رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الوقت الذي تعج فيه الثورات والكثير من المتغيرات والأحداث في الدول المحيطة بنا نجد أنفسنا وسط هدوء نسبي قد تعقبه عاصفة أو قد يعقبه هدوء وأمن وأمان كما كان ولا يزال الحال عليه و الحمد لله، ولكننا من يصنع الأحداث هذه الأيام ونشارك في صنع الكثير من المتغيرات على الساحة الدولية، فقطر لها جهود وتحركات على أكثر من مستوى وعلى أكثر من اتجاه، فهاهي تقف كأول دولة عربية تدعم الثوّار في ليبيا وتعترف بالمجلس الانتقالي الليبي وتبذل الجهود العربية والدولية من أجل الوقوف إلى جانب الشعب العربي الليبي في محنته ومأساته الكامنة في بقاء المعتوه معمر القذافي يعيث في الأرض فساداً هو وكتائبه، وفي مكان آخر هناك جهود أخرى لدعم مصر والوقوف إلى جانبها للعودة بها إلى مكانها الطبيعي في مقدمة وطليعة الدول العربية المتصدرة للمواقف المشرّفة للأمة العربية والإسلامية لا كما كانت عليه في عهد الطاغية حسني مبارك ومن سبقه من حكام جاؤوا بالمهانة والاستسلام أكثر من العزة والنصر لمصر ولأمتهم، فقامت قطر بتأييد ودعم الثورة المصرية ومن قبلها التونسية صاحبة الفضل الأكبر في نهضة الشعوب وثورتها على الفساد وظلم الحكام.
وفي موقف آخر تقف قطر مع مطالب الشعب اليمني المنادي بإسقاط نظامه الذي يتزعمه صاحب "النفس الطويل" لا "الظل الطويل" الذي قصرت هامته وطال لسانه فكذب كثيراً وتمادى بوعوده و مماطلاته لشعبه الذي لا يزال يسقط منه الشهداء يوماً بعد آخر، وهو – أي علي عبد الله صالح – يشاطر رفيقه الكذّاب الأشر معمر القذافي فينهال بالتهم والتهديدات والوعود لقطر ومواطنيها بسبب مواقفها المتضامنة مع الشعبين الليبي واليمني.
وهناك مواقف أخرى كثيرة منها ما هو سياسي الاتجاه ومنها ما هو إنساني كموقفها ومساندتها ودعمها لقطاع غزة ولجزر القمر ومصر وليبيا وغيرها , ناهيك عن دورها في المصالحات في السودان وفلسطين مؤخراً، كل تلك الأحداث بلا شك تجعل قطر وأخبار قطر تتصدر الصفحات الأولى في العديد من صحف العالم ولعل هذا مبعث سرور أي مواطن حينما يشعر بالفخر لمواقف وطنه بين الدول والقضايا المهمة في العالم، لكن ما يحدث على أرض الواقع بيننا كقطريين أصبح مقلقاً للكثير من الناس من أن يصبحوا ضحايا من حماقات يرتكبها القذافي أو علي عبد الله صالح أو أي عدو ظاهر أو خفي لقطر، فالمواطن القطري أصبح يخاف أكثر من ذي قبل على نفسه وعلى أسرته وعلى مجتمعه في الداخل والخارج، وليس في ذلك مداهنة أو "غشمرة " يجب أن نمررها دون قلق أو خوف أو مصير مجهول مقلق نوعاً ما. نحتاج إلى أن نهدأ وأن نطمئن إلى مستقبلنا ومستقبل أبنائنا ومجتمعنا بعد خمس أو عشر سنوات من الآن ولا نريد أن نبالغ فنقول بعد عشرين سنة وأكثر، ولكننا نحتاج إلى أن نتريث لندرك حجم المخاطر التي تحيط بنا أو تراكمت حولنا فبعد أنا كنّا " في حالنا " أصبحت الأنظار " حولنا " ولم نعد ندرك هل هذه الأنظار نظرة حقد أم حسد أم إعجاب أم انبهار أم غبطة أم ماذا بالضبط؟
الأمر الأهم الذي لابد أن تلتفت إليه الحكومة هو الرضا الشعبي الذي بدأ يتذمر من تلك المعونات التي تُعطى وتُمنح للدول يمنة ويسرة في حين أنه مستبعد من تلك الأموال التي هي من ثروات وطنه الذي عاش وتربى على ترابه ولا يريد أن يُدفن كذلك إلا فوق أرضه ولكنه يريد أن يفعل ذلك وهو يلهج بلسان الشكر والثناء لا التذمّر والتندر والفكاهة حتى أصبحت مسألة المعونات تؤثر سلباً على الناس، خاصة أن الكثيرين لا يزالون يغرقون في ديونهم وأوضاعهم المعيشية البائسة والتي لا تتفق مطلقاً مع مقولة " أعلى دخل في العالم " منذ أن غرق العالم بأسره في الأزمة الاقتصادية وحتى هذه اللحظة، خاصة أن الحكومة قد التفتت إلى البنوك فقامت بتعويضها ودعمها من أجل أن تنهض على قدميها بعد تلك الهزات الاقتصادية والتي بسببها كادت أن تعلن بعض البنوك في العالم عن إفلاسها إن لم تكن قد أفلست وانهارت بالفعل، بينما لم نجد من نتيجة أو تأثير إيجابي لذلك الدعم الحكومي للبنوك على الفوائد البنكية الربوية التي اتخذتها بعض البنوك الربوية في الدولة حجة لها كي تعوّض خسارتها في الأزمة عن طريق مضاعفة الأرباح إلى أضعاف مضاعفة أدت إلى مضاعفة ديون الناس فأصبح المواطن مديوناً لعشرين أو خمس عشرة سنة قادمة، فأين العدالة في تصحيح الأوضاع المالية والديون للمتضررين لدى تلك البنوك عندما ساعدتها الحكومة على الوقوف مجدداً؟ هل من المعقول أن نقف متفرجين ونحن ننظر إلى مستقبل مئات بل وآلاف الشباب من القطريين يهدد بالضياع نتيجة لعدم مقدرته على سداد هذا الدين الممتد لسنين قادمة؟ هل ننتظر من أولئك الشباب أن يتزوجوا و أن يفتحوا بيوتاً سعيدة؟ هل ننتظر بعد ذلك زيادة سكانية في عدد سكان قطر الأصليين ونحن نشاهد هذا العزوف القسري عن الزواج؟ هل هذه بداية النهاية لمجتمع كان آمناً مطمئناً مرفّهاً أم أنها بداية الخوف والقلق على مصير مجهول يحتاج إلى المزيد من الاهتمام بمواطنيه في الداخل ومصيرهم في الخارج كذلك... والله من وراء القصد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1650
| 04 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
831
| 31 ديسمبر 2025
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
759
| 07 يناير 2026