رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* فوق الكوكب الغريب الذي ندب عليه، تدور عيوننا اللاقطة لتستقر صور بعينها في ذاكرة لا تنسى، أهمها خفوت النزعة الإنسانية، وعلو شواهق الاسمنت أمام عيوننا لتحجب شمس الحقيقة ومعها الكثير من المشاعر النبيلة الدافئة!
وقد تسأل موجوعاً ما لها الدنيا، وكيف أضحينا نرى الحق فنحيد عنه، ونرى الجور ولا نرفعه، ونرى الحب الجميل بكل صوره فنغمطه حقه سارقين منه كل نبالته لنلطخه بأسود هو بريء منه، تتوالى صور غريبة لضرب الحب في قلبه، بينما الغدر أعلى صوتا من كل أشكال الوفاء، فهذا عق أباه فمات غاضبا عليه، وهذا ضرب عشرة العمر في مقتل وأذاق زوجته كؤوساً من الهوان والذل والظلم، وذاك صديق لا صدق له، قابل الوفاء، والوداد، والحب، والإيثار بغدر يعكر بسواده المحيط، وخامس كنت تحسبه ملاكاً أميناً فإذا به شيطان لا يجارى، أشكال وصور غريبة لبشر أشد غرابة، وكل الصور صادمة، فاجعة، وربما نلتفت لصور أخرى تشاركنا الحياة لكائنات أكرم كثيراً مما آل إليه كثير منا دون خجل، "فولتير" يقول "تخيل معي هذه الصورة لكلب فقد سيده، وبحث عنه في جميع الطرقات إلى أن وصل إلى المنزل متعبا، قلقا، ليكمل رحلة بحثه عنه بكافة أرجاء المنزل ليجد سيده الذي يحبه في نهاية المطاف بمكتبه، ويعبر عن فرحته بأنين منخفض، ورقصة مرح، ومداعبة، ثم تخيل أشخاصاً همجيين يقبضون على هذا الكلب الذي تفوق على الإنسان بإخلاصه، ووفائه، وصداقته، ويربطونه بطاولة لتشريحه حيا، ليتمكن الإنسان من رؤية الأوردة (المشاريقية) لتكتشف في نهاية المطاف أن لديه نفس الأعضاء التي لديك! أجبني أيها الرجل الآلي هل جربت الطبيعة النبيلة الكامنة من المشاعر والأحاسيس لهذا الكائن – الكلب؟" مني شخصياً تحية لائقة لكل كلاب العالم الأوفياء في عالم يموج ناسه في محيط من الكذب، والغدر، والدمامة، لا عزاء للأوفياء وشكراً جزيلاً يا كلب.
* إشارات
* عندما تجد مخالفة إما أن تكون جباناً وتسكت أو شجاعاً وتبلغ مؤمناً بأنك تحمي وطناً.
* اعتدنا في شرقنا الجميل أن من يكشف فساداً تلفق له تُهم (متخرش الميه) ومن يشير إلى مخالفة محتمياً بفضيلة الحق أحق أن يتبع نهار أبوه، وأخوه، وخاله، وعمه أسود من لون العسل الأسود! ده غير التخشيبة!
* حماية القانون من القفز عليه أهم الحمايات على الإطلاق، مهم أن يشعر أي إنسان في أي وطن أن لا أحد فوق القانون، ولا أحد فوق المساءلة، وكل الرؤوس تتساوى.
* شكراً فارعة تليق بكل مسؤول يقدم سيادة القانون على كل ما يخالفه فتتحقق العدالة.
* * * لمن يهمه الأمر فقط
* طبيب يقول للمريض وقف الأنسولين، في الزيارة الثانية للمستشفى يقول طبيب آخر لنفس المريض (إياك توقف الأنسولين) وبين إرباك المريض بوقف ولا توقف قد تضيع روح! ينفع كده؟
* العمالة النسائية المسؤولة عن (دز) المرضى إلى باب المستشفى يحتاج بعضها إلى توجيه بالعمل دون عصبية ولا تذمر، وتوعية بأنهم يتقاضون رواتبهم لخدمة المرضى.
* حبيبة مساعدة طبيب بمستشفى النساء والولادة لها كل الشكر والتحية لتمتعها بخصلة مهمة اسمها الإنسانية.
* طبيب عصبي، بيشخط وينطر، صوته عالي، لا يتمتع بفضيلة الإنصات للأوجاع، مستعجل وكأنه مسافر ينفع يعالج الناس؟
* إيمان (مثقفة السكر) برعاية الأمومة والطفل نموذج طيب لسعة الصدر، والأسلوب السهل لإيصال الإرشادات للمرضى مهما استغرق المريض من وقت. شكراً.
* قد تحاول مقابلة المدير فتعجز، وقد تحاول مقابلة الوزير فتنجز، ويدهشني تفهم، وبساطة، وبشاشة السيد الوزير، وتعقيد، وتكشيرة، وطلسمة السيد المدير!!
* إذا سمعت في أي وزارة، أو مؤسسة، أو موقع عمل أن (كله تمام) فالمؤكد أن لا شيء على ما يرام!!
* * * طبقات فوق الهمس
* من سكت على ظلم ضعيف اقتص الله منه لخرسه، ومن ساند ظالما قيض الله له من يذيقه من نفس كأسه.
* وفاء وطيبة البعض يحاصران أوجاع الفقد.
* ظلم الولايا يوقع الزوايا.. كلام جدتي:
* جميل أن نرى رغم القتامة الشديدة لضعف الهمم بشراً عاشقين للإنصاف ولبراءة الذمم.
* أمر من ألم المفاصل، والكلى، ألم اكتشافك للمشاعر المزورة، جربت؟
* الأمانة في نقل الحقيقة لا تخضع لتوصية أو إملاء لأنها أولاً وأخيراً خلق، وأصل وتربية.
* يوما ما ورغم الاتقان المبهر للتخفي سيسقط القناع الذي التصق عمراً بجلدنا فصدق الناس نقاء صورنا.
* إياك أن تقول لي إن فلاناً (واحد من بتوع ربنا) فكم من أفاق ظالم لا يترك فرضاً يقول الزور ولا يخشى حساب القبور!
* المفروض ألا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، صديقتي لدغت من نفس الجحر عشر مرات، ربما لأنها لم تسمع نصيحتي بأن من طبعه الغدر يظل على طبعه حتى بلوغه القبر!
* لم تلحظ في زحمة انشغالها بالخواء أن خزائنها كانت مليئة بكل شيء، إلا أن قلبها كان خاوياً فارغاً من أعظم شيء.
* قد ترى الأوراق التي غطت العورات تسقط واحدة تلو الأخرى، لا تفزع، ولا تُصدم، أنت محظوظ لأنك عرفت ما جهلت، فقط اغمض عينيك وقل الحمد لله.
* ذو الوجهين أخطر على الناس من مفعول قنبلتين. آي والله.
* هز قلبي وهو يقول في دعائه اللهم اغفر لكل من وورى الثرى، ولا يجد من يدعو له، اللهم اجعلني بمثابة ولد صالح يدعو له.
الامتياز التجاري (الفرانشايز)
لم يعد النمو في الاقتصاد الحديث يقاس بعدد الفروع التي تمتلكها الشركات، بل بعدد الشركاء الذين يستطيعون توسيع... اقرأ المزيد
99
| 02 يوليو 2026
كرة القدم.. تقودنا إلى اكتشاف العالم
لطالما كانت كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لكنها بالنسبة لي ليست مجرد أهداف وكؤوس ومنافسات رياضية،... اقرأ المزيد
192
| 02 يوليو 2026
ماذا خسرت دول الخليج ؟
يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ( لا نريد أن نكون شرطي المنطقة، وعلى دول الخليج أن تتحمل مسئولية... اقرأ المزيد
81
| 02 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4686
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4506
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
2844
| 01 يوليو 2026