رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما يتجاهل السياسيون مبادئ علم الاقتصاد تتحول برامجهم إلى كوارث، فلكي يتخذ مسؤول ما قرارات فيما يتعلق بالمسائل السياسية المهمة، فإن عليه أن يتعلّم أساسيات علم الاقتصاد. ومن ذلك أن يفهم النظريات العلمية المعروفة في هذا المجال ويطبقها على نحو متسق ومنطقي. وإذا كانت النظريات الاقتصادية تميز بسهولة بين الأنظمة الرأسمالية التنافسية وبين أنظمة التخطيط المركزي الاشتراكية، فإن الورطة التي يقع فيها بعض السياسيين أنهم يحاولون الدمج بطريقة غير منهاجية بين النوعين، على نحو يوحي بأنهم لا يفهمون أيا منها.
فالكثير من "الأنظمة الفردية" تخطط لمشاريع التنمية على نحو مركزي، ولكنها تفعل ذلك لمرة واحدة فقط، إذ هي تخطط مركزيا لصالح تسليم مقدرات البلاد لمستثمر رأسمالي، فتسن القوانين التي تسهل الاستثمار وتحصن المستثمرين وتيسر لهم التحلل من التزاماتهم، وتخفف القيود على الأصول العامة التي يتم تسليمها إليهم بلا مقابل، وتمكن الشركات الأجنبية من تقليل العمالة الوطنية بدون توقيع عقوبة عليها، وتجهز البنية التحتية خدمة لأغراض المستثمرين، وتخفض الضرائب، وتحد من قدرة العمال على الإضراب، وتجرم احتجاجاتهم بكافة أشكالها، بحيث يتكون في النهاية نظام اقتصادي يقوده الاستثمار الخارجي بمباركة القوى الدولتية، التي تسخر قدراتها البيروقراطية والتنفيذية تحقيقا لمصالح لا تمتد آثارها إلى خارج دوائر النخبة الضيقة (من الدولتيين والمستثمرين) إلى عموم الشعب المستهدف افتراضيا بهذه التنمية.
وكما هو واضح فإن السمة الأساسية لهذا النظام الاقتصادي الهجين هي غياب المنافسة، فإذا كانت المنافسة تشكل مخرجا للكثير من أزمات الاقتصاد الحر وتهذيبا للكثير من انحرافاته، حيث تضمن أن المستثمر لن يراوغ أو يخادع، لأنه يعلم أنه في منافسة مع آخرين معنيين مثله بتحقيق الربح، فإن الآفة الأساسية للاقتصادات المهجنة هي تخصيصها المشاريع لمستثمرين بعينهم بالأمر المباشر، على نحو يعفيهم من عبء المنافسة مع غيرهم ويرفع عن كاهلهم عبء تجويد أدائهم الاقتصادي.
وكما يغيب التنافس بين المستثمرين يغيب التنافس بين الإرادات السياسية المختلفة، وذلك إما بغياب الكيانات السياسية التي تملك موازنة السلطة التنفيذية، مثل البرلمان، ومؤسسات المجتمع المدني، والإعلام الحر، وإما بتسييس هذه المؤسسات على نحو يفقدها الفاعلية والتأثير، ما يُبقي القرارات المركزية (التي تتضمن تخصيص مليارات الدولارات) بدون مراقبة أو محاسبة.
إن الأنظمة الاقتصادية الهجينة تجمع أسوأ ما في النظامين الاشتراكي والرأسمالي، فمن ناحية فإنها عادة ما تسلم الطبقات الفقيرة لجشع المستثمرين، الذين يفضلون في الغالب أنماط الإنتاج كثيفة الآلات ومنخفضة الأيدي العاملة، ومن ناحية أخرى فإنها تستبعد المواطنين من عملية اتخاذ القرارات المهمة، على افتراض أنها وكيلة عنهم في تحديد الأصوب والأنفع لهم.
وإذا كانت عيوب الليبرالية الاقتصادية أوضح من أن تشرح، فإن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بالتخطيط المركزي، الذي يرى البعض أنه ضروري لتحقيق التنمية في الدول الآخذة في النمو. والحقيقة أن التوجيه المركزي في غيبة كافة مؤسسات الدولة بخلاف السلطة التنفيذية لا يعد ضمانا لتحقيق النمو الاقتصادي.
ومن أشهر المفكرين المعاصرين الذين ناقشوا منظومة التخطيط المركزي وأبرزوا عيوبها، الاقتصادي النمساوي فريدريك فون هايك، الذي يؤكد أن التخطيط الذي تقوده إرادة منفردة عادة ما يشكل بيئة خصبة لنمو الأفكار الشمولية. فالمخطط يعشق السلطة التي تعني إجبار الناس على تبني خياراته، والديمقراطية عادة ما تقف عائقاً بينه وبين ذلك، ولذا تكون أولى خطوات المخطط المركزي أن يقضي على الديمقراطية أو أن يفرغها من كافة معانيها. من ناحية أخرى يؤكد هايك أن المخطط المركزي عادة ما يصل إلى عكس ما يرمي إليه، إذ تنتهي خططه الطموحة لتحقيق التنمية الشاملة إلى مجموعة من الإنجازات الجزئية والعشوائية.
ويذهب هايك إلى أن العوامل التي تؤدي إلى نشوء الأفكار الشمولية المتطرفة في الأنظمة مركزية التخطيط تتمثل في التبجيل المتزايد للدولة، والقبول القدري بالاتجاهات الحتمية، والتحمس للتخطيط المركزي (الذي تقوم به الدولة بالنيابة عن المجتمع).
ومن جمله المأثورة في هذا الصدد: "إن السلطة التي يتمتع بها المليونير الذي أعمل لديه هي أقل بكثير من السلطة التي يمتلكها أصغر بيروقراطي يفرض سلطة الدولة الإجبارية أو القسرية". وبالعودة إلى الأنظمة الهجينة كتلك الموجودة في عالمنا العربي نجد أن هذه المشكلة تتضاعف، إذ تجتمع على المواطن السلطتان، سلطة الدولة عبر بيروقراطيتها العقيمة، وسلطة الرأسماليين الذي تختصهم الدولة بالمزايا الاستثمارية والفرص التي لا تتيحها للآخرين على نحو متساو.
مشكلة أخرى تواجه التخطيط المركزي أن الدولة تحتفظ لنفسها بكافة المعلومات، فيما تبقي المواطنين على درجة عالية من الجهل. وعليه إذا كانت ثمة مشكلة في تقييم الأداء أو الآراء الاقتصادية بشكل عام، فإن ثمة مشكلة أكبر في تقييم التخطيط المركزي، وذلك لأنه إما ألا يتيح للناس أي معلومات على الإطلاق، أو أنه يتيح المعلومات التي تظهر إيجابياته دون سلبياته، ومرة أخرى تتفاقم هذه المشكلة في الأنظمة الهجينة، حيث يتحول التخطيط إلى مناسبة للحشد السياسي، ومن ثم تعرض خطط التنمية على الناس في إطار من البروباجندا السياسية، وذلك بتصوير كل ما يتم القيام به من قبل تحالف النظام والمستثمرين على أنه حكيم وحتمي.
غير أن هذه الأفكار - وفقا لهايك - هي بالضبط ما ينبغي اجتنابه في المجتمع الاقتصادي الرشيد، الذي يؤمن أفراده بأن من حقهم أن يعلموا وأن يناقشوا وأن يقرروا بأنفسهم ما يتم اتخاذه من قرارات، وأولى خطوات ذلك هي الاقتناع بأن ما يقوم به الغير بالنيابة عنهم هو رمز للفشل والحماقة والبعد عن الرشادة الاقتصادية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4722
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4662
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1545
| 13 مايو 2026