاني منها شعب عربي مسلم على أرض الشام، وما المواقف العربية الأخرى إلا مواقف لا ترتقي إلى الموقف الرجولي البطولي الذي نأمله ولا نزال نأمله من حكام الدول العربية على الرغم من بلوغنا لمرحلة اليأس من تحركهم أخذاً بالمثل المعروف " الضرب في الميت حرام ".
لقد شعرت بأننا حيال ارتكاب هذه الجرائم من قبل هذا الطاغية المستبد في شعبه، شعرت بأننا لا نملك قوى سياسية لا عربية ولا إسلامية قادرة بأن تدافع عنا في يوم من الأيام، فالذي يتفرج على مجرم كهذا ولا يملك أن يقول له شيئاً أو ينهره أو يزجره ، حريّ به أن يتفرج على الدوام فلا يرتجى منه أن يفزع لمنكوب أو أن يغيث ملهوف حتى وان استجاره أو استعان به، بخلاف ما كانت تفعل العرب قديماً عندما كانت تُهيب بقدر المستغيث والملهوف والمنكوب فترفع قدره وتُعِزّ مكانه وتُجل شأنه وتأخذ حقّه.
إن امرأة وصلت استغاثتها بمقولتها ( وا معتصماه .. وا إسلاماه ) للخليفة المعتصم بأنها وقعت في أسر الروم وطلبت نجدته عندما دخلت جيوش الروم إلى الشام فما كان منه إلا أن خرج على رأس جيشه آخذاً بثأرها وبثأر المسلمين ممن انتهكت حرماتهم وسلبت ديارهم، مستنصراً لدينه ولإخوانه في الإسلام من جيوش الكفر والضلال، وهانحن نرى ونسمع منذ شهور مئات وآلاف الجرائم ترتكب على مرأى ومسمع من جميع الحكام العرب من هذا الجيش البربري التتري المغولي بقيادة المجرم السفّاح بشار الأسد الذي يفعل فعل الروم والصليبيين بل واليهود في شعبه دون أن يتحرك لإيقافه أحد من "المتفرجين".
إن دول الخليج العربية وغيرها من دول العالم العربي والإسلامي يبدو أنها لم تستوعب الدرس الذي لا تزال تجري أحداثه في العالم العربي والإسلامي، ولم يفهموا المخطط الكبير الذي يحاك ضدّهم من قبل أعداء الأمة الخارجيين والداخليين، وبالأخص بعد ماجرى من أحداث في البحرين، حيث تجلى بشكل قطعي المخطط السرطاني الذي ترمي إليه إيران بتوسعها شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً من أجل إزالة الكيانات المعادية لها وإطاحتها كحكومات وإبادتها كشعوب مسلمة، ففي حين تجلّى لنا هدفهم بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إطاحة كيانات دول الخليج كحكومات وإبداتها كشعوب من أجل اقتسام الثروات، فتستحوذ الولايات المتحدة على المزيد من البترول والغاز وتستحوذ إيران على المزيد من التوسع في الخليج تمكيناً لها من أجل استئصال جذور الإسلام في مهده وإقامة الشرك الأكبر على أرض الجزيرة كما تفعل إيران على أرضها ولاتزال.
لو كانت دول الخليج تعي ذلك الدرس لانتبهت وتجمعّت في موقف واحد إزاء كل ما يجري وشاركت تركيا موقفها الإيجابي وتحركت بشكل سريع وقوي لا كما فعلوا بتلكؤ واضح واستحياء تام في قضية سحب السفراء الذي أصبح أمراً اعتيادياً لايجدي نفعاً مع طاغية كبشار الأسد أو كمعمر القذافي، بل وللأسف الشديد اتخذت بعض دول الخليج موقفاً مناهضاً لأهل السنة والجماعة وزجّت إحدى دول الخليج بمئات وآلاف الدعاة في السجون بينما جلبت دولة خليجية أخرى شركة أمنية أمريكية لمساعدتها على اجتثاث ومراقبة كل من تصنّفه – أي الشركة الأمنية - من الأصوليين أو الإرهابيين أو غيرها من الألفاظ الكاذبة، وفي الكويت يوقف عن الخطابة لمدة أربعة أشهر الشيخ نبيل العوضي نظراً لتكلمه عن النظام السوري، أما في قطر فنستضيف مقتدى الصدر بل ونتيح له الفرصة ليقف موقف الواعظ في جامع عمر بن الخطاب دون النظر إلى جرائمه وأفعاله في أهل السنة في العراق ودون الالتفات لمشاعر أهلنا في البحرين التي لم تبرأ بعد، كل ذلك يُشكّل في النهاية غياباً للتعاون والإدراك بضرورة التحرك قبل أن تحل بنا المزيد من الجرائم وتحاك ضدنا المزيد من المخططات.. فلا مجيب وقتها لنداءاتنا ولا لصرخاتنا .. حتى وإن صرخنا .. ( وا إسلاماه ).
إن أريد إلا الإصلاح
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) قالها سيدنا شعيب عليه السلام لقومه ويقولها في الماضي والحاضر أقوام وبشرٌ... اقرأ المزيد
4007
| 09 يناير 2015
الفساد والأربعين حرامي
ونحن نقرأ الصحف في وطننا وفي سائر دول الخليج والعالم العربي والإسلامي نلاحظ أن كثيراً ما تقع أعيننا... اقرأ المزيد
1080
| 02 يناير 2015
وزير سابق
من الملاحظ أن الكثير من أصحاب الرأي والخبرة والعلم والمعرفة ممن استلموا مهمات قيادية في أوطانهم في مرحلة... اقرأ المزيد
1145
| 26 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10470
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3654
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2532
| 08 سبتمبر 2026