رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الطفولة أمل المستقبل وإشراقة الغد المأمول للأمة وإعداد هذه البراعم الصغيرة للغد المأمول يجب ألا يتم عشوائيا، أو يترك الطفل لكي ينمو بأي شكل وفي أي اتجاه بل يجب تحقيق الإشباع المعنوي للطفل في مقابل الإشباع المادي من خلال زرع القيم والروحانيات وتنمية روح الانتماء الوطني وتعميق المفاهيم الخاصة بالحقوق والواجبات ومعاني الحرية والمسؤولية في هذه اللبنات الغضة سهلة التشكيل بالإضافة إلى تحقيق الثراء الفكري وتنمية الإدراك والقدرات.
ومرحلة الطفولة من أهم مراحل الحياة عند الإنسان وأكثرها خطورة فهي تتميز عن غيرها بصفات وخصائص واستعدادات وهى أساس لمراحل الحياة التالية، وفيه جذور لمنابت التفتيح الإنسانى: ففيها تتفتق مواهب الإنسان، وتبرز مؤهلاته وتنمو مداركه، وتظهر مشاعره، وتتبين إحساساته، وتقوى استعداداته وتتجاوب قابلياته مع الحياة سلبا أو إيجابا.
وبوجه عام يمكن القول إن موضوعات أدب الأطفال ما هي إلا تمثيل للحياة من خلال تصوير وتعبير متميزين. وإذا أريد بأدب الأطفال كل ما يقدم إليهم بقصد توجيههم فإنه قديم قدم التاريخ البشري حيث وجدت الطفولة، أما إذا كان المقصود به ذلك اللون الفني الجديد الذي يلتزم ضوابط فنية ونفسية واجتماعية وتربوية ويستعين بوسائل الثقافة الحديثة في الوصول إلى الأطفال فإنه في هذه الحالة لا يزال من أحدث الفنون الأدبية.
ويؤلف أدب الأطفال دعامة أساسية في تكوين شخصيات الأطفال عن طريق إسهامه في نموهم العقلي والنفسي والاجتماعي والعاطفي واللغوي وتطوير مداركهم وإغناء حياتهم بالثقافة التي نسميها ثقافة الطفل.
والحقيقة أن أدب الأطفال يعد تشكيلاً لغوياً ينتمي لنوع الأدب سواء أكان قصة أو شعراً أو مسرحية يقدمه كاتب تقديماً جيداً في إطار متصل بطبيعة الأدب ووظيفته اتصالاً وثيقاً ويتفق مع عالم الطفولة اتفاقاً عميقاً, ويجب أن يراعي أدب الأطفال خصائص مراحل الطفولة ويتدرج بها إلى الكمال وذلك عن طريق إشباع احتياجاتهم في إطار المثل والانطباعات السليمة وعليه فإن أدب الأطفال في مجموعة الآثار الفنية التي تصور أفكار وإحساسات وأخيلة تتفق ومدارك الطفل وتتخذ أشكال القصة والشعر المسرحي والمقالة والأغنية وغيرها وأدب الأطفال ليس مجرد وسيلة للمتعة بل وسيلة للتنمية الدينية والخلفية والثقافية والارتقاء بالمشاعر والأحاسيس وإذا كان الأدب نافذة نطل من خلالها على أنفسنا وعالمنا فلابد أن تكون تلك الإطلالة بالنسبة للطفل إطلالة ترتقي به وتوجهه وتعلمه وتحقق له نوعاً من التوافق النفسي والتكامل الاجتماعي ورغم أن أدب الأطفال يتميز بالبساطة والسهولة إلا أنه لا يعد تصغيراً لأدب الراشدين لأن لأدب الأطفال خصائصه التي تسبغها طبيعة الأطفال أنفسهم فالطفل ليس مجرد رجل صغير كما كان يشاع من قبل, حيث إن حاجات الأطفال وقدراتهم وخصائصهم الأخرى تختلف في اتجاهاتهم عما يميز الراشدون.
إن الطفل بحاجة إلى أن يعرف ذاته، ويعرف البيئة المادية المحيطة به، والأديب يساهم في تهيئة الفرص اللازمة لتلك المعرفة، حيث يقدم مجموعة من الخبرات فيها حكمة الإنسان وآماله وطموحاته وآلامه وأخطاؤه ورغباته وشكوكه، والأطفال يميلون بصدق إلى أن يتذوقوا هذا السجل الحافل، ولا أدل على ذلك من شغفهم بالقصص التي تروي عليهم أو يقرؤونها، ومحاولتهم الجاهدة لفهم الكلمات المكتوبة الزاخرة بهذا السجل وكتب الأدب للأطفال تقدم لهم الكثير، عن أشياء من بيئتهم المادية بما فيها من حيوان ونبات وشجر، ويزداد شوقهم للأدب كلما وضح لهم جانب جديد من عالمهم بعيد المدى والاتساع.
ويتفق التربويون على أن أدب الطفل أساس لبناء شخصيته وتنمية إحساسه بالجمال وتغذية خياله بكل ما يشبع شغفه المتزايد للمعرفة ومواكبة تطلعه الدائم للتعرف على المزيد والمزيد مما يجري في العالم المحيط به. أدب الطفل رسالة تربوية لا يستهان بها في بناء علاقة الطفل الإيجابية بالبيئة المحيطة به وترسيخ القيم الأساسية اللازمة لبناء شخصيته السوية وأشير هنا إلى أهمية أن يلعب دورا مؤثرا في إدراك الطفل للغته العربية وتذوقه لمعانيها ومفرداتها وقدرته على التعبير عن أفكاره ومشاعره من خلالها.
ويعد أدب الأطفال ضرورة وطنية وقومية وشرطا لازما من شروط التنمية الثقافية المنشورة في عقدها الدولي بل إن أي تنمية ثقافية تتجاهل أدب الأطفال أو تهمله ناقصة وتفتقر لجذورها وذلك لأسباب تتعلق بطبيعة التكوين المعرفي والتربوي للإنسان وأدب الأطفال سبيل لا غنى عنه لتسريع عملية التنمية الثقافية والاجتماعية مما يتطلب المزيد من الجهد لتأهيل أدب الأطفال وتدعيمه في التربية والمجتمع في مختلف المؤسسات ولا تتوقف هذه الجهود عند نشر كتاب أو بث برنامج إذاعي بل تحتاج إلى تخطيط قومي شامل في صلب التخطيط القومي للثقافة العربية يراعي خصوصاً أدب الأطفال وينهض بمسؤولية على أنه ادخار في كسب الحياة العربية ولأدب الأطفال طابعه التربوي والقومي والشعري والإيديولوجي لمواجهة الغزو الثقافي والإعلامي الاستعماري ولهذا وبرغم الحديث عن الضرورة الوطنية والقومية لأدب الأطفال فقد أغفلت أهمية أدب الأطفال في الوطن العربي ومازال الكثير منهم يتعرفون على مخاطبة الناشئة في أدب يساعد على إنماء جماهير الأطفال الواسعة بما تمليه اعتبارات هذه المخاطبة التربوية والفنية بل إن كثيرين يرون خيراً في ممارسة هذا الخطاب. وقد يبدو أدب الأطفال سهلاً لكنه في الحقيقة على درجة عالية من الحساسية والأهمية بما ينبغي ترجمة الأفكار إلى مواضيع ذات صبغة طفولية بفهمها الأطفال وذلك من أجل إيصال هدف معين لهم, فالأطفال يمتلكون مساحة ضيقة من الانتباه وغالباً ما تكون قدرتهم اللغوية ضعيفة لذا ينبغي مراعاة المستويات والحاجات والخصائص الطفولية من خلال الإنتاجات الأدبية المقدمة لهؤلاء الأطفال لذا يتوجب على الكاتب في أدب الأطفال استخدام الأسلوب المحبب لاسيما أن هذا الأدب من الفنون الصعبة ويجب أن يتسم بالبساطة في الكتابة واللفظ والمعنى وأدب الأطفال ليس لمجرد التوضيح والاستنارة، ولكنه زيادة على ذلك يكشف للأطفال سر الجمال والحقيقة، كما أنه ليس لمجرد أن يشرح الإنسان به نفسه لنفسه، ولكنه بالإضافة إلى ذلك يمكن الأطفال من أن يقبلوا الحياة كما هي وأن يعيشوها إلى أبعد أعماقها.
إن أدب الأطفال يقوم بدور مهم في إثراء لغة الطفل، واللغة وثيقة الصلة بالتفكير. وتقوم القصص والمسرحيات والأغاني والأناشيد، وغيرها من ألوان الإنتاج الأدبي، بدعم القيم والصفات اللازمة لعمليات التفكير الإبداعي والابتكاري، مثل: دقة الملاحظة، والصبر والمثابرة، والتفكير الجاد المستمر، وتنمية الخيال، والتفكير الناقد ... إلخ. وألوان الإنتاج الأدبي المقدم للأطفال تصل إلى دعم هذه الصفات والقيم الإيجابية بوسائل شديدة الفعالية، مثل: التقليد والقدوة، الاستهواء (وهو تقبل آراء الآخرين ممن يعجب بهم الطفل ويقدرهم من غير نقد أو مناقشة)، والانطباعات، والاندماج، والتعاطف الدرامي، والتقمص، وغيرها.
فلنبدأ بتربية المعلم قبل التلميذ!!
إن عملية بناء الفرد في أي مجتمع من المجتمعات ليست بالعملية السهلة المُيسرة ولا تقوم بها جهة واحدة... اقرأ المزيد
1343
| 08 يناير 2016
التربية الثقافية للطفل
تخضع شخصية الإنسان خلال مراحل نموها المتعاقبة لعدد كبير من العوامل الوراثية والبيئية، وتبدأ هذه العوامل تأثيرها من... اقرأ المزيد
7925
| 28 ديسمبر 2015
التخطيط لبرنامج تدريبي ناجح
لكي نخطط لوضع وتنفيذ برنامج تدريبي ناجح ، يجب أن نبدأ بتحديد دقيق لأهداف هذا البرنامج بتغطية الجوانب... اقرأ المزيد
4224
| 30 نوفمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026