رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
افتتح معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية، منتدى قطر العقاري الأول بتاريخ 4 يونيو. وجمع المنتدى الذي استمر لمدة يومين حوالي 1,500 مشارك لمناقشة القضايا التي تواجه قطاعًا متنامياً قادرًا على تحقيق نمو كبير ويملك إمكانات هائلة، ولكن مع مواجهة بعض التحديات كذلك. وقد توسع حجم ونوعية العقارات السكنية والتجارية بشكل ملحوظ في قطر خلال العقد الماضي، إلى جانب تحديث البنية التحتية استعدادًا لاستضافة البلاد لبطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 2022 وما بعده. ومع ذلك، فإن مدى تحقيق قطاع العقارات لعوائد قوية للمستثمرين بطريقة مباشرة، وتشجيع التنمية الاقتصادية، يواجه تحديات مستقبلية. وقد وفر المنتدى فرصةً ممتازةً لمناقشة التحديات والفرص ومجالات تطوير وتحسين السياسات المحلية في المجال العقاري.
وذكر سعادة الدكتور عبدالله السبيعي، وزير البلدية، أن القيمة الحالية للمعاملات العقارية تتراوح بين 20 و30 مليار ريال سنويًا. ويرى سعادته أن هذه القيمة قد تصل إلى 100 مليار ريال في غضون خمس سنوات، وهو هدف طموح للغاية سيتطلب توسيع نطاق البنية التحتية، بما في ذلك البنية التحتية القانونية، ويعني ضمنًا تحقيق نمو اقتصادي كبير لدعم النمو السكاني الناتج. ومن غير المحتمل أن تكون السياسة المتمثلة في شعار «قم ببناء العقارات وسوف يأتي المستثمرون» Build it and they will come كافية كاستراتيجية لإدارة قطاع العقارات، وقد تم الاعتراف بذلك في المنتدى. وفي الممارسة العملية، يجب أن تتضافر السياسات المختلفة والاستراتيجيات الحكومية والتجارية مع القطاع الخاص لضمان عدم تعثر هذا القطاع. وهناك اتجاه متصاعد للعقارات الشاغرة، حيث تشير التقديرات إلى وجود الآلاف من الوحدات الشاغرة في قطر للبيع أو الإيجار. وكانت الحكومة قد استأجرت حوالي 45,000 وحدة عقارية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استضافة قطر لبطولة كأس العالم لكرة القدم، ولهذا السبب فقد تعود وحدات إضافية إلى السوق بعد بعض الوقت، وهناك مجموعة كبيرة من المشاريع العقارية التي من المقرر الانتهاء منها خلال السنوات الخمس القادمة. وقد أصدرت شركة ValuStrat تقريرها لسوق العقارات في قطر خلال عام 2023، وأشارت إلى وجود اتجاه تصحيحي للسوق في جميع قطاعات الإيجارات في سوق العقارات بعد نمو الإيجارات في عام 2022. وذكرت شركة ValuStrat في التقرير أن «الزيادة في العرض المفرط تساهم في حدوث التصحيحات المنتشرة بالسوق. ونظرًا لتطور قطاع العقارات بشكل شامل في عام 2023، فإننا نتوقع استمرار التعديلات المتمثلة في انخفاض الأسعار». ودعا بعض المتحدثين في المنتدى بشكل صريح إلى التوقف عن تطوير أي مشاريع جديدة، بالنظر إلى زيادة العرض. وقد ذكر ذلك أيضًا الرئيس التنفيذي لمجموعة الفردان، السيد عمر حسين الفردان، الذي قال إنه يجب أن تكون هناك وقفة في مشاريع التطوير العقاري الجديدة، وبدلاً من ذلك، يجب على القطاع التركيز على تسويق العقارات الموجودة حاليًا والعقارات قيد التطوير. ولاحظ الفردان كيف مثَّل قطاع العقارات «قوةً دافعةً» للتنمية الاقتصادية. كما شدد على أهمية تبني وجهة نظر طويلة المدى. وكان من المتوقع حدوث انخفاض في الطلب بعد انتهاء بطولة كأس العالم، ورغم ذلك ظلت قطر وجهةً ممتازةً للمستثمرين العقاريين. وأضاف أن أسعار الفائدة المرتفعة الحالية لا ينبغي أن تثني المشترين عن الشراء؛ فمن الواقعي النظر إلى متوسط السعر خلال المدة الكاملة للقرض التي تتقلب خلالها أسعار الفائدة. وعندما يكون السوق في حالة انكماش، غالبًا ما تكون هناك فرصة جيدة تدفع المستثمرين للشراء، إذا كانوا قادرين على تبني رؤية طويلة الأجل، ثم البيع عندما يتحسن السوق. وأثار المهندس ناصر حسن الأنصاري، رئيس مجلس إدارة شركة «جست ريل استايت»، حالة استثنائية تتمثل في أن من يشتري سيارةً فاخرةً باهظة الثمن لا يتعين عليه سداد دفعة أولى، ولكن عند شراء عقار بقيمة مماثلة، يمكن أن تصل الدفعة الأولى إلى 40٪، رغم أنه من المرجح أن ترتفع قيمة العقار أكثر من السيارة، لذا يجب مراجعة اللوائح المصرفية المتعلقة بالتمويل العقاري، ومواءمتها مع الأسواق الأخرى. وهناك اختلال في نوعية المعروض العقاري، حيث يتم عرض العديد من المنازل والشقق الجديدة في سوق العقارات الفاخرة، وهناك حاجة لتلبية احتياجات الفئات ذات الدخل المتوسط والمنخفض. واقترح الأنصاري أن تكون 30٪ من الوحدات السكنية في المشاريع السكنية ميسورة التكلفة. ويمكن تحديث بعض مشاريع التطوير العقاري القديمة من السبعينيات والثمانينيات، كبديل لعملية إطلاق المشاريع الجديدة التي هي فوق حاجة السوق. وقدَّم بعض المتحدثين في المنتدى طلبًا يتمثل في التنسيق الحكومي مع القطاع الخاص عند وضع أي متطلبات جديدة، وكانت هناك في السنوات الماضية الكثير من التغييرات في المتطلبات المتعلقة بعدادات المياه والكهرباء، واستخدام الكاميرات الأمنية، مما أدى الى تحمل المطورين تكلفة إضافية خلال عملية البناء رغم حصولهم على موافقات سابقة. وخاض المتحدثون والمشاركون في المؤتمر نقاشات حول ثلاثة أنواع من المستثمرين وهم: المواطنون، والمقيمون، والمستثمرون الأجانب الذين يهدف بعضهم للانتقال إلى دولة قطر أو الذين يبحثون عن فرص استثمارية مناسبة. وهناك تركيز كبير على الفئة الأخيرة من هذه الفئات الثلاث، وهي المستثمر الخارجي أو الوافد القادم. ولكن اللوائح تحتاج إلى تنسيق: وفي الوقت الحالي، لا تُعدُ الإقامة ضرورية لشراء العقار، لكنها مطلوبة لإيصال خدمات المرافق الأساسية مثل الكهرباء والماء، وهو أمر غريب يحتاج إلى معالجة. كما تم التأكيد على أن المطورين يجب أن ينظروا إلى المشاريع من واقع احتياجات المستخدم النهائي، وهو ما يعني الاهتمام بجوانب مثل المساحات الخضراء وملاعب الأطفال وتوافر مواقف للسيارات وما إلى ذلك، حيث إن بعض المشاريع لم تراع هذه الأمور، ثم يشتكي المستثمرون والملاك من صعوبة العثور على مستأجرين. ويوفر الاهتمام الحالي بدور القطاع العقاري في الاقتصاد فرصة للنمو الكلي. ورغم أنه من المرجح أن تكون القضايا على غرار زيادة العرض، وارتفاع أسعار الفائدة والتضخم، ظواهر مؤقتة، يجب التعامل مع هذه القضايا جنبًا إلى جنب مع القضايا والاستراتيجيات الأخرى. ويجب أن تعمل السياسات الصحيحة على المدى القصير والطويل على توازن العرض والطلب. وقد أفاد بعض الحاضرين أنه من أجل دعم المخزون الحالي والمتوقع من العقارات، سيحتاج السكان إلى الزيادة من 3 ملايين إلى 5 ملايين. ولجذب عدد كبير من السكان والمستثمرين الأجانب، يجب أن تكون هناك وظائف أو فرص كافية لبناء شركات أعمال تكفي لدعم النمو السكاني، وسأتحدث عن هذه المعضلة في مقالي القادم.
معضلة الفائدة والتضخم
عاد التضخم إلى صدارة المشهد الاقتصادي، بعد فترة اعتقدت فيها الأسواق أن المعركة الكبرى ضده قد انتهت. فقد... اقرأ المزيد
357
| 22 يونيو 2026
الخليج وتسارع الثورة الرقمية
يؤكد الإعلان الصادر في أواخر عام 2025 أن قطر أصبحت أحدث دولة خليجية، بعد المملكة العربية السعودية والإمارات... اقرأ المزيد
462
| 14 يونيو 2026
أزمة السياحة في الخليج.. ما العمل الآن؟
بعد ست سنوات فقط من تسبب جائحة كوفيد-19 في توقف معظم أنشطة السفر والسياحة، يواجه قطاع السياحة والضيافة... اقرأ المزيد
531
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @Fahadbadar
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4362
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3192
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1230
| 28 سبتمبر 2026