رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثار جدلٌ كبير حول علاقة الرواية بالتاريخ، أو تناول الرواية لأحداث معينة من التاريخ! وهل يتحوَّل الكاتب الروائي إلى شاهد عيان يستحضر الماضي بشكله الجامد ومسلماته الجاهزة؟
إن للتاريخ قوانين وأنظمة لا يجوز العبث بها، ولكن عندما نتحدث عن الرواية التاريخية فنحن لسنا بالضرورة نحتكم إلى تلك القوانين والأنظمة! بل نمارس نوعاً من الحرية الأدبية التي تتيح للكاتب نشر شخصياته داخل النص، وإن كان في فضاءات الماضي، ضمن الأطر المعروفة، حتى وإن غادر التاريخُ الحقيقي النصَّ المكتوب.
يشير الناقد وعالم السرديات الدكتور عبدالله إبراهيم في تمهيده لكتاب (الرواية والتاريخ) إلى ما حدَّده (جورجي زيدان) من أننا "لا نريد بالرواية التاريخية أن تكون حجةَ ثقة يُرجع إليها في تحقيق وتمحيص الحقائق، ولكننا نريد أن نمثل التاريخ تمثيلاً إجمالياً بما يتخلله من أحوال الهيئة الاجتماعية (المجتمع) على أسلوب لا يستطيعه التاريخ المجرد إذا صبرَ الناسُ على مطالعته.. فإن جُرّدتْ روايتنا من عبارات الحب ونحوه، كانت تاريخاً مُدققاً يصحّ الاعتماد عليه، والوثوق به، والرجوع إليه، وإن كنا لا نطلب الثقة بها إلى هذا الحد، وإنما نعرف لها مزّية هي تشويق العامة لمطالعة التواريخ بإطلاعهم على بعضها على سبيل الفكاهة". (د. عبدالله إبراهيم، الرواية التاريخية، ص 12).
أما واسيني الأعرج – وفي نفس الكتاب – فيرى أن الكتابة الروائية للتاريخ لا تعني "الاعتداء على حرمة المقدس، المُسلم به"، حيث تمت مصادرة نصه (ما تبقى من سيرة لخضر حمروش)، (1984) لأن الكاتب اتخذ من حادثة اغتيال (عبان رمضان) موضوعاً للرواية، ولم يتم وقتها الاعتراف بحادثة القتل. ولكن بعد أكثر من عشرين عاماً، يؤكد الرئيس الأسبق أحمد بن بيلا – في قناة الجزيرة- ضلوع بعض قادة الثورة الجزائرية في اغتيال (عبان رمضان)، مبرراً الأسباب بالحفاظ على وحدة الثورة، التي كانت تهددها تصريحات (عبان رمضان)، الذي طالب بضرورة فصل القيادة العسكرية من حيث المسؤوليات عن المؤسسة السياسية المدنية. وبمعنى آخر أن بطل الرواية قد دخل التاريخ عبر حادثة قتل حقيقية، ولكن الحكم آنذاك كان للسلطة السياسية التي صادرت الرواية!؟ (المصدر السابق، ص 26).
فهل يصحُّ للكاتب الروائي التدخل في أحداث التاريخ؟
يرد على هذا التساؤل هيم حسين في كتابه (الرواية والحياة)، عندما ذَكر اتجاهَ بعض الروائيين الذين رَوَوا سير شخصيات تاريخية بالقول: "الروائي الفرنسي (فريدريك تريستان) المولود في مدينة (سيدان) الفرنسية،1931، والحائز على عدة جوائز أدبية هامة، منها جائزة غونكور 1983، يتخذ من جريمة مقتل الرئيس الأمريكي الأسبق (جون كينيدي) خلفية يبني عليها روايته (دوامة المجانين)، ولا يقيد شخصياته بما قيل عن الجريمة إعلامياً، بل يُفسح لها المجال كي تُدلي بدلوها وتقدِّم مقترحاتها وآراءَها حول الحادثة".
إن ابتعاث الشخصيات التاريخية ليس عملاً إجرامياً في الرواية التاريخية، وللكاتب الحق في تصوير شخصياته – حسب رؤيته – لا كما تم تصويرها، وهنا يجنح الروائي إلى تقديم شخصياته روائياً لا تاريخياً.
ويرى بعض النقاد أنه لا يجوز محاكمة الروائي على أسلوب وطريقة تقديمه للشخصيات التي اختلقها في الرواية! كما أن (النقل التصويري) للأحداث لا يشكل رواية تاريخية بالمعنى الفني للرواية! ومثل ذلك العمل الدرامي التاريخي، والذي لا يمكن أن يكون صورة للماضي أو صورة للحاضر، "ذلك أن العمل التاريخي يعاود الرجوع إلى الماضي، ينبش فيه، يستقي منه العبر، يمارس الإسقاط الواعي المدروس، ويتنبأ، تبعاً لمعالجته الفنية، للآتي، برؤية فنية، وتبعاً لتصورات فريق العمل، وانطلاقاً من رؤية كاتب النص ومُعده، الذي يشكل حجر الأساس لأي عمل، وتكون مهمة الكاتب هنا – في العمل التاريخي – شاقة ومغامرة، عليه أن يقوم بدور المؤرخ، دون أن يتحلى بتحيّده الظاهر، لأنه ينطلق من تبني وجهة نظر بعينها، كما عليه أن يحرص على تجيير الواقع والأحداث في قوالب درامية تتضمن التشويق، معتمداً على حبكة متينة ومشغولة بعناية ".. (هيم حسين، الرواية والحياة، 67-68).
ومن الأسئلة المثارة في كتابة الرواية التاريخية، هل يكون الروائي مؤرخاً للعصر!؟ وهل يُطلب منه أن يتحلى بمصداقية المؤرخ وموضوعيته؟ أم أن الرواية تفسح له المجال للتلاعب بالتفاصيل والمصائر والجزئيات؟ هل يفضل الأمانة على البراعة؟ وهل هنالك تناقض وصراع بينهما؟ هل تكون الدقة معياراً لنجاح العمل الروائي؟ أم تكون الحرية هي الشرط الأوحد الذي يتقيد به الروائي ويستند عليه؟ هذه بعض الأسئلة التي طرحها (هيم حسين) – المصدر السابق.
وهنالك وجهة نظر لا تؤيد أن يكون الروائي حَكَماً وقاضياً على أحداث الماضي، بقدر ما هو شغوف بالنواحي الفنية في روايته! وبالفعل، فإن البراعة هنا تطغى على الأمانة، لأن الروائي ليس مؤرخاً أو مصوراً لأحداث التاريخ! وبالطبع، فإن حرية الروائي يجب أن تتجاوز الدقة أو صرامة التاريخ، وتُحلق في الفضاءات التي خلقَها الروائي داخل النص. كما أن الروائي غيرُ مُطالَب بتقديم كشف حساب حول شخصياته وأفكارهم وسلوكياتهم، وتصوَره للمكان والزمان، ولا يجوز أن يُحاكم الكاتب الروائي على " صناعته" للأحداث، لأنه – كما تقدم – لا يتلو علينا درساً من دروس التاريخ، بقدر ما هو يقوم بتقديم عمل فني أدخله في زمان معين!
ألعاب الأطفال الشعبية في العيد
العيد فرحة للصغار والكبار، ولكنه للأطفال أكثر متعة لما يحمله من فرص لاستكشاف البيئة المحيطة وتطوير صداقات جديدة،... اقرأ المزيد
90
| 22 مارس 2026
ملحمة وطنية
منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، وجدت دولة قطر نفسها أمام اختبار تاريخي جديد، اختبار لم... اقرأ المزيد
120
| 22 مارس 2026
الرواقية: فلسفة المجتمع القطري في زمن الهجمات
حين يغدو الثبات فلسفة قطرية في زمن الهجمات، فمع مرور الأيام مع محاولة اختراق الصواريخ المعادية سماء الدوحة... اقرأ المزيد
222
| 22 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
16965
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1230
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
903
| 17 مارس 2026