رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الطابق الرابع حيث صالة تحرير جريدة الأهرام كنت مشغولا بمتابعة وقائع ثورات الربيع العربي -الأحد قبل الماضي - استعدادا لإضافة جديدها إلى الطبعة الثانية التي تصدر في الحادية عشرة مساء لم أنتبه لعبارات تتردد حولي بشأن مسيرة ضخمة من الأقباط مرت على مبنى الصحيفة الأضخم في المنطقة ورددوا شعارات مناهضة لها رغم أن الأهرام باتت أكثر انفتاحا من ذي قبل على مفردات الواقع المصري بعد ثورة الخامس والعشرين ولا تختلف متابعتها لأحداثها ومعطياتها عن أي صحيفة من الصحف التي كانت تصنف في خانة المعارضة للنظام السابق إن لم تتقدم عليها في بعض الأيام.
كان ذلك في نحو السادسة مساء ولم أعر المسألة كثير اهتمام فالمسيرات والاحتجاجات أضحت جزءا من المكون اليومي للحياة المصرية بعد الثورة غير أنه بعد حوالي السابعة مساء أخذت التطورات تتصاعد وتتدفق على نحو شكل مفاجأة وهو ما تجلى في جلوس رئيس التحرير ومسسئولي الدسك المركزي على الطاولة الرئيسية بصالة التحرير خاصة مع ورود أنباء عن مواجهات أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون والذي يطلق عليه "ماسبيرو" بعد توجه المسيرة إليه والتي انطلقت من منطقة شبرا وهي واحدة من المناطق التي يسكنها تجمع مسيحي عالي الكثافة نسبيا في العاصمة ثم الإعلان عن استشهاد مجندين تابعين للجيش المصري في هذه المواجهات ثم توالى الإعلان عن تصاعد أعداد استشهاد المجندين وغيرهم من المدنيين وبدا لنا الأمر أشبه بحرب حقيقية في ماسبيرو ونحن نتابع سير المواجهات عبر شاشات التلفزيون التي تتصدر الصالة من محطات مختلفة فتيقنت أن ثمة خطرا حقيقيا يحدق بالمحروسة فالنيران تشتعل أمامنا والقتلى والجرحى من الجانبين تتزايد أعدادهم وأسلحة نارية تستخدم إلى جانب ما يسمى بالشوم والسنج والسيوف وزجاجات المولوتوف وقطع الرخام التي لا يعلم أحد كيف وصلت إلى الموقع بهذه الكثافة وبهذه النوعية وكأنما طرف أو عدة أطراف استعدت لهذه المواجهة ثم أنباء عن قيام مدرعات تابعة للجيش بدهس مواطنين وامتدت المواجهات التي أخذت شكل الكر والفر إلى المناطق المحيطة بماسبيرو إلى ميدان عبد المنعم رياض وإلى ميدان التحرير وشارك أهالي منطقة بولاق أبو العلا التي يقع فيها مبنى الإذاعة والتلفزيون منحازين إلى صف الجنود وبدأ نوع من الاستقطاب على أساس ديني مما حدا بجماعات سلفية للاحتشاد والسعي إلى الدخول في المواجهات التي استمرت إلى ما بعد منتصف الليل
وفي المنطقة المحيطة بالمستشفى القبطي بشارع رمسيس البعيد عن منطقة ماسبيرو بحوالي 3 كيلو مترات جرت مواجهات أخرى أخذت طابعا طائفيا مقيتا وفي مناطق المواجهات بدأ الفرز الطائفي على نحو بغيض من هذه الفئة أو تلك واشتعلت الكراهية في تلك الليلة خرج مخزون من الغضب المكتوم لدى كل جانب وخشيت أن تتحول القاهرة إلى بيروت أخرى بحيث يتم القتل على الهوية وهو ما حدث بالفعل في بعض المناطق وكادت الأمور تخرج عن السيطرة فتم اللجوء إلى قرار فرض حظر التجول في منطقة وسط القاهرة التي شهدت المعارك من الساعة الثانية ليلا حتى الساعة السابعة صباحا وهو القرار الذي أنقذ العاصمة من الوقوع في براثن حرب طائفية حقيقية خاصة مع ورود أنباء عن حشود لحوالي خمسة آلاف من السلفيين استعدادا للدخول في المواجهة مع المتظاهرين من الأقباط
وبعيدا عن الوقائع التي بات يعرفها الجميع فإن المرء يشير إلى جملة من الملاحظات الرئيسية في قراءة ما جرى من وقائع الفتنة في ماسبيرو يمكن إيجازها فيما يلي :
أولا : تراخي السلطات الحكومية بداية عن التعامل مع أزمة كنيسة ماريناب بإدفو جنوب مصر ومحاولة احتوائها على نحو ينتصر للعدالة والقانون والمنطقة وبما يوقف تداعياتها التي سعت دوائر قبطية في القاهرة إلى استثمارها في سياق ما تراه من أزمة مع الأغلبية المسلمة وكان يمكن في هذا الصدد إرسال لجنة حكومية من العاصمة إلى منطقة الأحداث والوقوف على الحقائق ميدانيا قبل أن تتفاقم الأمور إلى هذا الحد الدموي والذي أحدث شرخا في العلاقة بين نسيج الوطن الواحد وسيتطلب متسعا من الوقت حتى يمكن مداواته.
ثانيا : غياب الاستعداد من قبل الأجهزة المعنية للتعامل مع المسيرة التي تم الإعلان عنها في وقت مبكر من قبل الدوائر القبطية التي أعلنت احتجاجها على ما جرى للكنيسة سواء عبر بيانات نشرتها وسائط الإعلام المعروفة أو من خلال شبكة التواصل الاجتماعي – الفيس بوك أو رسائل البريد الألكتروني وبعضها للأسف كان ينطوي على تهديد واضح بالتصعيد والمواجهة ولكن يبدو أن الأجهزة الأمنية المسئولة عن تجميع المعلومات وتحليلها لم تعد بالكفاءة المطلوبة أو أن ثمة أجنحة ما زالت تدين بالولاء للنظام السابق رأت ترك الأمور تمضي باتجاه التصعيد وهو ما يصب في مصلحة الفوضى التي بشر بها مبارك عندما قال في إحدى خطبه خلال مظاهرات يناير أما أنا أو الفوضى وليس ثمة بيئة مواتية للفوضى من توظيف الفتنة الطائفية وإشعال معركة بين الجيش والمسلمين من ناحية والأقباط من ناحية أخرى.
ثالثا : من أين جاء المندسون أو البلطجية وكيف تسنى لهم اختراق المظاهرة السلمية للاقباط ولماذا تركوا يعملون أسلحتهم المتنوعة قتلا وإصابة سواء في قوات الجيش والأمن والأقباط وما هي نوعية القوى والشخصيات التي تقف وراءهم بحيث بات سيناريو تدخلهم يتكرر في كل مسيرة أو مظاهرة ذات طابع سلمي فسرعان ما تتحول إلى كرة من نار تظل تتمدد حتى تجهض أهدافها بل وتعلي من حجم المخاطر وتوسع الهوة بين الجيش والشعب وبين الأمن والشعب وبين الحكومة والشعب وتبث حالة من الكراهية والإحباط إلى الحد الذي أدى بالبعض إلى الكفر بثورة الخامس والعشرين من يناير.
رابعا : نحن في حاجة إلى معرفة الحقائق المتصلة بواقعة فتنة ماسبيرو وبالذات الأسباب التي أدت إلى لجوء الجيش إلى العنف في التعامل مع المتظاهرين وهل كان قيام مدرعة أو مدرعات تابعة له بدهس متظاهرين كان ممنهجا أم محض ردة فعل على اعتداءات بالأسلحة النارية وغيرها من أنواع مختلفة على أفراده الذين كانت خزائن أسلحتهم خاوية من الذخيرة؟ فالجيش أعلن أن الدهس لا يدخل ضمن مفردات عقيدته القتالية حتى مع العدو وما فهمته أن ما جرى في هذا الجانب بالذات جاء للتصدي لسيل الاعتداءات التي تعرض لها جنوده والذين كاد بعضهم يتعرض للاحتراق داخل مدرعته واستشهد ثلاثة من الجنود فضلا عن إصابة أكثر من عشرين آخرين.
خامسا : إلى أي مدى اتسمت التغطية الإعلامية بالذات من قبل التلفزيون الحكومي بالتحريض على الأقباط؟ ذلك سؤال مطروح بقوة ويتطلب إجابة موضوعية وشفافة من لجنة مستقلة محايدة فثمة اتهامات من قبل دوائر عديدة للتلفزيون بأنه لجأ إلى استخدام لغة التحريض وتوجيه نداءات للإسراع إلى الدفاع وحماية الجيش من اعتداءات الأقباط الأمر الذي دفع بعض الفئات المتوجسة إلى الإسراع بالتجاوب مع هذه النداءات خاصة من أهالي المناطق القريبة من ماسبيرو بينما يرى المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن التلفزيون تعامل مع الموقف بموضوعية ومهنية خاصة أن التغطية للأحداث كانت على الهواء مباشرة وما زالت هذه القضية موضع جدل واسع بيد أنه يمكن الإشارة الى أن البعض من المذيعين والمذيعات والذين كانوا يتابعون الوقائع مباشرة لم يتمكنوا من الالتفاف على عواطفهم عندما شاهدوا بأم أعينهم جنودا يقتلون وتنزف دماؤهم فسارعوا في حماس إلى توجيه الدعوة لحماية الجيش وهو خطأ مهني لأن الجيش ليس في حاجة إلى حماية المدنيين له وهو جيش الجميع مسلمين ومسيحيين والذين تتكون وحداته منهم فضلا عن ذلك فإن ذلك أسهم دون أن يقصد هؤلاء المذيعون في تأجيج البعد الطائفي وهو ما يتطلب مساءلة وتقديرا لطبيعة اللحظة الانفعالية.
سادسا: بات المطلوب بإلحاح من الجماعة الوطنية المصرية أن تتجاوز الخطاب الطائفي والسعي إلى احتواء تداعيات ما وقع في ماسبيرو والتركيز على المراحل المنتظرة التي تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة المصرية عبر صيغة الاقتراع المباشر التي ستقود إلى انتخاب البرلمان بمجلسيه ثم رئيس الجمهورية تكريسا للخيار الديمقراطي وهو أحد المطالب الرئيسية لثورة الخامس والعشرين من يناير صحيح أن الجرح سيظل لفترة نازفا غير أن مصلحة الوطن فوق الطائفة أو الأشخاص ومن هنا فإن المرء يتوجه مخلصا إلى رموز المؤسسة الدينية خاصة بعد الإعلان رسميا عن إنشاء بيت العائلة برئاسة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب والبابا شنودة بابا الكنيسة الكاثوليكية لوضع محددات جديدة وعقلانية وشفافة تعيد التوهج للنسيج الوطني الواحد باتجاه يعلي من قيمة المواطنة وعلى حساب الطائفة والاحترام المتبادل للجانب العقيدي وتجنب أي محاولة للاستقواء بالخارج تغذيها بعض دوائر الأقباط في المهجر والأهم من كل ذلك وقف كل عمليات التحريض الطائفي والديني التي تتولاها بكفاءة منقطعة النظير فضائيات من هذا الجانب أو ذاك وأغلبها يمول من الخارج.
السطر الأخير: دعيني أؤكد لك أنك صباحي ومسائي ربيعي وخريفي ضيائي وطني ومنفاي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3162
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026