رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب يملك الجسارة في شبابه والشباب يريد تحقيق مصر القوية
ليس هناك سبيل لإعادة عجلة التغيير إلى الوراء. وكل ما يجري على أرض مصر، محاولات خارج مسار التاريخ وليس لها إلا أحد نتيجتين: إما انتصار الثورة ـ رغم محاولات البعض لإلغاء تعبير انتصار الثورة وكأن نتائج أي صراع غير الانتصار أو الهزيمة ـ أو حمام دم يزيح طليعة الشعب من الشباب الثائر.
المواجهة منذ 11 فبراير كانت على محورين الاعتقالات والمحاكمات العسكرية السريعة لكل من تطال أيديهم. المحور الثاني إرهاب الشعب في خطة منظمة، وإطلاق الإعلام لتغيير المفاهيم حول الوقائع. حرب نفسيه وحرب مادية والهدف واحد إخراج الشعب من معادلة القوة في المجتمع.
الكل في مصر يتكلم، ولم يعد هناك من يخفي وجهة، فالجميع يحارب معركته الأخيرة، عدا هذا الشباب الصابر والقابض على ثورته كالقابض على الجمر.
الصراع في مصر، وعلى مصر دار دورات كثيرة عبر التاريخ، البعض منها انتصر فيها الشعب، والبعض الآخر انتصرت فيها قوى معادية للشعب، وقد يكون في الحساب بعدد السنين أن أزمنة انتصار الشعب أقل بكثير من أزمنة سيادة أعدائه، ولكن دوما كانت الفترات البينية فترات إعداد وتجهيز، ولم يتوانى أعداء الشعب في الداخل والخارج من العمل أولا على تفريغ انتصار الشعب من مضمونه ومن بعد ذلك حصاره والإجهاز عليه.
حياة الشعب فوق تراب مصر قصة صراع منذ بدأ الخليقة، والصراع تتحدد نتيجته بكلمتي النصر والهزيمة، وليس هناك فرصة للتعايش بين طرفي الصراع، ولكن ما يعتقده البعض هدنة في الصراع، هي فترات لإعادة تقييم المواقف والإعداد لجولة جديدة، سواء أدرك هذا أطراف الصراع أم أن أحدا يدعي أنه الموات والنهاية.
دائما كان هناك الفرعون، وكان هناك كهنة المعبد، كان الفرعون تارة قائدا عسكريا أو كان حكيما، أو كان موحدا، ولكن كهنة المعبد كانوا ذاتهم، ولم يكونوا الوطن ولا حتى الفرعون، فالفرعون أداة إن هي استهلكت أنقلب الكهنة عليه وربما قتلوه وهم الذين نصبوه إلها.
وهكذا صار الكهنة تعبيرا عن مصالح غير مصالح الشعب، ومن بينهم تخرج الخيانة للإله الفرعون الذي صنعوه ليحقق لهم مصالحهم.
ويتلون الكهنة حسب المواقف، ولا تعنيهم حمامات الدم، بل قد يصنعوها في بعض المراحل ليوطدوا مكانتهم. لم يخرج منهم قائد عبر التاريخ، وكان دائما القائد يخرج من الشعب، سواء للعدل أو للتحرير، فلم يرصد التاريخ حملة لمواجهة الظلم أو العدو المحتل خرجت من المعابد وقادها الكهنة.
كان الفرعون ينصب ابنه كبيرا للكهنة حتى بأمن شرهم، وليضمن أن ينصب الابن بعد وفاته ملكا، فقد كان الحكم يؤول إلى ابنة الفرعون وكان عليها أن تتزوج كبير الكهنة، هكذا كانت المناورات المضادة بين الفرعون وبين الكهنة.
ومع تطور المجتمع وعبر عصوره تغير مسمى الكهنة، ولكن تغير الاسم لم يكن يعني تغير طبيعة الرابط بينهم وبين غاياتهم، والذي كان دائما "مصلحة غير مصلحة الشعب".
اتخذ خط المصالح مسارا رأسيا، من رأس المجتمع ممتدا داخل طبقاته إلى قاع المجتمع، حتى تجد فيمن يدفعون ثمن العبودية والظلم من يكون "مدعيا الكهانة أكثر من الكهنة"، تتعجب أنه يتحدث بلسانهم مدافعا عنهم بينما هو لا يجد لقمة العيش الكريمة، ويستطيب الاستعباد.
وفي زمننا قد تجده موظفا أو طالبا أو عاملا أو مهنيا بل والأدهى قد يكون مرتديا مسوحا دينيا، فالشعب الذي نادي بالتوحيد قبل إبراهيم أبو الأنبياء، على يد اخناتون، يجري في عروقه الدين مجرى الدم.
دورة التاريخ التي نحياها خرج فيها الشعب لمواجهة الطغيان والفساد ولم تكن المؤشرات توحي أن الثورة قادمة ولا حتى أثناء المواجهة أنها ثورة شعب لن يتراجع.
المفاجأة أخذت بعقول الكثيرين في الداخل والخارج، وكان من الضروري أن يمضي بعض الوقت ليجمعوا شتاتهم ولبناء مواقفهم لمواجهة المتغيرات التي جرت، ذات أداء الكهنة عبر التاريخ.
مصر الآن تضع أملها في هؤلاء الشباب الذين لا نعلم أسماءهم، ولا ندرك وجوههم، فهم جنود المشاة في معركة دورة التاريخ الجديدة.
عرقهم عطر عرس الحرية، ودمائهم تزين وجه العروس مصر.
يأخذ البعض على الشباب أن هناك عشرات التشكيلات التي أعلن عنها، ويأخذون عليهم أنها دلالة انقسام، وأراها دلالة عدم ثقة فيما هو معروض عليهم مما سبق الثورة من تشكيلات أو أشخاص، وهي أيضا محاولات لتنظيم الجهد، وهي ثالثا محاولات لإضافة عمق الرؤية إلى الأداء العملي.
نعم كانت محاولات الفصل بين الشباب والشعب هي الفتنة الأولى التي جرى صياغتها للانحراف بالثورة، والآن يخرج علينا المتحدثون من الحركة الرامية لإجهاض الثورة في تنظيمي الإخوان وحزب الوسط الدينيان لمحاولة اغتيال أداء الشباب.
انضم التنظيمان اللذان ما كان لهما وجود من دون الثورة إلى الجانب الآخر المضاد للثورة، وصار المبدأ الحاكم لحركتهم ومواقفهم هو مجرد الوجود، وأكدا أن غياب المشروع السياسي لديهما يتجاوز حدود الاتهام بعجز في الرؤية، إلى خطورة الأداء، ولا أتوقع أنهم ومن على شاكلتهم سيبقون في الحلبة السياسية طويلا، وتحددت مهمة التطهير القادمة أمام حركة الثورة في مواجهتهم، ليس رغبة في الافتراق ولكنها خنادق الصراع وقواه تفرض نفسها.
من يتابع وقائع الأسبوع الماضي بين يومي 8 يوليو و15 يوليو، يدرك أن خروج الشعب يوم 8 يوليو أصاب المتواطئين والمتباطئين بنوبة هيجان تدلل على حجم الوعي الغائب وعلى عدم القدرة السياسية.
حكومة الدكتور عصام شرف سقطت، وأيضا اتضح للجميع ـ عداه هو شخصيا ـ أنه ليس رجل المهمة، وسيمر بعض الوقت حتى يدرك شرف وجوب الاستقالة، فكل ما نقل عن مشاوراته لتشكيل وزارة جديدة يؤكد أنه بلا رؤية وأنه عبء على الثورة ومهامها.
وبيان المجلس العسكري الذي ألقاه اللواء الفنجري أضفي بعدا جديدا من التوتر على المناخ العام، ودقت طبول الكهنة فرحا، وخرج الإعلام كاشفا أنه مازال في حاجة إلى التطهير، فموجة التحريض التي يمارسها الإعلام في مصر تكشف أنه مستقر في خندق معاد للثورة.
المهمة الحالية أمام الثورة هي إقالة شرف وحكومته، ومن ناحية أخرى أن تصل رؤية الثورة واضحة للمجلس العسكري، والتي يعبر عنها شعار الخبز الحرية والعدالة الاجتماعية.
على الثوار اتباع تكتيك مداه التقدم حتى التلامس بأطراف الأصابع، ومن ثم التراجع، وهو تكتيك الوجود لإعادة الوعي لدى الأطراف الأخرى، وليس تكتيك الاشتباك الكامل، لأن الاشتباك بالإضراب أو العصيان المدني يفرض مهام أخرى باتجاه حشد كل المجتمع، لا يتأتى إلا بالتواصل الكامل مع قوى المجتمع المؤثرة، وهو ما لم يكتمل بعد، ومازال متروكا للتداعي الذاتي.
لم يكتف المجلس العسكري بالبيان ولكنه ألحقه بمؤتمر صحفي، ومن بعده توالت المشاهد من جمع لتوكيلات لتأييد المجلس ومظاهرات بمصر الجديدة لتأييده، واقتحام للاعتصام بمدينة طنطا، وأخيرا دخول اللواء المهدي المكلف بالإعلام إلى التحرير لمناقشة المعتصمين والمعتصمون يرفضونه ويرفضون سماعه، بعد اتهامه لبعضهم بالخيانة.
مشاهد تؤكد خطأ في إدارة الموقف، كتب عنها الكاتب الصحفي جلال عامر "ثورة لها جسد وبلا رأس ومجلس عسكري له رأس وبلا ثورة".
بهذه التصرفات وضع المجلس العسكري نفسه طرفا في مواجهة الشعب.
العلاقة بين حركة الشعب والمجلس العسكري ليست مسؤولية الشعب وحده، بل مسؤولية المجلس العسكري أيضا، فمن غير المقبول التغاضي عن وقائع الأشهر الماضية منذ إزاحة مبارك، وخلالها لم يقدم المجلس العسكري ما يبني العلاقة مع الشعب، بل دخل في يقين كل المراقبين أن انحياز المجلس للنظام القديم قائم على نحو تعاملاته مع قضايا الفساد ودخل شريكا معه في هذا النائب العام، وأخطر من هذا وضع المجلس العسكري أمر الثورة بيد لجنة البشري والإخوان المسلمين وهو ما حاول المجلس نفيه، ولكن وقائع الأمور كانت تدلل على ذلك رغم هذا النفي، وغير هذا لم يفصل المجلس بين العناصر المنتمية للثورة وبين البلطجية، بل كانت المحاكمات العسكرية تطول شباب الثورة ولا تطول أركان النظام.
المجلس مطالب أن يقدم دليلا على الاستيعاب السياسي لمتطلبات الثورة، وأن يعدل عن انحيازاته، وأن ينحاز للثورة ولا يلقي بها فريسة لادعاءات تنظيمات وكيانات سقطت مع الثورة كما سقط الحزب الحاكم، بما في ذلك الكيانات التي اكتسبت الوجود العلني بقيام الثورة.
الاحتياج في اللحظة أن تكون ممارسات المجلس العسكري وقراراته لصالح الثورة.
لا تختزل الثورة في رؤية ممدوح شاهين والبشري ومن ورائه الإخوان، هناك 45 مليون مصري تحت خط الفقر، لن تخدمهم محاكمات الفساد وحدها ولا حقوق الشهداء والمصابين المهدرة، ولكن يحققها الاستيعاب الجاد لمدلول شعار الثورة "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية".
نحن نحتاج لإعلان سياسي يوضح ماذا تعنون بأنكم مع الشعب، واستمرار الأمور مبنية للمجهول تزيد عمق الاختلاف وتآكل الثقة، والسؤال لمصلحة من غياب الرؤية؟
كيف ترون الفترة الانتقالية التي انقضي منها ستة أشهر، ولا شيء يتحقق إلا بجهد من الشعب وتضحيات، بينما هناك حملات معادية لمطالب الشعب واحتياجاته.
الحياد بين الشعب وأعداء الثورة انحياز مضاد للشعب.
تطهير الإعلام والقضاء والجامعات وإدارة الدولة مهام لم تتم بعد. ولا يمكن إتمامها إلا برؤية سياسية تتبني مدلولات التغيير، والثورة أيها السادة علم تغيير المجتمع، وليس مجرد إزاحة نظام حكم، ولكنها بناء مجتمع بالوعي والإرادة.
وهناك الفساد السياسي، وهو ينطبق على كل من راوغ الشعب طوال الحكم السابق، ويشمل من كانوا بعيدين شكلا عن الحزب الحاكم، وينضوون فعلا داخل عباءته، وأولئك الذين فاوضوا النظام وأمن الدولة لينالوا حظا من الوجود، هؤلاء لا تصلح معهم توبة فهم يأكلون على كل الموائد، وهم اليوم أقرب إلى مجلسكم من الشعب، ومكانهم محكمة الفساد السياسي، فلا تستبدلوا الشعب بهؤلاء.
الشعب يملك الجسارة في شبابه، والشباب يريد تحقيق مصر القوية، فهل تدفعون بشباب مصر وذخيرة المستقبل فيها إلى أن يشق طريقة عنوة فوق بحر من الدم، ويومها لا عاصم من غضبة الشعب.
لست يا أمير الحكم، فلا تصالح مع الفساد، مهما تعددت مناوراتكم.
وكأننا بأمل دنقل ينقل صرخة شهدائنا: هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟، أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء، تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
لا تنسوا أن شعب مصر في رباط إلى يوم الدين، ودورة التاريخ هذه لصالح الشعب وإن طال الزمن.
كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص... اقرأ المزيد
78
| 07 يونيو 2026
امتحانات الثانوية.. صناعة أجيال تبني الوطن
مع انطلاق اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني للشهادة الثانوية للعام الأكاديمي 2025-2026، تبدأ مرحلة مفصلية في حياة آلاف... اقرأ المزيد
90
| 07 يونيو 2026
حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم
في لحظة ما، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة عمرية، بل تتحول إلى سؤال كبير يطرق ضمير الإنسانية: كيف... اقرأ المزيد
75
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3174
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2589
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2271
| 02 يونيو 2026