رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة ترقب لأحوال الثلاثين من يونيو الجاري في المحروسة وهو الموعد المحدد لمظاهرات سلمية قررتها عدد من القوى السياسية والثورية احتجاجا على ما تطلق عليه فشلا ذريعا للرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي خلال عامه الأول من فترة رئاسته المقررة بأربع سنوات وهو ما يستوجب ضرورة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة توفر سبيلا آمنا للخروج من الأزمة التي باتت تستحكم بمفاصل البلاد. والمعضلة تكمن في أن القوى الإسلامية الحاكمة والأخرى التي تتحالف معها أعلنت رفضها للمساس بما تصفه بالشرعية مهددة باللجوء إلى آليات عنيفة لمقاومة من يهددون الرئيس وسلطاته بل بلغ المدى بأحد رموز هذه القوى إلى إبداء الاستعداد لمقتل أكثر من مائة ألف شخص للمحافظة على الشرعية وقد يكون ذلك من قبيل استعراض القوة واستخدام أدوات الحرب النفسية للتأثير على منظمي فعاليات الثلاثين من يونيو خاصة حركة تمرد التي تقود هذه الفعاليات غير أن المخاوف تتسع قاعدتها من إمكانية استغلال عناصر ما لهذه الأجواء المحتقنة عبر القيام بممارسات تدفع الأمور دفعا إلى الاقتتال بين المناهضين والموالين لمرسي.
وثمة حدثان وقعا خلال الأيام القليلة الماضية يصبان في منحى يعمق من مخاوف تفجير المشهد الداخلي في المحروسة أولهما ما جرى يوم الأربعاء الماضي بمحطة الرمل بالإسكندرية عندما اعتدى مجموعة من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمون على شباب حركة تمرد خلال قيامهم بحملة لجمع توقيعات على وثيقة تطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة وهو ما يؤشر إلى عناصر الجماعة قد تعمل على مواجهة التظاهرات السلمية يوم الثلاثين من يونيو والتي ستكون في المنطقة المحيطة بقصر رئاسة الجمهورية بمنطقة مصر الجديدة والمعروف بالاتحادية والذين يعتزمون الاعتصام حتى يتحقق مطلب المشاركين برحيل مرسي إلى استخدام العنف ضدهم من خلال شباب مدرب ولديه خبرات في استخدام الأسلحة وأساليب الكر والفر قد يدفع الشباب المسالم إلى اللجوء - كرد فعل - إلى العنف مما يعيد إلى الأذهان أحداث الاتحادية خلال شهر نوفمبر الماضي والتي قوبلت خلالها احتجاجات الشباب السلمية باعتداءات ممن أطلق عليهم بمليشيات الإخوان والجماعات المتحالفة معها فتسبب ذلك في قيام هؤلاء بالرد عليهم مما أسفر عن قتلى من الجانبين. أما الحدث الثاني والذي مازالت ظلاله ممتدة حتى الآن فيتمثل في اعتصام مجموعات من المثقفين والحركات الثورية المؤيدة لهم أمام وزارة الثقافة بمنطقة الزمالك احتجاجا على سياسات وزير جديد بدأ مهامه بعمليات إقصاء واسعة لقيادات الوزارة حتى قبل أن يتعرف على أوضاعها ثم جاءت جماعات وعناصر تعلن مساندتها للوزير وسرعان ما انقلب المشهد مساء الأربعاء الماضي أيضاً إلى اشتباكات عنيفة بين الطرفين استخدمت فيها الحجارة وبدت المنطقة المحيطة بمقر الوزارة أشبه بساحة حرب وهو ما اعتبره البعض بروفة لما يمكن أن يقع في الثلاثين من يونيو. وأسهم تصريح للواء محمد إبراهيم وزير الداخلية في رفع سقف المخاوف عندما أعلن أن قوات الأمن ستنسحب من الشارع في يوم التظاهر وأنها لن تتدخل إلا عند تعرض المنشآت الحيوية لأي اعتداء أو خطر لكنه سرعان ما تراجع عنه وأكد أن الأمن سيحمي المتظاهرين وسيتدخل في حالة بروز أي تفاقم للموقف. وأظن أنه يمكن وضع حد لهذه المخاوف من خلال التأكيد على احترام حق المتظاهرين في القيام بفعاليتهم مادامت التزمت بإطارها السلمي البحت وهو حق يقره الدستور والقانون ولكن السؤال من الذي يضمن هذه السلمية وما هي حدودها؟ وفي الوقت ذاته فإنه على أصحاب الموالاة التوقف عن التهديدات باللجوء إلى القتل والعنف والسؤال نفسه مطروح فمن بوسعه أن يضمن عدم انخراط هؤلاء في تنفيذ تهديداتهم مما يحول دون دخول المحروسة في دائرة النار؟ غير أن ثمة خطوات باتت مطلوبة بإلحاح قبل مجيء الثلاثين من يونيو لإزالة الاحتقان خاصة من قبل مؤسسة الرئاسة تبدأ في تقديري بإعلان الرئيس مرسي عن تعهدات تتسم بالجدية والقطع لتنفيذ برنامج محدد المدة والمراحل والأهداف يصب أساسا في اتجاه ينهي سلسلة المعضلات اليومية التي يكابدها المواطن المصري والتي تفاقمت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير والتي يمكن القول للأسف إنها لم تحقق أهدافها التي خرج الثوار من أجلها وتتمثل في الحرية والكرامة والعيش والعدالة الاجتماعية وأود أن أستطرد قليلا على هذا الصعيد وأقول لو أن الرئيس مرسي ركز جهده من خلال عامه الأول على البحث عن حلول حقيقية لهذه المعضلات لحظي بقاعدة شعبية تحيط به لكنه أعطى - للأسف - الأولوية لمعارك سياسية أضرته ولم تفده فقد نزعت فقط إلى تحقيق ما يوصف بتمكين جماعة الإخوان المسلمين من مفاصل الدولة المصرية وهو أمر من السهل تحقيقه من خلال التفاعل مع مطالب البشر.
ومن الأمور الجديرة بالاهتمام والتطبيق خلال الفترة القصيرة القادمة أن يعلن الرئيس مرسي تقليص مسافة التداخل والتماهي مع الجماعة ولا أقول قطع الصلة بها نهائيا خاصة أن ثمة يقينا آخذا في الازدياد بأن من يحكم هو مكتب الإرشاد في منطقة المقطم وليس مكتب الرئيس بقصر الاتحادية.
لقد أعلن الدكتور محمد مرسي أكثر من مرة أنه رئيس لكل المصريين غير أن ممارساته لم تدفع الأغلبية إلى تصديقه في هذه المقولة لاسيَّما أنه كان يلجأ إلى عشيرته عندما تحط به الملمات وفي تقديري فإن خطوة من قبيل تغيير حكومة الدكتور هشام قنديل التي أثبتت عجزها رغم كل محاولات الترقيع التي جرت على حقائبها خلال التسعة الأشهر المنصرمة من شأنها أن تدفع الاحتقان الراهن إلى الزوال السريع أو على وجه الدقة إلى التلاشي من المشهد الوطني. إلى جانب ذلك ما الذي يضير مؤسسة الرئاسة لو استجابت لمطلب القوى السياسية والثورية بإقالة النائب العام الحالي الذي صدر به قرار يعد باطلا من حيث المواءمة الدستورية إن المحروسة ليست في حاجة إلى إشعال الحرائق بقدر ما هي في حاجة إلى تلبية الأشواق إلى الحوار والتوافق الوطني الحقيقي واللافت أن مرتكزات ذلك متوافرة في العديد من الوثائق وفي مقدمتها وثيقة الأزهر التي أقرت من قبل كافة القوى السياسية بما في ذلك جماعة الإخوان وحزبها السياسي، المطلوب فقط هو إعادة قراءة هذه الوثيقة ومن ثم مقاربة بنودها والتعاضد لتطبيقها فقد يكون ذلك مدعاة للخروج من دائرة المخاوف التي تتسع يوما بعد يوم كلما اقترب موعد الثلاثين من يونيو.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4629
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026