رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كم كان مزعجا الخبر الذي أعلنه "كريس جارفيس" رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، من اتفاق الحكومة المصرية والبنك المركزي المصري وفريق صندوق النقد على إعطاء مصر 422% مما سموه "حصتها" في الصندوق، أي حوالي 12 مليار دولار أمريكي، وذلك لدعم برنامج الحكومة لما سماه "الإصلاح الاقتصادي" من خلال "تسهيل الصندوق الممدد" الذي يغطي ثلاث سنوات.
وإن كانت الموافقة الحالية ترتهن بموافقة المجلس التنفيذي للصندوق، والذي يُتوقع أن ينظر في طلب مصر خلال الأسابيع القادمة، فإن الخبراء بدأوا بمناقشة الدين الخارجي لمصر الذي سيصل إلى 53.4 مليار دولار، بعد حصول البلاد على قرض صندوق النقد الدولي، وبحسب الأرقام الصادرة عن البنك المركزي المصري، فإن إجمالي الدين العام المحلي لمصر ارتفع إلى نحو 2.5 تريليون جنيه في نهاية مارس الماضي، بارتفاع نسبته 11.2% عن نهاية يونيو من عام 2015.
المطلعون على دهاليز ما يفعله صندوق النقد الدولي، يدركون شروطه القاسية التي لا تبدأ بإلغاء الدعم الكلي عن السلع، وتحرير قيمة الخدمات، ولا تنتهي بتعويم قيمة العملة المحلية للدول المقترِضة، بل وتحديد قيمتها الحقيقية مقابل الدولار، فضلا عن شروط أخرى سوف تقتحم هيكلية الاقتصاد المصري، كما فعلت بدول أخرى حتى دمرتها اقتصاديا.
أحد قراصنة الاقتصاد في العالم "جون بيركنز" ألف كتابا سماه "الاغتيال الاقتصادي للأمم"، تناول فيه ما تفعله هذه المؤسسة -التي لا يخرج قرارها السيادي من أمريكا- من تدمير ممنهج للدول التي ارتهنت لها!
بيركنز تحدث عن الصندوق كأداة إمبريالية تسهم في نهب وتدمير اقتصاد الدول النامية لضمان استمرار تبعيتها للسياسة المالية العالمية، وهي في حقيقتها لا تُخرج الدول من دائرة الفقر، وإنما تحرص على إبقائها فقيرة ولكن بمديونية أكبر، كما يذكر ذلك عالم الاقتصاد ميشيل تشوسودوفيسكي.
بيركنز تحدث عن ألفاظ "الحكم الرشيد"، و"تحرير التجارة"، و"حقوق المستهلك" و"خصخصة الخدمات"، والتي لها نتيجة واحدة وهي "الهيمنة".
في تقرير جميل نشره موقع "نون بوست"، أشار فيه إلى تجارب دول أخرى نجح صندوق النقد الدولي في إفقارها مثل البرازيل والأرجنتين ودول إفريقية أخرى، بخطوات متشابهة، سنخصص لها مقالا منفصلا. التقرير ذاته أشار إلى دول نجحت في حماية نفسها من تطويق صندوق النقد بدرجات متفاوتة، مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا.
في مارس 2002 قدم الاتحاد الدولي للمحاسبين الوصفة التي تُمنح الدول القروض على أساسها. اشتراطات كثيرة ومعقدة لا يتم إتمام التحويلات المالية إلا بها، وهي في جلّها تزيد مديونية الدول وتُبقيها فقيرة، فضلا عن تقييد ومحاصرة دور المؤسسات السياسية الوطنية، بل تتعداها إلى مؤسساتها الديمقراطية، ما يعني وصولها إلى قرارات الدولة السيادية سياسيا واقتصاديا وحتى اجتماعيا.
مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق تحدى وصاية صندوق النقد الدولي، واستطاع خلال عامي 1997-1998 إبّان الأزمة المالية التي اجتاحت ماليزيا حينذاك تبنّي أجندة اقتصادية صلبة، حيث طبّق حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، بدأها بالقضاء على الفساد في الجهاز المصرفي، وحارب المضاربة على العملة الماليزية في الخارج، كما أنشأ شركة حكومية لدعم شركات البورصة المحلية، ووضع قيودا على حركة رؤوس الأموال وربط عملة ماليزيا بالدولار الأمريكي، وألزم مهاتير المصدرين بالتنازل عن قيمة الصادرات بالكامل للجهاز المصرفي، طبعا ذلك كان ضمن حزمة اقتصادية متكاملة.
يقول مهاتير في محاضرة له بالقاهرة في 2013: "... تقدم الصندوق بقائمة مطالب منها تخفيض قيمة العملة، وتحقيق فائض في الموازنة العامة للدولة، والسماح بإفلاس الشركات...، بالطبع كان لا بد أن نرفض لأنه عندما يتم تخفيض قيمة العملة، فإن ذلك سوف يجعلنا نفلس..".
أضاف: "هذا ما يفعلونه.. بيع وشراء العملة بما يحقق لهم مكاسب خيالية، وعرفنا لحظتها أنهم يحاولون تدميرنا، وعلى الفور قررنا عدم قبول نصائح النقد الدولي".
نجحت ماليزيا في حماية نفسها، لكن دولا أخرى لم تنجح مثل بيرو وغانا وزامبيا والبرازيل والأرجنتين وأخيرا اليونان التي سجّلت عجزا عن سداد ديونها المستحقة، والذي وضع الاقتصاد العالمي والأوروبي بصورة خاصة أمام لحظات فارقة في تاريخه. نموذج آخر هو الحكومة البرازيلية، التي دفعت بين عامي 1985 و1989، 148 مليار دولار، منها 90 مليار دولار لفوائد القروض الأجنبية! بل وصلت الخطورة إلى أن البنك الدولي بدأ يتدخل في وضع الدستور البرازيلي، ما تسبب باشتعال الصدامات في صفوف الشعب قبل سنوات.
الأرجنتين تعرضت لتدمير قضى على طبقتها الوسطى وألحقها بالفقيرة، بل وصل بها الحد في التسعينيات إلى بيع ما يسميه الأرجنتينيون "مجوهرات الجدة"، من نفط وغاز ومياه وشركات الكهرباء والبنوك الحكومية. وحتى نظام الضمان الاجتماعي تمت خصخصته، وتم تحويل الكثير من مخصصاته إلى حسابات خاصة. كل ذلك تسبب في انهيار اجتماعي أثار سخطا وشغبا شعبيا عارما!
هي نماذج لخطط البنك الدولي لتدمير اقتصادات الدول وإفقارها، والتي لابد يوما من أن تطول سيادتها اقتصاديا وسياسيا، حتى لو كانت تنعم بمؤسسات ديمقراطية مثلا.
متى ما استطاعت دولنا أن تستقل بنفسها فيما تصنع وتأكل، لتجعل من اقتصادها قوة لها مكانتها السياسية النافذة والمؤثرة، حمت نفسها من "استعمار" واحتلال جديد وناعم، لن يتوقف على الإفقار وزيادة المديونية، ولكنه سيطول أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي أيضا.
متى ما استطاعت دولنا الخليجية والعربية والإسلامية أن تتكامل وتتحالف اقتصاديا وماليا، فلن تستطيع أمريكا بأدواتها وأذرعها الخبيثة أن تدمّر ما تبقى من سيادة لدولنا، ولن يتوقفوا يوما ما عن استهدافها.
خَفُت زمان "الاستعمار" بالسلاح والحاكم العسكري والمستشارين الأجانب الذين يحكمون باسم الإمبراطوريات الغربية، وجاء زمان الاستخراب الناعم، الذي جعل دولنا رهينة للغرب في الوقت الذي تظن فيه أنها استفادت من خدماته، وهي لا تعلم أنها تضيّق الحبال على رقابها حتى الاختناق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3195
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1236
| 01 أكتوبر 2026