رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الوقائع المتعاقبة في مصر خلال الأيام الماضية كانت كفيلة بأن تملأ دهرا من الزمان ليصف المراقبون ما يجري بأنه دلالة حيوية، ومن المفارقات أن العديد من البشر تلقوا حكم المحكمة الدستورية بحل البرلمان "بالزغاريد"، لتخلصهم من كابوس خارج عنهم وهم الذين استحضروه بأيديهم، وكأنهم فرحوا بغفران من السماء لاختيارهم هؤلاء النواب ممثلين عنهم، وهم ذات البشر الذين تلقوا مؤتمر محمد مرسي فجر الإثنين والذي أعلن فيه محمد مرسي فوز محمد مرسي!، أيضا بزغاريد وجدتها تنطلق من شرفات منازل تحيط بمنزلي ومكالمات الفجر أنه كان يجب ألا يفوز شفيق. كابوسان انزاحا ولكن هل خلت الساحة من أشباه الثوار والسياسيين وأشباه المفكرين بل أشباه الرجال، حيث الرجولة صفة فارقة عن الذكورة؟ لا أظن.
الثورة ليست رمية زهر على لوحة لعبة السلم والثعبان، وبما ينتجه الزهر من أرقام بحكم الحظ يمكن أن تصعد سلما يوفر جهدا، أو أن تقع بين فكي ثعبان يهبط بك للأسفل، الثورة أثابكم الله، علم، ودراسة لقوى مجتمع، وقدرة على توظيفها لرؤية ناتجة من المجتمع وليست مستوردة لينال المتحدثون بها رضا وتقديرا ولينحرفوا بالمجتمع عن احتياجاته، والثورة حالة من الصحة النفسية لا يُقَيَّم فيها الرجال بنوع تسريحة الشعر أو لون ربطة العنق، وليست مجرد ألسنة وهتاف دون أن نملك قدرة الحصاد لنتائج نريدها ويستخدم غير الثوار حماس الثوار ليصنعوا ثانية استحواذا جديدا على مجريات الأمور.
استطاب الكثير هنا في أحاديثهم وكتاباتهم وصف أحكام المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون العزل السياسي وهو حكم يتيح لشفيق أن يستمر في انتخابات الرئاسة، وعدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب بأنه انقلاب ناعم من المجلس الأعلى للقوات المسلحة للاستيلاء على السلطة، وزاد من دعم هذا الوصف قرار من وزير العدل بمنح رجال الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية حق الضبطية القضائية، وهو قرار في مضمونه إعلان جزئي للأحكام العرفية، نرفضه نعم، ولكن أليس هناك من أعلن أن نجاح شفيق سيعني موجة من العنف؟، وإذا كانت الخفة أخذت بعقول المُحدثين في ممارسة السياسة إلى هذا الحد، أليس من الضروري أن تكون هناك محاولة لوقف هذا النزق؟.
وشهدت مصر أيضاً صراعا محتدما حول الجمعية التأسيسية للدستور، وبلغت مناورات الإخوان فيها حد أن الطعون عليها بدأت قبل أن تجتمع، بل إنها كشفت أيضاً أن الإخوان لا يعنون ما يقولون وينحون إلى الإقصاء والاستحواذ وهم الأحوج إلى اصطفاف سياسي معهم في أمر انتخابات الرئاسة، ولكنه العجز عن قراءة الواقع المصري والكِبر وقاعدة الاستحواذ التي سيطرت عليهم.
وكان غريبا أيضاً أن تخرج فتوى من الشيخ القرضاوي تبيح للناخب إذا عرضت عليه أموال مقابل صوته أن يأخذ الأموال ويعطي صوته لمن يشاء، وكأننا بدلا من أن ندعو إلى القيم بين شعبنا الفقير أو غير الفقير، نربيهم على قبول الرشوة.
وكان من أثر الأحكام القضائية أن برز اتجاه يرفض أن يملك المعسكر الآخر كل الأوراق، وإذا كان البعض يعطي صوته لشفيق على مضض تخلصا من سيطرة الإخوان، فقد وجب مراجعة الموقف واتخاذ موقف مع مرسي ضد شفيق؟؟ هكذا وصل الحال في اتخاذ القرار، تأرجح صنعته قدرة المعسكر المعادي أو المناور على الثورة، وعجز وغياب معسكر الثورة، وصار الشعب هو من يدير المواجهة وأيضا ببطاقة التصويت الوسيلة الوحيدة التي يملكها.
كانت الرؤية الأساسية في رفض كلا المرشحين، أنهما من المعسكر المضاد للثورة، أحدهما من النظام السابق، ومتهم في 34 قضية لم تحاول النيابة دراستها أو التحقيق فيها، والثاني من الجماعة التي تحالفت منذ قيام الثورة مع الإدارة الجديدة في مصر سواء في الاستفتاء أو صياغة قانون غير دستوري للانتخابات البرلمانية أو القبول بإعلان دستوري كانت عليه ملاحظات، وأخيرا بالموقف من الجمعية التأسيسية للدستور. وامتد تفسير الصراع بينهما أنه تنافس وأن مرسي إن نجح سيحمل "كفنه" ويسلم نفسه للمعسكر ذاته ممثلا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة ويهديه فوزه.
ويعلن المجلس العسكري إعلانا دستوريا مكملا، وتقوم دنيا الأصوات العالية رافضة!، عظيم أن تعلم ما لا تقبل، ولكن على الثوار أن يحددوا ما يقبلون، ولن أمل من تكرار أن أشباه النخبة وأشباه الأحزاب وأشباه المرشحين وأشباه الثوار رفضوا في أغلبهم اقتراحا هيكل رؤية البرادعي، وقبلوا اللعب بالقواعد التي وضعها البشري والإخوان والمجلس العسكري، ولي حول هذا الإعلان ما يلي:
أولا: أن الإعلان حسم أمر العلاقة بين الدولة والجيش، بما يعني أنه في عقيدة المجلس العسكري في هذه اللحظة ليست هناك دولة مكتملة الأركان، أو دولة عاقلة متوازنة، يمكن أن يطبق معها ما تقر به العلوم والأبحاث في شأن العلاقة بين الجيش والدولة. وهنا اتخذ الإعلان أمرين:
1ـ عدم ترك قرار الحرب للرئيس المنتخب منفردا، بل يجب أن يكون القرار مشتركا مع المجلس العسكري.
2ـ أنه أضفى صفة الثبات والدوام على المجلس الأعلى بأشخاصه، وأنه وحده الذي يتصرف في كل ما يخص المؤسسة العسكرية، وتحديد وزير الدفاع والقائد الأعلى.
كلا الأمرين مناقض للرؤية التي استقرت لتحديد العلاقة بين الجيش والدولة، ولكنها إن رآها البعض أنها انقلاب مطلق، فهي في الوقت ذاته اعتراف برخاوة الدولة، وانعدام يقين في قدرة القادم لمنصب الرئاسة، ومدى إدراكه للمسؤولية تجاه ما يقرر بشأن الحرب، أو ما يقرر بشأن الجيش ذاته.
ولعل السادة الذين تعاملوا بخفة في أمر العلاقة بين الجيش والدولة، وحولوها إلى أحاديث أرصفة الشوارع والمقاهي، يدركون الآن أهمية الدعوة التي وجهناها لعقد مؤتمر وطني لتحديد هذه العلاقة وفق ما وصلت إليه العلوم السياسية والإستراتيجية عبر مئات السنين، بل وما وصلت إليه مصر في أعقاب حرب 1967 ونشرناه في هذا المكان، ولكل المعترضين في هذه اللحظة أقول: هل ترتفعون إلى مستوى الأمر وجديته، أم أنكم ستهتفون بسقوط حكم العسكر وأنتم لا تملكون بديلا؟.
ثانيا: الجمعية التأسيسية للدستور وتولي المجلس العسكري أمر تشكيلها وحسب الوارد من معلومات، أن يكون ذلك وفق ما اقترحه المجلس الاستشاري ووافقت عليه القوى السياسية في أبريل الماضي، والذي خرجت بعدها اللجنة التشريعية بمشروع قانون، سكتت عنه، لتعود إلى مشروعها الأخير والذي أنتج من الانقسام أكثر من إنتاج جمعية تأسيسية تعبر عن القوى الوطنية والاجتماعية المكونة المجتمع، حيث صار المجتمع عندهم هو الإخوان والسلفيون، ثم ما يضاف إليهما.
ولا أجد بديلا من هذا الأسلوب رغم ما ينطوي عليه من احتمالات خطر من ناحية أخرى، أنه سيصدر كقرار، وأيضا لا ناقض له إلا الدم، فهل يرتقي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى مستوى الاحتياج الوطني ويفتح الباب على مصراعيه لتكوين هذه الجمعية دون إقصاء أو استحواذ؟.
ولعله من الواجب مراعاة آلية التعامل مع الاختلاف داخل الجمعية التأسيسية حول مواد الدستور إن وجد اختلاف، وعدم الركون إلى المحكمة الدستورية، ولكن لتكن المحكمة الدستورية جزءا من جماعة الفقهاء الدستوريين التي يمكن الاحتكام إليها لحل أي اختلاف.
ومن الواجب أن تتاح فرصة لحوار مجتمعي حول مسودة الدستور قبل الاستفتاء عليه، بل يجب أن يبدأ على الفور حوار حول التنمية والعدالة الاجتماعية، حتى لا يكون الدستور مجرد صياغات لا ترتكن إلى رؤية علمية تدرك مقدرات وإمكانات المجتمع، وتجمع الشعب على إرادة التنمية وأيضا تلزم المجتمع بمعنى مفهوم العدالة الاجتماعية، ليلتزم به كل من يتولى مسؤولية.
وكذلك الأمر بشأن العلاقة بين القوات المسلحة والدولة، وضمانات صحتها لصالح المجتمع وفق معايير صحيحة، إن كانت الضرورة تؤدي إلى تجاوزها في اللحظة، فيجب ألا نفتح بابا ليتحول التجاوز إلى قاعدة دائمة لهذه العلاقة، لأنه يقوضها ولا ينشئها.
ولعله يصبح من الواجب هنا أن نقول وبشفافية للمجلس الأعلى (الدائم وفقا للإعلان المكمل) للقوات المسلحة، إن مصالحة مع الشعب يجب أن تتم، وأهمية الإفراج عن المعتقلين والمحاكمين عسكريا لرفع حالة الاحتقان، وإعلان حقيقة المسؤوليات في وقائع ماسبيرو ومجلس الوزراء والقصر العيني ومحمد محمود وبورسعيد، بل إن المجلس يمكنه إن أراد أن يحدد من هم القناصة المسؤولون عن قتل المتظاهرين.
ثالثا: أن الانتخابات النيابية التي تعقب إقرار الدستور يجب أن تقوم على قانون جديد، يتيح الفرصة المتساوية أمام الجميع للترشح وفق إمكانات متوسطة، وهو أيضا يستلزم مراجعة حالات الإفساد السياسي والفساد الوظيفي والمالي داخل المجتمع، سواء بقانون للعزل أو بقواعد تحكم الصحة السياسية والمجتمعية وفق معايير ما أنتجته الثورة من قيم، ويجب تقنين هذا الأمر على الأقل قبل انتخابات المجلس النيابي ومتزامنة مع إقرار قانونه، وهذا يستلزم إرادة سياسية قبل الصياغة القانونية، وإلا فما شرعية كل ما صدر في الإعلان التكميلي إن لم يكن محاولة جادة لتصحيح مسار 16 شهرا مضت، وإنه محاولة لنصرة الشعب الذي تحمل عبء الثورة والشهادة وضريبة الدم والصبر.
وتؤكد نتائج مرحلتي انتخابات الرئاسة، ورغم تزاحم متغيرات اللحظات الأخيرة، أن الشعب يتدبر أمره فيما أراده بثورته، وهو يدير معركته بذاته وبالآلية المتاحة أمامه وهي التصويت، رغم كل ما يقال عن العصبيات والقبلية والعائلات الحاكمة وأصوات القرى التي يملكها عمدة القرية.
القراءة المباشرة للأرقام وفق ما أعلن تؤكد أن الشعب، ورغم الفارق البسيط الظاهر بين المرشحين، لن يقبل بإعادة إنتاج نظام مبارك، كما أنه لن يقبل باستبداله بنظام مستبد جديد تحت عباءة الدين.
الأصوات التي ذهبت إلى مرسي ضد النظام السابق
الأصوات الباطلة (750 ألفا)، والممتنعون عن التصويت، ضد كل من النظام السابق والإخوان.
والأصوات التي حصل عليها شفيق بسبب رفض أداء الإخوان والتخوف من غموض نواياهم.
الحديث عن إمكانية إعادة إنتاج النظام السابق هو فزاعة يجري إرهاب الشعب بها، ولكن ذلك لا يعني عدم غياب رؤية للثورة تحدد النظام الذي تريده، أو آلية تجمع عناصر الثورة وتتخلص من الذين يتعايشون على الثورة دون إضافة مسؤولة حول كيف نحقق الأهداف التي نلوكها بالقول وفقط.
بإعلان نتيجة الانتخابات لن ننتقل إلى مرحلة جديدة، ولكننا نعود إلى قبيل استفتاء مارس 2011، محملين بكل دروس الفترة الانتقالية، ومواقف القوى والجماعات والأشخاص.
ترك المجلس الأعلى للقوات المسلحة حبل الطموح والجشع للإخوان على سجيته، فالتف حول رقبتهم، والسؤال بعد جملة وقائع الأسبوع الماضي والإعلان التكميلي، هل أدرك الإخوان الدرس؟. إن إدراكهم للدرس يتطلب بالأساس انقلابا في المفاهيم السياسية داخل الجماعة وعلاقتها بالمجتمع ـ إن لم تتعرض لحكم بالحل في القضية المنظورة اليوم الثلاثاء أمام القضاء الإداري ـ وتغير المفاهيم ربما يتطلب تغييرات في القيادة، وكلاهما أمر مستبعد تحققه بالسرعة الواجبة بما يواكب الاحتياج الوطني، والأغلب أنهم ذاهبون إلى توافق جديد مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وفق التغيير الذي جرى على الموقف التفاوضي بينهما.
والمجلس العسكري مطالب بأن يعيد قراءة المطالب الشعبية التي أعلن عن تفهمه لها، والتي تتمثل في العيش الحرية العدالة الاجتماعية، وعدم قصرها على إنهاء مشروع توريث الحكم، وتجاوزه إلى مواجهة الفساد وإعادة البناء لدولة عصرية بما تحمله الكلمة من معان، وبكل الشعب.
سواء استوعب الإخوان أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، دروس المرحلة الانتقالية أو تجاهلوها وظلوا أسرى رؤاهم الخاصة، فإن الشعب الآن أمامه مهمة بناء كيانات جماهيرية منظمة، وأن يدرك ضرورة الفرز وأهميته، وأن السعي إلى دستور يحقق له أهدافه، وانتخاب مجلس نيابي جديد يفرض على عناصر الثورة الحقيقية بعد الفرز وأن تدعم من تختار وأن تنتج بديلا ملائما للمعروض عليها من أشخاص.
هكذا عادت المبادأة إلى الشعب فهل يستوعب الجميع ذلك؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
15981
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3909
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026