رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ اليوم الأول لتوليه قيادة سوريا بعد الإطاحة بنظام الأسد، والرئيس أحمد الشرع يحطم رويدا رويدا جميع التصورات والتوقعات المحددة سلفاً عنه إثر خلفيته الأيديولوجية والسياسية. وبزيارته الأخيرة للبيت الأبيض ومقابلته للرئيس ترامب وما تبعها من تصريحات جوهرية-غير متوقعة، وصادمة للبعض- من قبيل عزم سوريا أن تصبح حليفا للولايات المتحدة، عدم نية سوريا الدخول فى حرب مع إسرائيل؛ قد حطم الشرع تماما جميع ما تعلق من تصورات وشكوك حول شخصيته وإيديولوجيته (تحوله السياسى فعلياً)، وسياسته.
يعمل الشرع منذ اليوم الأول له فى الرئاسه على تحقيق عدة أهداف واضحة، من أهمها، إعادة إعمار وتوحيد سوريا، دمج سوريا فى المجتمع الدولى سياسيا واقتصادياً، إبعاد سوريا عن أية توترات خارجية وعدم فتح جبهة صراع مع الجيران تحديداً. وفى سياق ذلك، يتعمد الشرع أن يبرهن أنه رجل دولة، سياسى يرغب فى جعل سوريا دولة طبيعية فى النظامى الإقليمى والدولى، ليطوى صفحة دامت أكثر من نصف قرن من العزلة والتوترات والصراعات قضت على اليابس والأخضر فى سوريا.
يعد محدد القيادة عاملاً حاسماً فى توجه الدولة السياسى على الصعيدين الداخلى والخارجى، حتى فى الدول الديمقراطية يلعب الرئيس-بصرف النظر عن صلاحياته الدستورية-دوراً مؤثراً خاصة فى السياسة الخارجية. وهذا الأمر هو العامل الحاسم فى تفسير توجه وسياسة سوريا منذ تولى الشرع، وثمة سؤالان رئيسيان فيما يتعلق بالشرع، أولهما هل الشرع تغير بالفعل-المشككين-؟ والثانى كيف تحول رأسا على عقب بتلك السرعة-المتعجبين-؟ إذ فى خضم الأخير، أحدث الشرع تحولاً راديكاليا غير مسبوق كونه أول رئيس من خلفية جهادية، وليس إسلاميا وسطيا، يعكف على التحالف الاستراتيجى مع الولايات المتحدة، العدو الأول للإسلام الجهادى.
والحقيقة أن تحول أحمد الشرع يفتح بابا من تساؤلات جدلية أكبر، من بينها الجدل الأكبر فى واشنطن منذ أحداث 11 سبتمبر، وهو، هل جميع التيارات الإسلامية واحدة فكريا وسياسيا؟، وهل يمكن أن يتغير الإسلاميون أم يتبنون نهجاً جامدا؟ وغيره من الأسئلة.
ولعل أحد أهم مفاتيح الحل يكمن فى تتبع مسيرة الشرع الجهادية، والواقع عند تتبع مسيرته كان الملاحظ فيه هو تحوله الفكرى والتنظيمى السريع، إذ الميل سريعا من أقصى التشدد إلى أقصى الاعتدال؛ وهو ما يبدو أنه كان فى حالة مراجعة فكرية مستمرة، لينتهى به الحال قبل رئاسة سوريا، بالانفصال عن القاعدة ثم جبهة النصرة بأفكارهما شديدة التطرف والعنف-المخالفة تماما لتعاليم الإسلام الحنيفة- لتشكيل هيئة تحرير الشام لأجل التخلص من نظام بشار الفاسد، والتى حكمت إدلب منذ 2017 تحت قيادته.
ويرى الكثير من المختصيين فى الإسلام السياسى، أن حكم الشرع لإدلب قد مثلت نقطة التحول الحقيقية للشرع؛ إذ أدرك أن قيادة إقليم او دولة أمراً صعباً يختلف تماما عن العمل الجهادى وشعاراته شديدة الطوباوية، أو بعبارة أخرى استكشف الأمر الواقع على طبيعته بما يقتضى ذلك من واقعية أو برجماتية شديدة للتعاطى معه؛ وهو ما تبدى من تطبيق نظام إسلامى معتدل فى إدلب وفقا لمؤسسات مصغرة شاملة لإدارة الإقليم، حتى مسيحي أدلب قد سمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية بحرية مع توافر قوات أمنية قوية لحماية الكنائس.
إذن الشرع شخص يتميز بالقابلية على المراجعة الفكرية والسياسية المستمرة-وربما ذلك استثناء فى أوساط التيارات الجهادية، وتيارات الإسلام السياسى عموما- علاوة على ذلك، محملاً بتجربة حكم سياسى تعلم وأدرك فيها ما معنى الحكم السياسى وما معنى أن تكون رجل دولة مسؤولا.
وجاء الشرع لحكم سوريا بتلك الخلفية؛ مع الاختلاف الشاشع جدا بين سوريا كدولة مركزية متعددة الطوائف، مدمرة اقتصاديا ومؤسسات غائبة، نصف شعبها مهجر، وبين محافظة إدلب. الشاهد فى الأمر، أن وضع سوريا هذا لابد أن يدفع الشرع-مع خلفيته- إلى نهج سياسة خاصة خارجية شديدة الواقعية؛ يخالف به جميع التوقعات والتصورات، وأمنيات الكثيرين العنترية أيضا.
تحتاج سوريا إلى مليارات الدولارات لإعادة الإعمار، واستقرار لإعادة الإعمار وإعادة بناء المؤسسات ومنع النزعات الانفصالية وعودة المهجرين وتحقيق الوحدة الوطنية. ومن المستحيل تحقيق ذلك إلا عبر تمتين العلاقات مع القوى الغربية لرفع العقوبات وجلب الاستثمارات ودعم سوريا وقيادتها فى النظام الدولى. ولعل الأهم من ذلك، تجنب بشتى الطرق إشعال حرب مع إسرائيل فى وضع سوريا تعانى فيه من حالة شديدة البؤس.
خلاصة القول، فى إطار الجدل المحتدم داخل الولايات حول الإسلاميين منذ 2001؛ دافع جانب من المفكرين عن إمكانية التعامل مع الإسلاميين؛ معللين ذلك بأن التيارات الإسلامية عندما تصل إلى السلطة تُجبر على الواقعية او البرجماتية السياسية، والتخلى عن الكثير من أفكارها الجامدة-غير الواقعية- لأنها قد اصطدمت بحقيقة الأمور على أرض الواقع، مستشهدين تحديدا بأردوغان فى تركيا الذي قدم نموذجاً للحكم حداثيا ذا مرجعية إسلامية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4479
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4203
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2436
| 07 مايو 2026